بقلم الإعلامي والكاتب نادر أبو تامر 
 
إلى طفولتي أخذني، خلال دقائق. في مسرح خال من المؤثرات. بضع حقائب فقط كانت هناك. تنقله إلى فرنسا عبر المطار والتفتيش، أو عدمه، بسرعة. إلى أمي وأبي. إلى الأنا الذي هو نحن والى النحن المترعة بأنانا. إلى أهل حارتي الطيبة أرجعني. لم اسمع اسم شفاعمرو هناك لكنني تنشقت شذاها. رائحة حارتي كانت تفوح من كل عبارة. عن البعنة تحدث سليم ضو، عن مجتمعه، مجتمعي، أصدقائه، رفاقي، فقره، وجعي، عنه وعنا جميعا.
 
كنت هناك بدموعي التي اختلطت بسيل كبير من قهقهات لا تتوقف، حتى في مفاصل لا تستدعي الضحك. أعادني إلى الناس الذين أحبهم، إلى لغتهم، آمالهم وشؤونهم اليومية.
 
منذ ولادته، هكذا في العرض، وحمله إلى الطبيب الذي أنقذه فطلع "ساغ سليم"، مرورا بتغيير اسمه عند الشيخ، وحتى ولادة بناته الأربع. منذ فاجأ مدير الابتدائية بنجاحه وحتى تخرجه من معهد بيت تسفي وعودته، لاحقا، من باريس.
 
كان حريا بي أن أحضر أولادي معي إلى العرض، لأعي هل سيفقه الجيل الجديد كل ما قاله سليم عن الوتوتة، البرزقة، القصعة والمشاهد الكثيرة الآتية من هناك، والتي تحدث عنها بنوستالجية بريئة من التعرجات، وهم حتما سيفهمون ما حل به حين وقف على المنصة ليغني فانقطع صوته.
 
حين استضفته في برنامج "أوراق" الإذاعي مؤخرا تحدث سليم ضو بلهفة عن العرض. سألته هل فيه تعمد للإثارة فأجاب بالنفي، ومن ثم أتيحت لي الفرصة لفحص إجابته بأمّ قلبي. وجدته هو هو يحكي من حنجرته الفردية والجماعية بعيدًا عن الإثارة المبتذلة.
 
أضحكني سليم من البداية، ولاحقا في منحنيات متعددة. أضحكني على شعرته الرابعة عشرة وقفشاته القروية الحكيمة وعلى نرجسيتنا الشفافة.
 
في مرتين أبكاني. حين أطلقت الشرطة النار على كلبته، ولم أتوقع؛ وحين توفيت والدته وهي، عندها، لأول مرة تضع في حضنها صحيفة تنشر صورته وخبر نجاحه في عالم التمثيل. ومع أنني توقعت المشهد لعلمي بالقصة غير دمعة قفزت من طرف عيني.
 
سألتني زوجتي في طريق عودتنا من حيفا عن استعمال الأقنعة في العرض وما الهدف منها، فحضرني إتقان الفنان لهذا الجانر المهني الذي يتميز به.
 
إلى ذلك، فإن الانتقال بين المشاهد المختلفة والفترات الزمنية المتباينة كان في منتهى الذكاء والسلاسة بحيث لم تشعر أنت كمشاهد بأنّ ثمة إقحامًا لملامح عنوة، وهذا ما فعله منذ البداية حين راح يتحدث مع الجمهور، بعدما تأمله طويلًا، عما ينتظره في العرض كبداية أنيقة وغير مبتذلة.
 
لأنني من أنصار التنويع اللغوي فقد أحببت انتقاله حتى في المشهد اللغوي بين ألوان ولهجات ولكنات متنوعة من عكية إلى قروية إلى حيفاوية إلى إلى ... 
 
يلعب ضو في ساغ سليم كل الأدوار وينسل من دور إلى آخر بانتقالات رشيقة تجعلك تعيش الحدث بعفوية طبيعية.
 
كنت أود ان يتلوّن المشهد المسرحي بمؤثّرات تغني العرض ولا تنهك سليم الذي يبقى لاعبا منفردا على المسرح طوال أكثر من ساعتين من الزمن. ولا بد من الإشادة بالفنان المرهف حبيب حنا الذي وإن بدا منعزلا عن العرض في بعض المشاهد، غير ان موسيقاه كانت جزءا لا ينقطع عن وقائع المسرحية ذاتها فكان يرافق الحدث بصورة حذقة وبتعبئة موسيقية غنية ومثيرة.
 
أحببت عرض سليم لصدقه ولقدرته على استنطاق حركاته لتكون ديكورا ملائما للعمل. ساغ سليم هو نحن في طهارتنا وعيوبنا. في طموحنا وجموحنا. هو النحن التي كناها. لا يستشرف المستقبل سليم بهذا العمل، غير انه يشكل في نفس الوقت شهادة حية نابضة عن رصيد اجتماعي ثقافي يتم توثيقه بعمل إبداعي مجدد. أقترح على سليم ان يحول هذا العمل إلى كتاب يؤرخ للبعنة التي هي كل قرية في الجليل.
من جيمي إلى كرميئيل إلى رمات جان إلى سخرية سوداء تنضح ذكاء، إلى مرافقته من قبل عشرات من أهل بلده إلى المطار حين كان ينوي السفر، إلى دراسته في الأرثوذكسية ويني يني وغيرهما. بكل الأدوار يقوم سليم. بشمولية رقيقة.