كانت الشمس تَنضرُ جبين الأفق الغربي بالورد وتلقي عليه  عباءة
 
أرجوانية   لا أحلى ولا   أجمل .  جلست   على كرسي عتيق عُمل   من قصب فلسطيني قديم   حرقته شمسها   وأودعت  فيه سحراً أخاذاً .انبعثت  منه عند ملامسته  رائحة عطرية مَحروقة، خليط من رائحة الند والرند والعود والصندل. جلستُ وحفيدتي   الصغيرة التي  تخطو خطوة ثانية  على جبين  هذا العالم المشرع أمامي  كتضاريس    كف    سحرية من  عهد آمون   الذي  بَعث  الروح   لأول  مرة  على ضفاف  النيل  في  تماثيل خَنوم الصلصالية.
 
كانت  أشعة الغروب  تموج  وتفور تم تتبدد  من حولنا   وتنتهي  بشعر الصغيرة الكهرماني الذي امتصها قبل  الغروب وبعثها   للحياة ثانية من جدائل رقصت للنسيم  البحري  الغربي  . انتهت خصل  شعرها  الذي داعب الريح بخواتم   من تبر عتيق بعد أن عاهدت صغيرتي الشمس الغاربة اطلاق أشعتها الراحلة  مع أورورا ابنة الفجر الذهبية،  التي تبدأ كل  مرة من  جديد  من قلب  هذا  الشرق   البديع ، لتنير الدنيا كعهدها ملايين وبلايين السنين .  جلست  لارا  على حضي الأيسر  وعن  يمينها جلس هذا العالم البديع  الذي  أتابع شجونه  وأفراحه وأتراحه ،  جذوته وخيبته من    شرفة روح  حقيقية ، من قلب  حيفا من قمة الكرمل  من سحر فلسطين  كلها   التي تَكورَ وتَحول وتَبعثر وانسدل وانتشر  في  بقعة هذه الأرض الحالمة.
تابعنا  أنا  والصغيرة الغيمات  التي سبحت  في أبعاد اللوحة  في طريقها من رأس الناقورة  الى جبل  الشيخ الى الأبعاد السورية   شرقا حيث ذابت هناك مُنسحبة  كعروش الملائكة الى كهفها  البعيد  لتنام  نومتها  في أحضان  عروس   بحر في أعماق  لازواردية  مقابل  الشواطئ الشامية ، نعم عروس صغيرة  بديعة   كهذه الصغيرة    التي   تجلس    في حضني،   معها تتجسد    براءة هذا  العالم  الحائر أبداً بين  الثابت والمتحول . 
 
نعم   أجلس  لحظتي هذه  مع  عالمي كله  نصفه  جلس  على حضني يساراً ، والنصف   الأخر يسبح  في أمواج البحر   أمامي ويهجرني كتلك الغيوم المهاجرة  أبداً  .   اختلطت  فيه  أزماني  وأسفاري   وأفكاري التي  مازلت  أطاردها  أسبقها حينا  وتسبقني أحيانا  بعد  أن امتدت رحلتي    وتاهت  وغاب فناري  في رحلة الرجوع الأخير   الى  ذاتي . رحلة  البحت  عن  الذات  في هذا العصر المضطرب  القلق   فيها  تيه ودوران وعواصف وأمواج تضاهي  تيه أوديسيوس  في  رحلته الأبدية العبثية  تلك بعد  فتحِِ ِ طروادة بحصانه  الخشبي  المشهور  . حارب وقتل  وغَنمَ
ولكنه لم يقدم قرباناً  للآلهة فكان عقابه   التيه والضياع في  بحر ايجه وجزره الكثيرة بدون فنار.
 
  أنشد هوميروس  شاعر الخلود وأبدع  " سقطت  طروادة ونزح المُغير بخيله ورجله . تعالي  يا عرائس  الفنون  فا فتقدي اوديسيوس  في ذاك البحر اللجي يَذرعه , مَوجة تَلبَسهُ  وموجة تخلعهُ  . لا يعرف  لمملكته ساحلا  فيرسوا عليه,  ولا شاطئا ًفيقصد اليه. يَخبط ُ في اليم  على غير هدى، ويرسلُ   في عينيه بالماء والسماء .. زرقة مُتصلة   في العلووالأسفل  ، وتيه لا نهائي  يخبطُ  في أحشائه أسطول السادة المنتصرين " . سقطت طروادة  فلسطين وتاهت خيولها وفرسانها في لجة بعد لجة  بعد لجة من النفاق السياسي  الذي  يتقنه  هذا  العالم . لم يرحل  أخيل  عن أسوارها   ولم يظهر هوميروس  العربي خالق  الأساطير  ليحدثنا عن     غزاة   نبشوا  القبور والصدور وعلوا أسوار  النفاق  ،  ركبوا حصان طروادة الفلسطيني ألف مرة .  في بحر  فلسطين  لم  يُشرع  لشعب سَحقه  الزمن الأرضي  الا  أشرعة مُحطمة   خَزنتها الذاكرة يوم تعود ..حتى  تعود ..يوم  تعود...هل تعود؟؟ .
اسأل  صغيرتي  عن العصفورة وطائرة الورق وعن  الحمامة البيضاء التي تأتيها  كل صباح  ،  تقف  على حافة نافذتها  المشرعة على بحر حيفا.
 
الصغيرة تسألها  عن  البحر  وعن تلك  النوارس  الهائمة على  شواطئه أبد  الدهر  تبحث عن  عش  ضاع في متاهات الذاكرة التي  غرقت  فياللجج  الزرقاء  . أسالها  وتجيبني  وهي تشير ببنانها   ,"  سيدي  ها ي طيارة  وها ي  حمامة  وهاي  شجرة  و  وهاي سيارة بابا" وتدور حوارات عذبة  بين  ذاتي التي  أشرفت  على نصف العالم وبين  ذات الصغيرة الجملية التي تملك نصفه الأخر تُسرحه   وتُجمله  وتُعدله  بكل خطوة لها وكل ضحكة  وتفضحه للملأ  بابتسامة  أجمل  من   حكاية طروادة وأناشيد  هوميروس كلها.
 
سألتها   وأنا أحاول  اختبار  فطنتها  وذكائها ورؤية بسمتها ,  حتى أسمع الأبجدية بأروع صورها   "   أين  البحر   يا  لارا ؟ " ابتسمت ونظرت نحو البحر  المشرع  وشمسه  الغاربة  وألوانه  الداكنة التي   تعبث بها  الظلال   والأشعة الهاربة   الى كهفها الليلي في نهاية العالم.
"   سيدي  .. سيدي  وهي تشدني   من  شططي وبعادي  ..البحر  نام "
"   هل ينام البحر .. يا لارا  ؟؟ ".
" آه.. البحر نام  "   أجابتني  وهي تبتسم لي مرة ومرات حتى  رأيت بحر حيفا  ينحصر ويختفي كله  بلونه الزبرجدي   في  مقلة لارا  ،  يتثاءب  وأسمع  شخيره . في المقلة   الثانية  ينعكس بريق  أصفر عتيق  لاشك  آت
من  أشعة الشمس  الذهبية التي  سكنت  ضفائرها  و التي عقدت العزم وأعلنت  للملأ     أنها  هناك باقية الى الأبد.
 
د.فؤاد  خطيب .
 
   مهداة الى حفيدتي  لارا في   عيدها الثاني.