بدا لي من شرفتي في الطابق الثامن صباحا سديميا . الشمس اختفت في غلالة من الغيوم البيضاء التي غطت الأفق أمامي . بين الفينة والأخرى يخترق شعاع شرخ ما أو انعطاف في تلك الغيوم ويصل لو لثوان شرفتي وجبهتي الباردة وشعري . أصبحت مطمئنا أن الفصول هنا في هذه الأصقاع البعيدة الباردة تتبدل وما ظهور بعض الأشعة الحامية التي ولاشك آتية من شمس بعيدة الا علامة على أن شيئا ما يحدث على مقربة مني خلف هذه الغيوم التي أكاد المسها من شرفتي تلك. الثلج ينحسر عن أوراق الأشجار الصنوبرية التي تحيط بالبناية من الناحية الشرقية وهاهي فروع أشجار الكستناء العارية تعود الى الظهور العلني وتبدد الجليد عن كاهلها وتعلن بثقة عن قدوم الربيع ولا محالة على صدى خرير الجدول الذي أفاق بدوره هذا الصباح من سبات شتائي طويل . أعددت قهوتي ولبست برنسي وجلست على الشرفة اياها أراقب سراً أخراً بديعا من أسرار الوجود . جلست أراقب صراع الأضداد الذي يحدث أمامي مباشرة . أشعة الشمس تحاول الاختراق مُستغلة كل ثغرة في صفوف الغيوم البيضاء الكثيفة وهاهي تلك الغيوم تحاول بمهارة فائقة رتق تلك الفجوات وتعاود رص الصفوف . الريح بقت صامته مثلي تشاهد ما أشاهد وتضحك في سرها من هذا الصراع العبثي وتشير لي بنسمات باردة تحيني وتحثني على البقاء حيث أنا وتقول لي " آن لهذا البرد الملعون الذي استوطن كل زاوية هنا أن يرحل " .هبت فجأة وطردت كبوش الغيوم شر طردة حتى بدت الشمس هناك تحتل كبد السماء وتبعت الحياة في الدنيا بعد سبات طويل وعقيم.
 
 خبر عاجل " القوات المختصة تقضي على مجموعة ارهابية آتت من ادلب باتجاه معرة النعمان " كنت مشدودا الى حلقة من حلاقات مسلسل سوري اعد بحرفية عالية سورية الصنع عن رواية للكاتب السوري الكبير حنا مينا " المصابيح الزرق " .كان مشهدا مؤلما عندما اجبر المستعمرون الفرنسيون الشباب السوري المشاركة في حربهم. اخذوا فارس بطل المسلسل عنوة الىصراعهم مع الوحش النازي الذي اخترق صفوفهم " الحصينة " ودمر خط ماجينو الأسطوري واحتل باريس خلال ثلاثة أيام فقط . ما أن يعلو فارس ورفاقه من خيرة شباب سوريا تلك السفينة الفرنسية وتخرج من ميناء اللاذقية بضعة دقائق حتى تدمرها غواصة ألمانية كانت لها بالانتظار.
 
 تنتهي الحلقة ومصير فارس بقي معلقا هو الأخر حتى الحلقة الآتية غدا على جناح الريح .
 
خبر عاجل آخر "القوات المختصة تلاحق فلول ارهابية فجرت عبوة ناسفة في احد أحياة "معرة النعمان" القديمة مما أسفر عن شهداء وجرحى في صفوف المدنيين" . اختلط على عالمي وأصبحت مثل ذكرياتي ريشة في مهب الريح أحيانا تذروها الرياح الى البعيد وتحلق في أجواء غير هذه الأجواء وأحيانا أخرى تبقي وادعة نائمة نومة أهل الكهف . انها كما أخالها ، أخاطبها أحيانا وأخرى أبقى منها على وجل وشوق . هي ملكي وحدي وليست حكراً على أحد غيري انها تنام منبسطة كالسطور والكلمات في بطون الكتب العتيقة في أرشيف تاريخي الشخصي ،على الأقل لم تمح ولن تمح وستبقى كما اعرفها حاضرة ومتوقدة تضوي وهجا آتيا من قلب عذبته السنون حتى اشتد وتَجلد وحافظ على ذاك الوهج الذي يتدفق عند حاجتي له ليخوض عاصفة في بحر ذكريات لا ينضب. عندما خرج "النبي " من مدينة " أورفيليس" واعتلى هضبة منتظرا سفينته القادمة الى رحلة مصير أخرى لم تبق له صافية في ذهنه الا الذكريات عن تلك المدينة الفاضلة , التي ستقوده في أنواء البحر الي مدينة فاضلة أخرى .
 
بعد أن علت الشمس وبدت لي مياه الجدول براقة تخر من أسفل طبقات الجليد الذي اعتلاها شهورا طوالا وسمعت خريرها يصلني في شرفتي ويبعث الدم يتدفق في العروق تناولت معطفي وقبعتي التي شابهت لحد كبير قبعة لينين والتي كنا نعتمرها وقاية من برد الثلج وتيمنا بفكر هذا الانسان الفذ الذي كان له أثره الذي لا يمحى في سفر خروج البشرية من الظلمات الى النور . نزلت وحدي، رفاقي نيام بعد ليل سمر طويل وتوجهت بخطى واثقة غائصة في الثلج الذائب نحو الشرق حيث منبع الجدول الذي يمر من تحث شرفتنا تماما مواصلا مشواره الى أخر اكبر منه متوسطا المدينة التي مازالت خاشعة تحث قرميدها المثقل بالجليد الذي بدأ الانحصار عن الأطراف الحمراء والسوداء والزرقاء الغامقة اللماعة التي بدأت ترجع الى الحياة . . كانت الطريق خاليةالى "نبع الغابة " حيث أشارت اليه أسهم عُلقت مع اشارات المرور على جانب الطريق الاسفلتي الذي يوصل الى موقف ببداية الغابة الكثيفة التي تحتضن ذاك النبع عنده تنهي كل المواصلات، من ثم الطريق الى النبع مشيا على الأقدام .
صادفت بعض الناس في طريقي حاملون أوعية خزفية صغيرة
 
يحتسون منها بين الفينة والأخرى رشفات ورشفات بخارية فقد قرأت وسمعت أن مياة " نبع الغابة" مفيدة للذين يعانون من أمراض المفاصل والعضلات . يأتوها السياح من كل حدب وصوب ومن العالم القريب والبعيد للعلاج والاستجمام في ذات الوقت في هذه المدينة الصغيرة الرشيقة الساحرة بين تلال غطتها الثلوج كل مرة في هذا الوقت من العام من جميع الاتجاهات . كلما اقتربت سارعت أخط خطواتي عميقا في الجليد الذائب وأشعة الشمس التي حَررتها الرياح من الغيوم تلسع الجزء العاري من رقبتي وتحثني على المسير .انها ولاشك تلعب معي بعدما كنت قي مرجةخالية الا من تمثال بدا شاهقاً ومن خيال أسود عند قاعدته.
 
وَقفت هناك مُرتدية معطفَ فرو أسود كثيف وقبعة من نفس الفراء تحاول قراءة ما كتب عند قاعدة التمثال بعد أن انحنت برشاقة وأناقة وزاحت بأناملها البضة الطويلة ما تبقى من جليد لم تقو عليه أشعة الشمس بعد .
 
قلت طارحا السلام بلغة العصر شئنا أم أبينا لكوننا وحيدين في آن واحدة ومكان واحد " جود مورننغ " .
التفت لي وهي تعدل وقفتها وتبعد بيدها خصلة شعر اسود أبنوسي
 
حاولت اللعب مع رموش عينها اليسرى التي بدت صافية عسلية لمعانها فيه ذكاء آت من البعيد . ابتسمت وردت التحية . حاولت قراءة الكتابة التي بدت واضحة على قاعدة التمثال وبذات الوقت درست تفاصيل جسدها الذي بدا أنيقا سلساً متناسقاً ساحرا كصوتها الذي حَزرتُ فيه بعض من الغنج الشرقي الذي اعرفه جيدا .
 
قرأتُ بالعربية ما كتب على القاعدة " الفيلسوف الألماني غوتة وعشيقته"
 
نعم انه ذاك الفيلسوف المتصابي الذي كتب" ألام فارتر" الكتاب الشهير وتزوج في هذه المدينة السياحية الصغير من فتاة لم تناهز الثامنة عشرة و قد شارف هو على التسعين . كنت أقول لذاتي ومسحات عطرها الجميل المخملي يعبق أنفاسي ويبعث شيئاً من الحرارة في أوصالي في هذا الصقيع .
 
 سرعان ما أدارت وجهها لي وابتسمت عن ثغر جميل وشفاه مكتنزة لم يعبث فيها الزمن بعد ولم يخلف البرد آثاره عليها وقالت لدهشتي بعربية فصحى وبلكنة غربية بعض الشيء " نعم انه غوته وهذه الصبية التي يحتضنها هي عشيقتة ومن ثم زوجته " .
 
ثم خلعت قفازها الجلدي الأسود عن يدها اليمنى ومدتها نحوي وأكملت " أنا اسمي هيلغا من المانيا الشرقية ادرس في معهد الاستشراق وخصوصا الحضارة العربية -الاسلامية ... أنا هنا للاستجمام اسكن في فندق مورافيا على الشارع الرئيس في مقابلة النافورة " .
 
قلت ومددت يدي لتحيتها " أهلا أنا طالب من ذاك الشرق ادرس سنه تحضيرية هنا قبل التحاقي في معهد الطب في براغ هل تجيبي دعوتي للمقهى القريب نشرب شرابا ساخنا ونكمل بعض الحديث " .
سرنا في اتجاه المدينة مرة ثانية عبر الممر التي تحيط به الأشجار التي مازالت مثقلة بالثلوج التي تضحك للشمس وتعكس أشعتها وتدخل بعض الدفء للقلوب الحائرة .
 
قلت " غوتة فيلسوفكم .. اعرف عنه انه فيلسوف الشك فليس هو القائل " " أعمق موضوع في تاريخ الانسان هو صراع الشك واليقين ".
 
التفت الي وابتسمت بسمة قاربت من الوصول الى شغاف القلب " عندكم فيلسوف يشابهُ كثيرا .. أبو العلاء المعري ..اليس هو القائل .." اما اليقين فلا يقين وانما أقصى اجتهادي أن أضن وأحرسا " . تم تابعت برشاقة وبعربية جميلة أخاذة وخصوصا لأنها خرجت من ثغر بسام فيه خليط الشرق والغرب معا " كان حزينا وتعبا من الحياة وضريراً حبس نفسه في بيته ولم يغادره حتى مماته وقال .. تعب كلها الحياة فما أعجب الا من راغب في ازدياد " .
 
قلت " نعم انه فيلسوف حزين ومتشائم ملاحق في حياته ومماته . لكنه فيلسوف مادي قبل زمانكم وفلاسفتكم بزمان عندما قال ..خفف الوطء ما أظن الأرض الا من هذه الأجساد .. لاحقته سلطة الدين والدنيا بعدما صَرح أكثرمن مرة بأن الدين خرافة ابتدعها القدماء..هل تفهميني جيدا؟". ما كان منها الا أن ابتسمت وقالت " نعم أفهمك جيدا فقد درست هذا الفيلسوف ودرست رسالة الغفران الذي كتبها قبل أن يكتب دانتي اليجيري الايطالي " الكوميديا الالهية بالف عام .. زار ذاك الفيلسوف شعراء الجاهلية في زيارته للجنة والجحيم وهو يقول بعكس المعتقدات الاسلامية انه لا يدخل الجنة غير المؤمنين " .
 
كنا قد وصلنا غايتنا وخلعنا معاطفنا وجلسنا في المقهى قرب نافذة زجاجية تطل على قسم كبير من الهضاب المثلجة حولنا وتابعنا حديثنا تارة بالعربية وتارة بالانجليزية .تتالت جلساتنا هنا وهناك وأصبحت لقائنا يومية وعرفت عنها وعرفت عني الكثير . ذاب الثلج وعاد الربيع يهدر بأمواجه وأزهاره وعبقه وعادت النافورة تصدح موسيقاها ورذاذها يعانق أشعة الشمس الحامية التي كشفت عن طاقتها التي أخفتها طيلة شهور الصقيع . عادت هيلغا الى معهدها وعدت أنا الى دراستي .
 
الغريب في الأمر أن بطاقاتها البريدية وصورها وصلتني كل يوم وعبقت بعبارات العشق والهوى والشمس العربية التي بعثت في أوصالها ربما قسطا وافراً لتكمل دراستها بفن الاستشراق . حتى أصبحت اعرف بين أصدقائي وزملائي هناك بعاشق هيلغا . ولم يقف الأمر عند هذا الحد. دعاني الى مكتبه مدير المعهد باسما ومعاتباً في ذات الوقت وأمامه بضعة من بطاقات الحب والصور اليومية المصادرة تلك التي تخصني وهو يقول لي مباشرة " لاشك انك طالب نجيب ..وعاشق ملهوف أيضا .. لكن لابد لسيل هذه البطاقات أن ينقطع .. اذهب لها أو دعها تأتي لك هنا بعطلة نهاية السنة الميلادية.. المهم أن لا تتأخر في واجبك الدراسي " . عشقتني هيلغا وعشقتها ودارت بنا الدنيا التي أصبحت بدورها دائرة ذكريات .
 
خبر عاجل على فضا ئية "سوريا درامة " مقتل بعض الارهابين في قصبة معرة النعمان " . حاولت جاهدا أن أتخيل ولو للحظات تعابير وجهة المعري في حياته الأخرى الخالدة وروحه الأبدية المكتئبة أبدا تدخل مرة ثانية خائفة مرعوبة من التكفير وحرق الذاتالانسانية في فلعة من قلاع حضارة عربية -اسلامية أطبق أثرها وتأثيرها على الأفاق . تذكرت النبع والجدول وتمثال غوته والعيون العسلية عيون هليغا وتفحصت هاتفي الجوال مرارا علها كعهدها القديم وحبها بعثت لي ولو رسالة الكترونية واحدة . .
 
د.فؤاد خطيب .