ليس للموت نظام أو ترتيب أو اختيار، في لحظة فارقة يتوقف النبض وتهجر الروح الجسد، ويتحول الإنسان إلى ذكرى.

سيطرت على العالم حالة من الحزن، بعد رحيل الفنان العالمي عمر الشريف، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بأعمال فنية خالدة في السينما العربية والسينما العالمية، من أهم سمات الرجل أنه كان شديد التواضع رغم شهرته الواسعة ونجوميته التي استمرت على مدار 40 عامًا.

لم تكن طفولة عمر الشريف عادية الملامح والتفاصيل فقد نشأ في منزل غريب الأطوار، كان والده تاجر أخشاب شديدة الطيبة ومهزوم الشخصية أمام زوجته، تلك الأم التي كانت تفتح أبواب المنزل للغرباء للممارسة لعبة القمار، ولذا كان يقول إنه تعلم لعب القمار من أمه، كانت سيدة جميلة تعشق نفسها وتحب الظهور أمام الجميع في صورة سيدة المجتمع الأرستقراطي مهما كلفها الأمر.

ويقول عمر الشريف إنه لم يكن طفلًا وسيمًا، كان شديد السمنة، وملامحه غريبة، ولذا كانت أمه تكرهه ولا تحب أن تراه صديقاتها، وفي محاولة للتخلص من هذا الطفل، قدمت له في مدرسة داخلية بمدينة الإسكندرية، والغريب أن الأب لم يتدخل أو يحاول إبداء رأيه، يقول الشريف إنه كان متسامحًا إلى حد كبير، وأنه ورث هذه الصفة عنه.

كانت الام تأتي لسداد المصروفات كل عام، وذات مرة رأت طفلها قد تحسن شكله وأصبح وسيمًا بسبب النظام الغذائي الذي وضعته إدارة المدرسة، بعد ذلك تحسنت العلاقة بينهما إلى حد كبير.

ويؤكد الشريف أن الملك فاروق كان يأتي لمنزله للجلوس على طاولة القمار، وكان الأب من داخله يرفض كل هذه الأشياء، ولكنه لا يستطيع مناقشة أو معارضة الأم.

وفي مرحلة الصبا، التقى عمر الشريف المخرج يوسف شاهين، الذي أقنعه بدخول عالم التمثيل بسبب وسامته وراهن عليه في فيلم “صراع في الوادي”، ذلك الفيلم الذي جمع بينه وبين سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة.

وكان هذا اللقاء هو النواة لميلاد قصة حب جميلة بينها، بلغت قمة النضج في فيلم “سيدة القصر”، وغيّر الشريف ديانته من اليهودية إلى الإسلامية من أجل الارتباط بالفتاة الناعمة التي غزت قلوب الشباب في ذلك الحين فاتن حمامة، وأثمرت علاقة الحب عن زواج رسمي.

وفي هذه الأيام بدأت خطواته نحو العالمية، وتم اختياره لبطولة فيلم لورانس العرب، وبحث عن أرض تستوعب أحلامه، سافر إلى هوليوود وسافرت معه فاتن، واستمر الزواج خمس سنوات تقريبًا.

وبدأت فاتن تشعر بالضيق، لأنها تحولت إلى كومبارس في حياته، وبدأت الغيرة تأكلها، لأنه يتقدم ويتحقق بينما هى ثابتة في بلاد غريبة لا يعرفها أحد، وبعد خمس سنوات تركته وعادت إلى مصر وعادت للسينما، وكان أول فيلم لها بعد

العودة “الخيط الرفيع” أمام محمود ياسين

.

 

تمسك عمر الشريف بعناده، ولم يعد إلى القاهرة، وراح يجري وراء حلم العالمية، ولكن كان هناك اتفاق بينهما، وهو أن تظل على ذمته حتى تقرر الزواج، وبالفعل استمر هذا الوضع الغريب 13 سنة تقريبا، وعندما أرادت فاتن الزواج عاد وطلقها بهدوء شديد، نعم عاشت فاتن حمامة على ذمة الشريف 13 عاما ولم يجمع بينهما فراش.

وبالرغم من تعدد المعجبات واختلاف ملامحهن، لم يحن عمر الشريف للزواج بعد فاتن حمامة ولم يمارس الرذيلة، كانت هوايته القمار فقط، ويقول الشريف إنه لم يكن مغرمًا بالفنانة فاتن حمامة كما يرسم خيال الناس، لأن العشرة بينهما أثبتت أنها امراة شديدة العناد، ويقول إنه بعد الانفصال أغلق الماضي وراح يحترمها لأنها أم ابنه فقط.

بعد الانطلاق للعالمية تغيرت نظرته للسينما العربية التي وصفها بالكئيبة، وأنها لا تسعد المشاهدين وتصيبهم بالكبت والحيرة، وقال إنه يكره كل أفلامه العربية القديمة، ولا يحب أن يرى نفسه فيها، خاصة في سن الشباب، عندما كانت هناك حسنة كبيرة في أنفه، ويقول: “لا أعرف لماذا كان الناس يرونها أمرًا جميلًا، وأنا أراها أشبه بذبابة تقف على أنفي ولا تنوي الرحيل”.

في أواخر أيامه، غافله مرض الزهايمر، واحتل جسده، وعاد للقاهرة أملًا وطمعًا في الموت على أرضها، ونقله ابنه إلى منتجع في الجونة، ولكنه لم يحتمل الانعزال عن الناس، لذا فضل أن يقطع بنفسه صلته بالحياه.
دفعه الزهايمر إلى الاكتئاب، ومن هنا فكر في الامتناع عن الطعام، وكان هذا القرار بمثابة إعلان صريح بالرغبة في الانسحاب من الحياة.