مارون سامي عزّام

سيّدة لاذت إلى دنيا التنسك عن الحب، وزهدت في دنيا الآمال، تسير في ردُهات الأيام الضيّقة، "تتباهى" أنها كانت نجمة شُباك المجتمع التي تهافت عليها المعجبون!!... ركلتْ جميع فُرص الارتباط، وحقّقت رقمًا قياسيًا في رفض شبانٍ تقدّموا إليها، ورفضتهم لظنّها أنهم اعتبروا موافقتها حتميّة، بعد أن فقدت قدرة الجاذبية، على اعتبار أن سقف متطلباتها لم يعُد كما في صباها!!

عندما ظهر أول معجب على شاشة عزوبيتها، وضعتْ عُنق سذاجته تحت مقصلة اعتذارها الباردة، وخدشتْ شجاعته، رغم أنها انتقمتْ من شبكة تعنّتها، التي تعلقتِ بها مثل طحلب بحري، لدرجة أنها اقتلعت بقسوة أظافر لَوم الذين عاتبوها على فعلتها هذه، ولكنّها ذَبَحَت وقارهم، بسكّين انتهارها لتدخّلهم بشؤونها الخاصّة، فباتت النَّقمة طقسًا من طقوسها منذ سنين،

ما زالت تُصِرُ تلك السيّدة على عدم خوض تجربة جديدة في الحب، بعد أن خاضت معارك حب عديدة، لم تخُضها من قبل أي فتاة، نازلت قبيلة الزمن الهمجية، دون أن تستسلم لها، واجهت جيوش الشائعات الضارية بأسلحة اعتزازها بشخصيتها القويّة، كبرياؤها حاربت الخصم الأقوى، ضميرها، وأبت الرضوخ له، لكنها في النّهاية خسرت معاركها مع فرسان النّصيب بإرادتها، ورغم كل ذلك، فإنها ما زالت متمسّكة بحِبال مشيئتها القويّة، تعتقد أنها تستحق الأفضل، ولو رشقها الزّمن بحجارة الأوقات الضّائعة كما تدّعي دائمًا!

بإصبع عصيانها، أقفلتْ بوجه كُل معجبيها أبواب الحظ السّعيد... خلَّفت وراءها سجون يأس رهيبة مغلقة... سراديب تعذيب الضمير المرعبة المعتمة، التي لا مَخرَجَ منها، مفاتيح الأمل باتت صدئة، أصبح خلفها غُرَفَ قهر وإذلالٍ للعشاق، بلا شبابيك تفاؤل يطلّون منها، تَفوحُ منها رائحة انتصارها على غُزاة قلبها، التي ملأتها اعتزازًا غريبًا!

لو قرّرت يومًا ما اللجوء إلى أخصّائيين اجتماعيين كي يشخّصوا حالتها، سيجدون سطح حياتها مقفرًا، مليئًا بفوهات اليأس، التي قد وقعت بها! قلبها يعيش في عنابر الوهم الخالية من الواقعيّة، أمّا النّصيب، فَلَن يمنحها جنسية الوفاق، إذا لم تؤمِن به... عَلَّقت طَرَف خيط عمرها بمنقار عنقاء السنين، التي تطير بها نحو عُش العَنَس، لتضمها إلى فراخ الوحدة.

داستْ جنازير دبّابة رفضها المتوحشة، المحصنة ضد رصاص النّدَم، أطفال الأمل، وما زال منجم آمالها يُخرِج من جوفه أحلامًا فحمية سوداء! تعاني من تقَلُّبات سريعة في نفسيّتها غير المستقرة، أصبحتْ حالتها في الحب ظاهرة طبيعية قاسيةً جدًّا لا ترحم... أصبحتْ إعصارًا مدمّرًا لآمال جميع من حولها!

ببساطة... هي مستعدة للقيام بأي شيءٍ، كي "تبرّر" لمن حَولها، أن استراتيجيّة عقليتها، لا تشمل الآن مُخطّطًا للارتباط، وأن ما يشغلها الآن، هو أن تضمَن لنفسها مساحةً واسعة من الحرية الشخصيّة، تعتقد أنها غَير مؤهّلة بما فيه الكفاية لتتحمّل أعباء المسؤولية المنزليّة!! إنها تريد أن تُقِيم فرائضها العشقية، حسب عقيدتها ومفاهيمها الخاصة!   

هذه السيّدة مقهورة من الأعماق على مصيرها، تبدو ملامحها قاسية بعض الشيء، نتيجة صدمات النّصيب الشديدة التي أثّرت على نفسيتها، رغم أنها أظهَرَت في الماضي حسن نيّتها لبعض الشبّان بغية تقريب وجهات النّظر بينها وبينهم. تنازلت عن أمور أساسيّة بغية الزّواج، ولكنّ عندما بدأت تشعر أنها بدأت تدخل رويدًا رويدًا في نفق تقرير مصيرها، كانت ترفض هؤلاء الشبّان!! ربّما ما زالت تتخيّل نفسها جميلة، رغم أنها لم تعُد على قدر عالٍ من الجمال كما في سابق عهدها، حينها كان نبع أنوثتها يفور فورانًا من جسدها.

فوجئتُ عندما علمتُ أنها خلعت عن جسدها عباءة تجاربها الطويلة، فإذا سطعت في السّماء نجوم أبطال مغامراتها... لأضاءوها بشخصيّاتهم المحترمة، لكنّها حجبت عنهم نور الأمل... باتت اليوم تستنشق رائحة تذمرها الكريهة القادمة من ترعة يأسها... استسلمت لقرصان قدرها، وركبت معه في قارب الوهم، تآمرت معه ضد نفسها!! ما قامت به ليس لصالحها... يجب أن تفتح قناة حوار مع ذاتها، يحق لها الارتياح قليلاً من نضالها في الحب، ولكن لا يحق لها التّخلّي عن صراعها معه.

لا تقفي حائرة بين أسِرّة الأيام التي ترتاح عليها سنين عمرك المتعبة من تجاربك الغرامية. اتركي طيف ماضيكِ مكانه ولا تدعيه يلاحقك. لا تسألي نفسكِ سؤالاً أبلهَ، لماذا جَنَيتُ على نفسي هذه الجناية الاجتماعية التي كلّفتني ثمنًا باهظًا؟ أرجوكِ حافظي على قناديل دموعك، واتركيها تزين فرحك القادم... أتمنى أن تتراجعي عن قرار تنازلك عن عرش الرومانسية الوثير، الذي كنت مليكته.

كم أذنبتِ بحق أجمل لحظات حياتكِ، وعصَيت أوامر عقلكِ مرارًا وتكرارًا، واستسلَمتِ لتحنّن قلبكِ الضّعيف، بألاّ تسلّميه لأحد، لخوفه مِن أن يطعنوه بخنجر الخيانة مرّة أخرى!! مكواة التّجارب قد كوتكِ عدّة مرّات. بعد أن تحطّم موكب تجاربكِ "الضخم"، ستبقى ذكرياتكِ مع العشّاق في صندوق أسود، عليه ختمكِ، ولا تفتحيه مجدّدًا.

تمثّلي بي ولا تنظري خلفكِ، لئلاّ تصطدمي بحائط النّدم الذي يفصل بين حاضرك وماضيكِ... لا تفتحي جارور حساباتكِ مع أخطائك، وازرعي في تفكيرك أشتال التفاؤل وتعاملي معها برفق، وكما ترَينني فأنا ما زلتُ أتمتّع بحصانة شخصية عالية جدًا، لا تجرؤ أي فتاة أن تسحبها منّي، بعد أعطيتُ جميع الفتيات بطاقة الجفاء الحمراء، وأخرجتهن من ملعبي إلى الأبد.

بعد هذا العُمر لا يجرؤ أحد أن يضغط عليك كي تخوضي تجربة جديدة. صدّقيني... يومًا ما ستجدين الذي يحبك ويهتم بكِ... ستجدين الذي سيقف لجانبك... أتعلمين أنّك ربّما الوحيدة التي تحتفظ بأكبر أرشيف تجارب حياتيّة، موثّق في ذاكرتك، فلا تَدَعي بقايا الفشل تدلف مجددًا من بين شروخ صمودك، بل سدّيها، لتمحي ندبة القهر عن صفحات تاريخك.