ميسون أسدي

قال غسان بابتسامة متعبة لزميله الطبيب رشاد: لقد اكتشفت يا رشاد أنني أعمل مساعدا لملاك الموت، ووظيفتي "رش السكر على الموت" واضعا عليه إكليلا من الغار كما يقولون، لأخفف من مرارته ممهدا الطريق لقدومه.

غسان عامل اجتماعي مرافق للمرضى الميئوس من شفائهم، ووظيفته تخفيف الألم والأعراض التي تصيبهم في أيامهم الأخيرة، سواء أكانت الأعراض الجسدية أو الروحية أو الاجتماعية، فعندما يدرك الأطباء دنو أجل المريض، يفضل الأطباء إرساله إلى بيت ذويه فتفيض روحه بين أحبائه. ويقوم طاقم طبي مكوّن من ممرض وطبيب وعامل اجتماعي بتوفير العلاج لجميع أولئك الذين يرغبون في قضاء أيامهم الأخيرة في منازلهم حتى الرمق الأخير.
غسان هو أحد أفراد هذا الطاقم.. والمهمة الصعبة ملقاة على كاهله، فهو الذي يأخذ بيد المريض ليتقبل وضعه ويتهيأ لملاقاة ربه، ويرافق ذويه في فراقهم لعزيزهم. وعادة يرفض هؤلاء المرضى واقعهم المر ويتنكرون لمصيرهم المحتوم، فالإنكار جزء حيوي من تحمّل الإنسان مثل هذا المصاب، وبالتدريج تبدأ الفكرة بالتغلغل داخل أدمغتهم، حين يخونهم جسدهم الواهن ويستسلمون لتراخي أعضائه الواحد بعد الآخر..
-    أتفهّم شعورك يا غسان هذه مهمة صعب التنفيذ - قال الطبيب رشاد.
غسان: بعد التعرف على المرضى والدنو منهم، أتعلق أحيانا بقسم منهم، خاصة صغار السن، فلا أستطيع السيطرة على مشاعري، ويختفون بعد شهر أو اثنين أو ثلاثة على الأكثر؟
-     نعم يا غسان، عادة، عندما يعلن عن مريض لا أمل بشفائه، يعيش نحو شهرين آو ثلاثة لا أكثر، ونادرا ما تكون هناك حالات تعيش أطول من ذلك. رأيت حالة أو حالتين عاشتا حتى ثلاث سنوات، والمرضى الذين نحن بصدد الحديث عنهم عادة، هم مرضى السرطان.
تكدر وجه غسان وقال بعد صمت: حدث معي أمر غريب هذه الأسبوع وأنا مصدوم مما رأيت يا رشاد. 
-    ماذا رأيت؟ حدثني!
-    من واجبي أن أتحدث إليك قبل أن أخطو أي خطوة مما يدور في خلدي.
-    ماذا حدث؟ تكلم!
-    ذهبت لزيارة مريض في إحدى القرى، وهو مريض لا أمل بشفائه، يقضي أيامه الأخيرة بسبب مرض السرطان الذي نهش جسده. دخلت إلى بيته، كان الهواء في الداخل خانقا ومعبقا برائحة السجائر. التقيت بأمه وكانت الأم سوداء اللون بشكل ملفت للانتباه. جلست مع والدته في صالون البيت، وكانت برفقتها إحدى الجارات، وطلبت مني الأم بشكل مباشر أن أساعد ابنها ماديا في تمويل نفسه، فحاجاته الطبية كثيرة. استغربت أقوالها! فكما أعرف أن مرضى السرطان لا يدفعون قرشا واحدا ثمن علاجهم، وهذا ما قلته مباشرة للأم، ولكنها هسهست بحدّة تجاهي رافعة إصبعها على شفتيها طلبا للصمت، وبعد هنيهة، قالت لي بأن ابنها شريف، مصاب بمرض إضافي غير السرطان، ولم تفصح لي عما ألم به، وغمزتني بعينها، ففهمت بأنها لا تريد الحديث أمام الجارة. تقبلت ذلك، خاصة أن وظيفتي تأمرني بكتم أسرار المرضى وأسرار بيوتهم..
-    وإلام توصّلت؟
-    صعدت درجتين، من الصالون إلى غرفة شريف لأجالسه وأتحدث إليه وأدعمه وأمسك بيده وهو يفارق الحياة، ألم أقل لك إنني المساعد الخاص لملاك الموت؟ عندما دخلت، فوجئت بأن الشاب أشقر اللون وعيناه زرقاوان، شاب وسيم جدا وجذاب، لا يشبه أمه البتة وكأنه متحدر من الجنس الآري، وهو أقرب إلى الغربيين منه إلى الشرقيين، وما يلفت النظر أنه يتصرف بشكل عادي وكأنه لا ينتظر الموت أبدا! اعتقدت أنه كان في صحوة ما قبل الموت، ولكنني شعرت بالقرب منه خاصة وانا ممعن النظر إلى حلاوته، فهو رجل جميل لم أرى مثله من الرجال إلا في الأفلام السينمائية.
-    ألا يمكنك يا غسان أن تختصر قليلا بحديثك وتخفف عني عبء الاستماع، ادخل إلى الموضوع مباشرة من فضلك، فأنا طبيب ولست مريضا بحاجة إلى دعمك..
-    عذرا يا رشاد، خلال حديثي مع شريف، قال لي إنه بحاجة لمساعدة مادية لشراء الأدوية تماماً كما قالت أمه، واستغربت من سؤاله لأن أدوية مرضى السرطان لا يدفع ثمنها، فهي ضمن السلة الصحية المجانية. فقلت له: ماذا تريد أن تشتري؟
شريف: إنني بحاجة لشراء حافظات يومية وأغطية للسرير ومناشف وغيرها.
فسألته: هل تعاني من مرض التهابات أو تلوث؟ 
شريف: سأخبرك بعد قليل بكل شيء.
-    سكتت على مضض حتى أرى ماذا يريد شريف، وراح صوته يعلو باطّراد معتذرا باستفاضة: ليس الآن، بحضور زوجتي وصديقي المخلص.
-    لعل زوجته مريضة ولا يريد أن يقحمها في مشاكله.
-    زوجته في العشرينيات من عمرها، تصغره بعشر سنوات على الأقل، وبدا على وجهها تصميم كئيب، وصديقه اليهودي هو صديق قديم وعزيز، ومنذ أن مرض شريف، أخذ هذا الصديق ينوب عنه في البيت، فهو يرافق الزوجة إلى السوق والمستشفى وإلى مدرسة ابنتهم ويقوم بكل الواجبات الملقاة على عاتق الزوج.
-    هل تشير بأن هناك علاقة بين صديقه اليهودي وزوجته؟
-    ربما، ولكن من الواضح أنها ليست علاقة بريئة. فالزوج على فراش الموت مع أنه ما زال واقفا على رجليه حتى يخيّل لك أنه غير مريض، لكن السرطان انتشر في جسده ويعيش على مسكنات أفيونية وعلاجات مخدرة، كي لا يشعر بالوجع.
-    لم أفهم ما الذي أزعجك!
-    بعد أن خرج الضيف والزوجة قال لي شريف إنه حامل لفيروس الإيدز منذ سبع سنوات، قبل أن يتزوج، وزوجته لا تعرف ذلك.. لم أصدق ما سمعته، فزوجته جميلة ويافعة، ولم أدرك سبب زواجها منه، يكفيها أن تعلم بأنه مريض بالسرطان، فكم بالحري إذا عرفت بأنه يحمل فيروس الإيدز.
-    وكيف تفسر ذلك؟
-    رأيت حالات عديدة مثلها، نساء يهوديات وعربيات يتزوجن من رجال على فراش الموت حتى يحظين بمعاش الأرملة. ويمكنها أن تعيش فيما بعد على المعاش دون أن تحتاج أحدا.
-    وهل تعتقد أنها من هؤلاء؟
-    ما فهمته هو أن شريف وأهله لم يخبرا الزوجة بأنه مريض وحامل للفيروس، كما يبدو أنهم خدعوا زوجته، وبعد مضي خمس سنوات من الزواج والمعالجة بحجة أن حيواناته المنوية ضعيفة، رزقت الزوجة ببنت وعمرها الآن عامان، ربما تكون الطفلة حاملة للمرض أيضا وربما انتقل المرض للزوجة ومنها إلى صديقه الذي حل محله، والغريب أن لا أحد من الطاقم المعالج أثار هذه القضية.
-    وماذا فعلت بعد أن عرفت كل ذلك؟
-    خشيت الدنو منه فربما ينقل لي الفيروس من جرح في جسده، لم أدر ماذا أفعل، فها أنا أتحدث إليك لأسألك النصيحة؟
-    عليك التوجه يا غسان إلى طبيب العائلة فهذه وظيفته.
-    الرجل على فراش الموت ولا أريد أن أؤذيه في لحظاته الأخيرة.
-    إذا لم تبلغ عنه فربما يؤذي هو وزوجته أشخاصا آخرين في منطقة سكناه.
-    الحقيقة أنني توجهت إلى الممرضة التي تعالجه.
-    وماذا قالت؟
-    قالت إنني أبالغ بردّ فعلي، وطمأنتني بأن العدوى لن تنتقل إليّ لأنها لا تنتقل بالهواء. وبما أنني لا أنظف فراشه ولا أفحص له دمه فلا شيء يخيف. ولكنني لا أستطيع أن أكون كالنعامة التي تدفن رأسها بالرمل بينما تطوقها مجموعة من الضباع.
-    وماذا تريد أن تفعل الآن؟
-    لا أدري، لن أستطيع إعادة المارد إلى القمقم، فالطبيب المسئول عني يقول هذه مسؤولية طبيب العائلة. وبدأت الأفكار تعصف في رأسي، وأسئلة أطرحها على نفسي تكرارا، ماذا يحدث الآن مع زوجته وابنته وصديقه، وكيف انتقل المرض إليه؟ وربما ينتشر المرض في بلدته ولا أحد يدرك ذلك. حتى أن عائلة شريف في حالة إنكار شديد ويدفنون رؤوسهم في الرمال، غارقين في ظلام دامس، وهذا الإنكار نوع من أنواع الغطرسة والكبرياء، أيتسترون على مرض ابنهم ويخدعون زوجته؟
-    لا تبالغ بالخوف على زوجته، فانا أعتقد بأنها تعرف كل شيء، والبنت ليست منه بل من صديقه الذي يأخذها يوميا إلى المدرسة كما قلت، وهي تدّعي بأنها لا تعرف، وتطيل له الحبل بخداعها، حتى توافيه المنية ويخلو لها الجو مع الصديق، بالإضافة إلى الراتب الذي ستتقاضاه بعد الوفاة كما قلت يا ذكي.
-    !!!!!!!!!!