يركضُ العمر كشعاع الشمس الأول في صباح صيفي وردي عَبقَ َألآهات عِطري البسمات. ما أن يُصَبحُ ويشقُ مساره من الدجى حتى يُبعثُ عاشقاً ولهاناً للأرض وللبحر وللشجر وللناس ولكل الخلق. يقبلُ رأس التلة الشرقية على وهاد منسية تدور في جنباتها حكاية الخلق وسر استمرارية الحياة. ثم يعلو شابا عاشقا يحتلُ كبد السماء مُعطيا معنى كينونيا ً لمعجزة الخلق ولجمال هذا الوجود . تَركبُ آلهة النور- آورورة - مركبة الشمس مخترقة كبوش الغيوم مُحَولتها الى سروج ملائكية بلون العقيق ، حتى يغدو ذاك الشعاع الوهاج الأصفر نقطة أرجوانية تذوب في فضاء أزرق سماوي تَجمعت في أبعادة ألف عين حورية أتت من عوالم بعيدة أخرى لا تصلها الا تلك الأشعة الجميلة الهاربة أبداً. أنا مازلت أبحث عن سر وجودي وغايتي من هذه الحياة التي تَفلتُ من أصابعي مثل تلك الأشعة الهاربة.
 
لعبت بي الحياة لعبتها تلك وحرت فيها بين حدائق وحقول الفكر. غنيت مع الخيام وهو يحث النيام على قرع جرس الحياة التي تتجدد مع ذاك الشعاع السحري الأول ومع وقع ذاك النغم الأبدي الذي يعزف لحن الخلود ، وبين المعري رهين المحبسين وهو يلعن هذه الحياة ويقول مرهقاً زاهدا في عيشه وفي حياته " تعب كلها الحياة فما أعجب الا من راغب في ازدياد " . أتابع مع العلماء تجربتهم المذهلة - سيرن - في الأبعاد السويسرية وتحت جبالها وسهولها الأخاذة . تلك التجربة الفريدة والمصيرية تبحث عن بوزون -هيجز - الذي ربما وجوده يُكونُ أساسا للمادة يكشف لنا عن سر الخلق وعن عبقرية الانفجار الكبير الأول الذي أوجد هذا الوجود الهائل الذي يمتد من لا بداية الى ما لا نهاية .أحاول أن أتصور في أبعاد أفكاري وفنطازيا خيالاتي المجنحة سر الخارطة الجينية للبشرية العبقرية والتي أوجدتها عقول بشرية عن سر هذا الخلق العظيم وعن سر هذا الحياة التي نعيشها في عالم يمضي لا نعرف من أين ولا نعرف لاين ؟ . حتى كان ذاك اليوم الخريفي الجميل الذي غير بلحظة خاطفة معنى هذا الوجود واوجد عندي لتوه سبب وغاية هذا الوجود وفسر لي برمشة عين خفايا هذه الحياة الانسانية القصيرة الجميلة التي تبدأ شعاعا ذهبيا وتنتهي بقبلة ارجوانية على صدر هذا الوجود. تماما كذاك الشعاع الذي ينتهي في عالم الغيب، يتوه عمر الليل كله في نفق مسحور ليعود ثانية مع السحر أكثر جمالا وروعة ً. أودعتني زوجتي جدة حفيدتي لارا سحر ورعاية وجود هذه الحفيدة العصفورة الصغيرة بعد أن انشغلت في بعض أمور البيت الكثيرة .
 
دخلت مرقدها وانا امشي الهوينا على أطراف أصابعي وكأنني في الوادي المقدس. ادخل حجرة تلك الجميلة النائمة وكلي لهفة للقاء تلك الأميرة وخشية من ايقاضها من أروع أحلامها البريئة التي تدور ولا شك بين ألوان قوس قزح كلها على خلفية يوم صحو في شتاء وطن متجدد أجمل من حلم. انبعث من الغرفة ضوء اصفر خافت رقيق داعبته عطور الطفولة البريئة كلها . كانت أميرتي الصغيرة نائمة تداعب أنامل الوسن وتخطف من الأحلام أجمل أطيافها ومن البراءة أروع تجلياتها . وقفت أراقب ملاكا في عرشه وباقة نور سرمدي تحيط برموش عينيه التي تنعقد على مهلها وتتفتح كعناقيد الياسمين الدمشقي . نامت وادعة وجميلة ورقيقة كالحياة ذاتها في أروع صورها . نسيت حالى ونسيت أمسي وغذي وذكرياتي ومعارفي وتابعت أنفاس الأميرة الصغيرة المتلاحقة على وجه كالبدر في سماء ليلة صيفية قريبة واجفان من حبال تبر رقيق و عتيق خُلق ربما زينة خصيصا لهذا الجمال الرباني الذي يتبلور أمامي ويتكور كآلهة شفافة تبلورت لتوها من زبد بحر عتيق. كأنني بأميرتي الصغيرة شعرت بوجودي ومشاعري وتململت واستفاقت وفتحت جفونها على مقلتين من لازورد آتى به السندباد من خلف البحور السبع .
 
كانت لفتتها لي وابتسامتها الساحرة البريئة هي التي كبلت وجودي بسحرها وشدت نياط القلب الي سر دفين بحث عنه كل حياتي الماضية وها أنا أجده في هذا الحال في هذا المهد الحالم على بعد أمتار من غرفة سمري ومكتبي بعد أن تهت أعواما وأعوام ابحث عنه في صفحات الكتب وأشعار الأقدمين والمعاصرين من كل اللغات ولم أجدة . نعم وجدت سر الحياة ومعنى الوجود ومتعة العيش. انطلقت كلها بجمال صارح برئ وحنو بالغ ولسان حال الشفتين الصغيرتين يهمس لي .. تمتع يا جدي تمتع ..ها أنا ما تبحث عنه ..أنا سر الحياة . انطلقت نشواناً وكأنني لتوي خارجا من محراب مقدس أبحث عن الجدة الجميلة المشغولة زوجتي وأنا أصيح ملئ فمي كأرخميدس وجدته .. وجدته .. انه هنا في مهد لارا ..في مقلتي لارا في سحر ابتسامتها البريئة التي لا تقاوم . نعم في ذاك المهد السحري وجدت سر الحياة
 
.د. فؤاد خطيب  - شفاعمرو