صدر حديثًا للإستشاري في طب العائلة الدكتور وائل كرامه كرامه، بالتعاون مع الدكتور منير خاني، البروفيسور في الجامعة الأميركية في بيروت، بحثًا علميًا تناول مرض الوسواس القهري المستعصي والمقاوم للعلاج، وذلك في المجلة العالمية للطب النفسي وعلم العقاقير (International Journal of psychopharmacology) الطبية العالمية.
في حديث خاص بـ "إيلاف"، تناول فيه كرامه أهمية هذا البحث ومرض الوسواس القهري الشائع إلى حدٍّ ما في مجتمعاتنا بنسبة تصل إلى ٣ بالمئة، قال إن الوسواس القهري مرض نفسي يتميّز بأفكار متسلطة ومزعجة ومتكررة، تُلِحّ على الشخص المصاب القيام بسلوكيات جبرية متكررة سعيًا لتخفيف حدة التوتر والقلق المصاحب لتلك الأفكار القهرية المزعجة، وهو أنواع منها ما يتعلق بالنظافة والصلاة وإقفال الإبواب وغيرها.

البحث والمراقبة
أضاف كرامه: "تناولنا في بحثنا مرض الوسواس القهري المستعصي والمقاوم للعلاج، وهو من أصعب أنواع المرض المذكور، حيث لا يتجاوب المريض مع العلاجات المتبعة بالعقاقير المستعملة عادةً، والتي تعمل على مادة سيروتونين التي تصل فاعليتها عادةً في المرضى المتجاوبين إلى حدود ٥٠ في المئة.

ونلجأ في مثل هذه الحالات من عدم التجاوب لعَقار معين إلى تجربة آخر من العائلة نفسها، أو إضافة عَقار آخر مساعد من فصيلة مضاد الذهان، بإمكانه أحيانًا أن يفعِّل نشاط العقار الأول، او إلى جمع العلاج بالعقاقير مع العلاج السلوكي".

إذا إستنفذ الطبيب العلاجات كلها، ولم يتجاوب المريض بما فيه الكفاية، فالمعلومات التي تقوم عليها الخطوة التالية قليلة جدًا، بحسب كرامه الذي يقول: "هنا تكمن أهمية البحث الذي أجريناه في الجامعة الأميركية في بيروت واستعملنا خلاله عَقار كلوميبرامين (clomipramine) مباشرةً في الوريد بعد أن أدخلنا المرضى إلى المستشفى أسبوعًا كاملًا، ومن ثم أكملنا إعطاءهم الدواء نفسه، لكن كحبوب عن طريق الفم بعد خروجهم من المستشفى، وذلك مدة ٦ أشهر".

تابع كرامه وشريكه في البحث الدكتور خاني هؤلاء المرضى الثلاثين موضوع البحث بعد خروجهم من المستشفى من خلال زيارات دورية إلى العيادة بعد أسبوع واسبوعين وأربعة أسابيع وإثني عشر أسبوعًا وأربعة وعشرين أسبوعًا من تاريخ خروجهم من المستشفى. ومن خلال دخولهم المستشفى وخلال الزيارات المتتابعة لاحقًا، قام الباحثان بقياس معدل أو مقياس الوسواس القهري (Yale-Brown Obsessive Compulsive Scale Y-BOCS) وهو مقياس عالمي معتمد ووسيلة لمعرفة حدة المرض (يشمل الإجابة على ١٠ نقاط متعلقة بالأفكار القهرية والسلوكيات المرافقة لها ودرجة حدتها عند المريض).

النتائج إيجابية
بينت الدراسة أن نحو 75 في المئة من المرضى تجاوبوا مع العلاج المذكور، فإنخفض مقياس الوسواس القهري عندهم عند خروجهم من المستشفى أكثر من ٣٠ في المئة، وحافظ نحو ٦٠ في المئة منهم على هذا التجاوب بعد ٦ أشهر من خروجهم من المستشفى، "وقد أثبتنا بذلك الفاعلية المهمة للدواء المذكور"، بحسب كرامه.

الأعراض الجانبية للعلاج

أما في شأن الأعراض الجانبية للدواء المذكور، فقد أكد كرامه لـ"إيلاف" أن أي أعراض جانبية لم تسجَّل في العيِّنة المأخوذة في البحث، باستثناء خفقان في القلب عند مريض واحد بضعة أيام فقط في بداية العلاج، وتلاشى هذا العارض الوقتي في ما بعد.

يقول كرامه: "أهمية هذا البحث تكمن في أنه أثبت فعالية هذا الدواء المذكور في السيطرة على الوسواس القهري المستعصي، خصوصًا في خلال إعطاء الجرعات في مجرى الدم مباشرةً، والسبب في ذلك ربما يعود إلى كون الدواء بهذه الطريقة لا يمرّ على الكبد كالدواء المعطى في الفم وبالتالي لا يخسر من نسبته العلاجية في الدم وقدرته الفعالة في السيطرة على أعراض المرض، وللدلالة على ذلك قال كرامه إن نسبة كبيرة من المرضى كانوا قد عولجوا بالتركيبة الدوائية نفسها للعَقار المذكور، لكن من طريق الفم ولم يُلاقوا النتيجة المرجوّة".

بيّن البحث أيضًا تجاوبًا ملحوظًا للدواء عند النساء أكثر منه عند الرجال، لكن اقتصر هذا الإختلاف في ما يخص السلوكيات القهرية وليس الأفكار القهرية  (Compulsions but not Obsessions).

وختم كرامه قائلًا: "لا بدّ من الإشارة إلى أن البحث العلمي هو السبيل الوحيد للتطور العلمي، والوسواس القهري مرض مزمن مُتعِب، وحين يستعصي يحتاج إلى تظافر أساليب عدة في العلاج، بينها دواء كلوميبرامين موضوع البحث المذكور