كعادتها، ومنذ تشديد الحصار على مدينة نابلس، وسائر المدن الفلسطينية في الضفة الغربية، تأتي تمارة الأحمد إلى مقر عملها في أحد مصارف رام الله، وهي ترتدي «تي شيرت»، وبنطلون «جينز»، وحذاء رياضياً، سرعان ما تخلعها لترتدي لباساً رسمياً مكوناً من جاكيت وتنورة، يفرضه المصرف عليها وعلى زميلاتها بحكم عملهن... وتسعى الأحمد إلى الوصول إلى مقر عملها قبل بدء الدوام الرسمي بنصف ساعة، كي يتسنى لها تجهيز ثياب العمل، والانتهاء من «الميك آب»، وتسريح الشعر، وهي تضع في ركن من مكتبها ثياباً تغسلها وتكويها في احد محلات «الدراي كلين» في رام الله، وعدداً من الأحذية المغلقة ذات الكعب العالي، بينما تحتفظ في درج مكتبها، بمصفف شعر (سشوار)، وكريمات، وأقلام حمرة الشفاه، وكحلة، وغير ذلك مما يلزمها للظهور بكامل أناقتها.

وتمارة التي تضطر، ومئات من صبايا فلسطين، إلى عبور الحواجز يومياً، تؤكد أن «الطرق الترابية التي تسلكها، والاضطرار إلى الجري هرباً من رصاص جنود الاحتلال، في الكثير من الأحيان، تفرض عليها ارتداء أزياء خاصة تساعدها على تجاوز هذه الرحلة الجبلية الصعبة، وتقول: «طلقت الكعب العالي، واتجهت نحو الأزياء الرياضية المغلقة، التي تمنحني سهولة في الحركة، وتمنع دخول التراب إلى قدميّ، فنحن نسير في طريقنا من نابلس إلى رام الله، عبر طرق وعرة، اما الملابس فليس لدينا سوى ارتداء «جينز» و «تي شيرت»، وفي الشتاء نرتدي معاطف ثقيلة، ونفضل أن تكون جلدية، لتفادي أي بلل محتمل جراء احتجازنا في المطر، أو اضطرارنا للسير تحته لدقائق أو حتى ساعات».

أما زميلتها المحجبة، نداء الأطرش، فتؤكد أن المحجبات أيضاً بتن يرتدين «الجينز» تحت جلابيبهن أو تنانيرهن، لتفادي الطين والأتربة، وتقول: «حتى الحجاب بتنا نربطه بطرق معينة ليكون محكماً، كي لا يعيقنا أثناء المسير».

ويؤكد أحمد القاسم، صاحب محل لبيع الأحذية في رام الله، إن «ما تنتعله نساء فلسطين وفتياتها قد يختلف عن غيرهن من نساء الأرض، خصوصاً أولئك اللواتي يقطعن الحواجز العسكرية يومياً، فلا إقبال على شراء الأحذية ذات الكعب العالي إلا نادراً، على عكس الأحذية الرياضية، والمريحة في شكل عام، في حين أن الصنادل المغلقة تلقى إقبالاً أكثر من المفتوحة في الصيف، تلافياً لإمكان وصول التراب إلى القدم»، مشدداً على أنه لا يستورد إلا الأحذية التي «تتناسب مع واقع الفلسطينيات من جهة، وتواكب الموضة من جهة أخرى»، مؤكداً «انتشار الأحذية الصينية أكثر من غيرها، بسبب ثمنها المخفوض، لا سيما مع تفاقم الضائقة المالية للكثير من الأسر الفلسطينية في السنوات الأخيرة».

أما أبو محمد أبو السكر لذي يملك محلاً لبيع الأزياء النسائية، فيشير إلى الانتشار الواسع للموديلات المختلفة من بناطيل «الجينز»، والكتان، على حساب «التنورة»، كما أن «الأطقم الرسمية الأكثر مبيعاً هي تلك التي تتكون من جاكيت وبنطلون، وليس جاكيت وتنورة»، في حين بدأت محال «الألبسة الشرعية»، وبحسب نوال طه، العاملة في إحداها، تبيع جلابيب مزودة ببناطيل من اللون ونوعية القماش ذاتهما، علاوة الى «حجابات» مزودة بمطاط، يحول دون حجب الرؤية أو مضايقة المحجبة في حال الهواء العاصف، أو الأجواء الماطرة، مشيرة إلى ان العديد من المحجبات بتن يشترين النقاب، ليس لارتدائه في شكل مستمر، بل أثناء تنقلهن عبر الحواجز، للحيلولة دون وصول الغبار إلى أجهزتهن التنفسية، بخاصة من يعانين من الحساسية.

وهذه التحولات في الأزياء، جراء الحواجز العسكرية، لا تقتصر على النساء، بل على الرجال أيضاً، ولعل الفنان شريف واكد، عبر عن تلك التحولات بوضوح في معرضه «شيك بوينت»، الذي وصفه الحضور بـ «الصادم»، و «المفاجئ، و «المدهش»، وهو عبارة عـن سبع دقائق مصورة بطريقة الفيديو، تقدم أزياء خاصة جداً للشبان الفلسطينيين... واقعيّة إلى حدّ العبثيّة، وساخرة إلى درجة المرارة، فمعظمها مصممّ بفتحات عند منطقة البطن والظهر والصدر، وهي المناطق التي يجبر الفلسطينيون عادة على الكشف عنها عند الحواجز الإسرائيلية.

أحد القمصان مزود بحبل رفيع ما إن تشده حتى يرتفع الجزء الذي يغطي «المنطقة المطلوبة»، وما إن ترخيه حتى يعود إلى طبيعته... قميص آخر تراه مزوداً بسحّاب في الوسط، في حين كتبت على قميص آخر عبارة «أنا أحب نيويورك»، أما رسم الـ «قلب» فمفرغ بحيث يظهر صدر الشخص الذي يرتدي القميص.

ويقول واكد عن معرضه الذي لا يزال يحقق نجاحات كبيرة في دول العالم: «لا يمكنني القول كيف جاءت الفكرة، ولا كيف خرجت بهذه الطريقة... تناولت المعاناة الفلسطينية بأسلوب ساخر خال من النصوص، وأتمنى أن أكون وصلت إلى ما أريد».

عن: الحياة