بقلَم: مارون سامي عزّام
انتَشَرت شُرطة الرّياح في أحياء مدينتي، تَصفُر بقوّة... تُحذّر العشّاق الذين ينتظرون أن تلفح وجوههم نسمات شوق من فتيات أحلامهم، ألاّ يتركوا نوافذ بيوتهم مفتوحة. ما زالت شرطة الرّياح تحوم حول منزل حبيبتي، تراقب لحظة إطلالتها من خلف سِتار نافذتها، كي تَعتَقل نظراتها التي تتسكّع في ميدان التّأمّل، لتُذكّرها أن لا وقت للعواطف والهَيام.
 
ارتعدت أغصان الأشجار عندما سمعت الرّياح تَعوي في الحقول، تريد أن تعرّيها من أوراقها، ولكن الأوراق بقيَت متمَسّكة بالأغصان بكل قوّتها، كما يتمسّك الطفل الضَّعيف بأمه، طالبة من الرّياح أن ترحمها قليلاً، ولكنها أبت، واشتدّت حدّتها.
 
صرخت الأوراق مستغيثةً: "كفاكِ أيّتها الرياح الجائرة عبثًا وتنكيلاً بنا." أجابتها الرّيح: "لقد أنذرتُ الأشجار بمجيئي، لكنّها لم تتّخذ حيطتها منّي، فأغاظني منها استهتارها بقدرتي الطبيعيّة، فجئت لألقّنها درسًا لا تنساه، وقد أُعذر مَن أُنذِر!". لم تقوَ الأوراق المسكينة على الصّمود في وجه الرّياح العاتية، فسقطتْ مفترشةً الأرض... منهكةً خائرة، وبَكَت من حرقة الفُراق.
 
حجبت الغيوم نور الشّمس لبرهةٍ من الزّمن، لكنّ أشعّة الشمس كانت تُطلُّ من خلفها بين حين وآخر، لتتابع مسار الطيور المهاجرة إلى أوطان الدّفء، بعد أن أحسّت بلسعات البرد، فشدّت رحالها وغادرت كئيبةً... في هذه الأثناء، كان تعسُّف الرّياح يقودُ قطيع الغيوم الرّماديّة والسّوداء المثقلة بمياه الأمطار ببطء شديد، تمامًا كما يقود الرّاعي قطيع خِرافِهِ إلى المرعى.
 
بدأت أشجار الزّيتون تستعطف الغيوم التي تلبّدت في السّماء، كي تروي ظمأها وتَغسِل عنها غبار الأيام، فتأثّرت الغيوم باستعطافها لها، وراحت نحوها تترقرق، فتنفّس أديم الأرض، وفتَحَت سائر الأشجار أذرعها لتتَلقَّف قطرات المطر، لتكتنز منها مؤونة تكفيها وتُطلق أوراقها، من أجل أن تصوغ منها حلّتها الجديدة في فَصل الربيع القادم.
 
بعد أن ارتوت أشجار الزّيتون، وغدت نظيفة نضرةً، انفرَجَت أسارير الفلاّحين، فجاءوا مع عائلاتهم إلى كرومهم، ليجنوا موسم الزّيتون بفرحٍ عارم، ويملئوا دنانهم بزيته المبارك، مردّدين قولهم المعهود: "عشنا وذُقْنا خير السّنة والحمد لله!".