جدال واسع لطالما أثير حول قيمة الحليب كامل الدسم وتأثيره على صحة الإنسان، فبعدما كان يُعتَمَد عليه بشكل كبير في السابق، لكن نظرة الناس إليه بدأت تتغير خلال عقد السبعينات، بعدما تردد وقتها أن الدهون المشبعة الموجودة في منتجات الألبان تسد الشرايين وتصيب بالبدانة، وهو ما دفع بكثيرين للتحول إلى الحليب منزوع الدسم أو التوقف بصورة نهائية عن تناول حليب الأبقار بدافع خوفهم على صحتهم.

ونتيجة لذلك، بدأ يقلل البريطانيون من تناولهم للحليب بمقدار الثلث مقارنة بما كانوا يتناولوه قبل 30 عاماً، بالاتساق مع استمرار تراجع معدلات استهلاكهم. ووجدت دراسة مسحية حديثة أن ثلث الأشخاص دون سن ال 35 عاماً يفكرون الآن في الحد من منتجات الألبان التي يتناولوها، وذلك إما لأسباب صحية أو أسباب أخلاقية. وبدلاً من ذلك بدؤوا يميلون لبدائل نباتية منها الصويا، اللوز أو "حليب" الكاكاو.

وفي مقال له اليوم بصحيفة ميل أون صنداي، قال الطبيب البريطاني المعروف، مايكل موسلي، أحد مقدمي برامج الصحة في بي بي سي، إن ابنته، كيت، 18 عاماً، واحدة من هؤلاء الذي يشعرها حليب البقر بعدم ارتياح وبانتفاخ، وأنها قررت التوقف عن تناوله والاستعانة بحليب اللوز بدلاً منه على أمل الحد من متاعبها.

ونوه موسلي إلى أن المشكلة التي تعانيها كيت هي مشكلة شائعة في واقع الأمر، حيث أن هناك حوالي 60 % من الأفراد حول العالم يفتقرون لإنزيم اللاكتاز الذي يساعد الجسم على هضم السكريات الموجودة في حليب البقر، وتعرف باسم اللاكتوز.

وتابع موسلي بتوضيحه أن واحداً من الأسباب التي أُخبِرنا لأجلها بضرورة اللجوء إلى خيارات قليلة الدسم، مثل الحليب منزوع الدسم، هو أن تناول الدهون المشبعة يرفع مستوى الكوليسترول المنخفض الكثافة (  LDL) في الدم، الذي غالباً ما ينظر إليه على أنه "كوليسترول ضار"، وذلك مع العلم أن هناك علاقة بين تزايد مستويات الكوليسترول المنخفض الكثافة وبين تزايد أخطار الإصابة بأمراض القلب. كما قيل إنه ولأن الحليب منزوع الدسم يحتوي على أقل من ثلثي كمية السعرات الحرارية الموجودة في الحليب كامل الدسم ( لكل كوب )، فإن فرص تسببه في البدانة تقل.

 لكن موسلي أوضح أنهم بدؤوا يكتشفون الآن أن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك، فالدهون المشبعة بالحليب تعزز بالفعل مستويات الكوليسترول المنخفض الكثافة لكنها تعزز كذلك مستويات الكوليسترول النافع، الذي يعرف بـ HDL، وهو ما يُحدِث توازناً على ما يبدو مع الأضرار التي تنجم عن زيادة مستويات الكوليسترول الضار.

وقال موسلي إن النتائج الحديثة أظهرت لهم أن الكوليسترول النافع يلتقط الكوليسترول الزائد في الدم ويعيده للكبد، حيث يتم تفتيته وإزالته من الجسم. وأضاف موسلي أن ما بدا مفاجئاً لكثيرين، وهو منهم، أن هناك عدداً كبيراً من الدراسات التي أجريت مؤخراً وبيَّنت أن متناولي الحليب كامل الدسم لا يميلون فقط لأن يكونوا أكثر نحافة من الأشخاص الذين يداومون على شرب الحليب منزوع الدسم، لكن ينخفض لديهم أيضاً خطر متلازمة التمثيل الغذائي – أو ارتفاع ضغط الدم، زيادة نسبة السكر في الدم وزيادة نسب الدهون في الدم وهي كلها عوامل من الممكن أن تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب. 

وكشفت دراسة شملت 1600 رجلاً سويدياً أصحاء في مرحلة منتصف العمر عن أن تناول الزبد والحليب كامل الدسم يقلل بمقدار النصف تقريباً خطر الإصابة بالبدانة مقارنة بما ينتج عن تناول الحليب منزوع الدسم والمنتجات قليلة الدسم. كما أظهرت دراسة شملت 18438 سيدة أميركية أن تناول كميات كبيرة من منتجات الألبان كاملة الدسم يرتبط بتراجع احتمالات الإصابة بزيادة في الوزن. وقد رجَّح الباحثون في كلتي الدراستين أن التفسير الأقرب لذلك هو أن استهلاك منتجات الألبان كاملة الدسم تُبقِي شعور الأشخاص بالشبع لفترة طويلة، بما يحد من الرغبة في تناول الوجبات الخفيفة السكرية.