*في جاليري مقهى "فتوش" في حيفا اليوم، معرض للصور بعنوان "كفر عقب" وهو اسم لقرية فلسطينية تقع إلى الشمال من مدينة القدس بنحو (13) كيلومترا، والى الجنوب الشرقي من مدينة رام الله، حيث تبعد عنها (4) كيلومتر تقريبا.
من سمع بهذه القرية؟ من يعرفها أصلاً؟؟ أسئلة كثيرة راودتني وأنا أنظر إلى الصور واللقطات الرائعة.. وعندما قرأت أسم المصورة: "فداء كيوان" من حيفا،. فمن هي هذه فداء التي تسكن معي في نفس المدينة وتنقل لنا هذه الصور المبهرة، التي من خلال وجوه وعيون الأطفال، نرى فلسطين كلها بمأساتها الأبدية؟!
سألت صاحب الجاليري وديع شحبرات، فعرفني بها وقد أثارت اهتمامي كثيراً، لدرجة أنني أصررت أن أجري معها هذا اللقاء، حتى أعرفكم عليها:

**متمردة ومشاغبة!
فداء مواليد عام 1981، وتقول: ولدت في مدينة حيفا ونحن في العائلة (6) أخوة وأنا رقم اثنين في العائلة تعلمت في مدرسة "راهبات الناصرة" في حيفا وبعدها في مدرسة "الروم"، كنت بنت متمردة في المدرسة، مشاغبة وأستصعب تنفيذ جميع القوانين.. بعد الثانوية سافرت إلى السويد، زرت خالي هناك وسافرت بعدها مع بعض الأصدقاء إلى فرنسا.
 منذ صغري أحببت موضوع التصوير والفن بشكل عام وفي صغري تعلمت الرسم والعزف على البيانو وبعدها درست في معهد "روبين" للموسيقى ولاحظت ميولي الشديد للفنون.. أحب الموسيقى واستمع إلى الطرب القديم، جدتي أمينة- أوالدة أمي- كانت تقضي الكثير من وقتها معنا، فأمي دائما تعمل وموجودة خارج البيت وجدتي كانت تحب أم كلثوم، وبسببها زاد عشقي للأغاني القديمة وميولي ما زالت للفن القديم وليس الجديد.. لم أكن كباقي أولاد سني وكانت ميولي بشكل خاص للتصوير.

**لأني عربية!
تضيف فداء: تعلمت التصوير في كلية التصوير الفوتوغرافي في تل أبيب، وهي كلية تتخصص في التصوير الصحافي الوثائقي،.. درست في الكلية لمدة عامين وفي الفوج الذي تعلمت فيه كان هناك (30) طالب وكنت العربية الوحيدة بينهم.
التعليم يشمل حضور مصورين مشهورين في مجال الصحافة، وأغلبه كان تعليم عملي وكنا نذهب لتصوير أماكن عربية ولأنني عربية، كنت أقوى منهم في التعبير عن التصوير، الطلبة اليهود يصورون بدون اهتمام للمشكلة والقضية كما هو المتبع في التصوير الوثائقي.. أما في مجال التعليم النظري والتكنولوجي عن كيفية استعمال الكاميرا وكيفية تحميض وتبييض الصور، فكان ليوم واحد في الأسبوع.. وتناولنا خلال التعليم أفكار مثل عكا ويافا والطقوس الدينية، والمعاقين وكيفية التعامل والتصرف مع الآخر وكيف سنوصل الفكرة عن طريق الصور، كل يوم جمعة كان هناك عرض للصور في الكلية ليأتي النقاد ويعطوا آراءهم في إنتاجنا.

 

**للاتجاه السياسي!
وتعلق فداء: في فن التصوير، يجب أن تأخذ أساسيات الفكرة وتطورها حسب منظارك الشخصي.. وخلال تعليمي، سكنت في مدينة يافا في حي"العجمي" لمدة عامين وسكنت في مدينة تل أبيب لمدة عام. وفي نهاية الفترة الدراسية نقدم معرض مفتوح للجمهور، يشارك فيه جميع الطلبة في الكلية.. في المعرض الأخير قدمت صور مشروعي الذي يعبر عن حياة الرهبنة عند الراهبات، ذهبت إلى دير وصورت حياة الراهبات، حيث كانت الفكرة أن نأخذ نوع حياة معينة وتمرير الفكرة للكلية، فصورت حياة الرهبنة عن طريق الدين والتدين، أغلب أعمالي تذهب للاتجاه السياسي، خاصة أنهم في تل أبيب لا يعرفون العرب ويجهلونا واليساريين قلائل والعرب لا يقومون بواجبهم بالشكل الصحيح للتعريف عن أنفسهم ودائما آخذ الأمر على نفسي ووظيفتك تكون تمرير الصورة عن العربي لليهود.. سكنت لعام إضافي في تل أبيب لسهولة المواصلات للقدس ورام الله وضواحيها حيث كنت اذهب باستمرار إلى هناك لأصور.

**العرب يخافون الكاميرا!
بعد تعليمي فهمت ان التعبير عن فكرة يمكن أن يكون طريق الصور وليس فقط عن طريق الأخبار والكتابة، وفي كل الحالات يجب معرفة الناس في الشارع، وعند الجمهور العربي، صعب أن تذهبي للتصوير مباشرة، لأنهم يخافون من الكاميرا والتكلم معهم باللغة العربية يشعرون بأنك متعالية عليهم.. لذلك، أنا لا أستعمل عامل الشفقة في التصوير، بل اذهب إليهم وأجلس معهم عدة أيام وبعدها فقط، أبدأ أبتصويرهم بشكل نقي وبدون أن تكون حساسيات وهكذا يتسنى لي أن أعيش القضية كما يجب.. قمت بهذا الأمر في: رام الله والقرى في ضواحيها، مخيم الدهيشة، قلنديا، جنين.. أكون الآن فكرة عن "الجدار الفاصل" والحارات التي انشقت بسببه، أريد أن أصور العائلات، وأنا الآن أبلورة الفكرة وبدأت بالتقاء بعض العائلات.

**كفر عقب.. المعرض الأول
عن معرضها الحالي "كفر عقب"، وهو المعرض الرسمي الأول لها، والمقام في مقهى "فتوش" حتى نهاية الشهر الحالي، تقول فداء: في هذه القرية عندي أصدقاء وكنت أذهب وأصور هناك وهكذا تعرفت عليهم ومنذ أربعة أعوام وأنا أزورها، البيوت كلها قديمة وفيها تلال وجبال، هناك تشعرين بالأجواء الفلسطينية.. وأسميته بهذا الاسم ليس لأنني أريد أن أتكلم عن القرية، بل لأن كل الفكرة تدور حول الأطفال وهم سيحكون القصة والهدف من الاسم هو أن يتسنى لكل من سيرى المعرض، أن يفكر ويتساءل: أين تقع كفر عقب والأطفال سيحكون عن بلدهم والهدف توعية الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وخاصة الشبيبة المراهقة، لأنني لاحظت أن هذه الشريحة لا توجد لديها توعية سياسية ومنهاجهم التعليمي هو إسرائيلي، رغم أننا نستطيع استغلال طاقاتهم وهم جيل واعي ويفهمون بالتكنولوجيا وإذا أفهمناهم ما هي طاقاتهم وعن تاريخهم وهنا أعطيهم مواد للتفكير والتحفيز، أغلب الناس لا يعرفون أين تقع غزة بالنسبة لرام الله، الكثير لا يعرفون المناطق من ناحية جغرافية، اليوم يهدمون "باب المغاربة" ولو سألتهم أين يقع هذا؟ فلا أحد يعرف!! سياسة التجهيل آخذة بالتفشي بين الجيل الشاب والصغار.. أفضل أن يدخل معرضي إلى المدارس، أن ندخل ونسألهم أسئلة ونحرك شيء داخلهم ولربما يتوجه الطفل إلى "كفر عقب" ليسأل عنها وأنا أريد أن أقوم بالدفعة الأولى.. حتى الآن لم أعمل على إدخال المعرض إلى المدارس، كانت هناك فكرة في تدريس التصوير في المركز الجماهيري- حيفا، كبقية التعليم وقد حضـّرت فكرة مكتوبة عن ذلك، فالدورات في المراكز الجماهيرية هي نفس الدورات منذ كنت طفلة، دربكة كاراتيه وما شابه وأعتقد أن نفس المعلمين ما زالوا يقومون بنفس الدورات!! أفضل أن أجد مراكز جماهيرية في المدارس وعرضه لجمهور أوسع.. قبل أيام، كان هناك تعليقات جميلة وكان هناك نقاش في فتوش حول المعرض وما هي الرسائل التي سيوصلها هؤلاء الأطفال وهذا ما أحببته جداً.
وتنوه فداء: الفنان جوليانو مير/ خميس، أقام مسرح "الحرية" في مخيم جنين وهو يقدم دورات ويساعد الأطفال والشبيبة ودورات فنون وأقام معرض عن حرب لبنان لفنانين من داخل وخارج البلاد، وبدأت اذهب إليه في المخيم وأصور لأجله ليضع الصور في كراسة المسرح وأنا أسافر إلى هناك مرة كل أسبوعين.

**برامج المستقبل: جدار وأطفال!
وعن برامجها المستقبلية، تقول فداء: أعمل بالإضافة إلى مشروع "الجدار الفاصل" على تصوير أطفال أصيبوا جراء الاجتياح الإسرائيلي، قسم منهم يعالج عندنا في المستشفيات وأنا أتابع ما حصل وما يحص وما سيحصل معهم في المستقبل.. أعمل مع (4) أطفال وأقدم لهم المساعدة بدون علاقة للتصوير وأعمل مع فتاة واحدة بشكل خاص أسمها "ماريا" موجودة في مستشفى "الين" في القدس وإصيبت في شهر آذار السنة الماضية، عندما أرادوا اغتيال بعض نشيطين حركة "حماس" وتقريبا كل العائلة ماتت سواها وأبوها وأخاها وهي اليوم، مقعدة بشكل صعب جدا، من رقبتها حتى أخمص قدميها ويريدون إرجاعها إلى غزة وفي غزة لا يوجد مؤسسات ترعاها، وستعاد إلى ديارها خلال شهرين.. وفكرة المشروع هي نقل صورهم وماذا أصابهم وسيكون هناك سلسلة معارض تمثل مأساتهم وتعريف الناس عليهم. الذين تسببوا في اصابتهم هم الإسرائيليين ومن يشرف على صحتهم هم أيضا إسرائيليين!!!
وتؤكد فداء: سأعمل مع كل الأجيال، شباب ونساء فأنا أعبر عن نفسي عن طريق التصوير وفي كل مرة جيل معين سيحكي القصة!

**تفاني في العمل
وعن تفانيها الملاحظ في العمل، تقول فداء: أمي تعمل ممرضة في مستشفى الأمراض النفسية وكنت أرى أمي كيف تهتم بالمرضى وهي إنسانة معطاءة جدا وتعلمنا ذلك منها وكل الاهتمام بالآخرين ورثته من والدتي..

**أصلنا وفصلنا
وتنهي فداء حديثها قائلة: لي علاقات مع مصورين يهود وروس ومصورين آخرون وهناك مصورة يهودية تذهب وتصور في الخليل تضع منديلا على رأسها وتصور في المناطق العربية، المصورين العرب أغلبهم يعملون مع وكالات أنباء، عندنا طاقات فظيعة للمصورين ولهم عيون جيدة ولكنهم يصورون أعراس وخطب ولا يعبرون عن أنفسهم، فإذا كان الإنسان من دون مبدأ فلماذا يجتهد.. الحس الوطني والانتماء لوطني هو مبدأي وعلينا أن نعرف أصلنا وفصلنا ولو كل واحد في مهنته يقدم جزء صغير من وقته فسيكون هناك تغيير جذري، لا أطلب منهم المحاربة بل فهم قضيتنا!!!