وَصَايا.. لِمَن يَحْتَفي بالحياة..!!
 
(تأمُّلات إغترابِيَّة..)
 
تمهيد:
 
أمّا الآن، وعلى تُخومِ استكمال أسباب وجودي، وبعد احترافي الحياة واحتواء جُلّ مَعانيها، وإنْ كان بزمنٍ قصير نسبيًا، وبظروف وإمكانات مُرَكَّبة، فإنني أعكف، غير جاهِدٍ، على رسم النهايات وضَبْط إيقاع الرّحيل، بحيوية عاشِقٍ للحياة..
 
وأعود لاِطلّ، عَبْر هذه الدَّفَقَة من الرسائل، باعتبارها تَأمُّلات إغترابيّة ما بعد وجودية، بمعنى أنها تجاوزتْ الأسئلة الوجودية في طريق بحثها عن ماهيَّة الوجود والموجود، وفي محورها وتأْسيسًا لها، ماهِيّة الوجود الإنسانيّ..
 
إنها باقة قنابل عُنقودية إنْشِطارِية جديدة، في صورة أفكار.. فكلّ فكرة من هذه الأفكار تَتَوَاصَل مع الأُخرى، تكتمِلُ بها وتُكمِّلها وتتكامل معها.. والإمْساك بِتَلابيب معاني هذه النصوص، من حيث مَرْجعياتها غير المحدَّدَة والمحدودَة ومن حيث مَراميها، إنما يتطلب الإحاطة بالكثير من فِهم الدَّلالات المعرفية والثقافية لتكوُّنِها وإنبثِاقها، بمِا يتجاوَز مُجَرّد الإندهاش او الإنبهار، التجنّي أو الإتهام، الرفض أو النُّفور..
 
وهذه الوَصايا تُوَجَّه أساسًا لِمَنْ يحتفي بالحياة، لا لِمَنْ يحتفل بها وفيها، ولا لِمَن اختارَ نقيضَها.. وعدم القدرة على تفكيك رُموزها ورؤية خلفياتها واستيعاب وِجْهَتِها، ولا استشعار نسبة المتفجرات التي تضمرها حينًا وتعلنها أحيانًا، لا يعني أبَدًا انتهاء فترة صَلاحيتها أو نَفاذ حاجتها، بل إِزدياد التأْكيد على ضَرورتها، ومَدى الحاجة للإكتِواء بلهيبها، بَحثًا عن احتمالٍ آخر ومختلِف للحياة وفيها..وكُلي ثقة أن هذه "المادة" ستُقرَأْ، عقليًا ومعرفيًا ونفسيًا وفكريًا، إنْ لم يكن هُنا فهناك، وإنْ لم يكن الآن فَغَدًا..
 
وتساءَلتُ مِرارًا: لماذا أكتُب ولِمَنْ، سيّما أنَّ الإرْث الإنساني كله آيل للاُفول؟! وهل أكتب لمجرد البقاء بَحْثًا عن خلودٍ مُحْتَمَل؟! وماذا تعنيني العَظَمَة وما حاجتها، وهل هي ضرورَة حياتية؟! أمْ أنني أكتب لِقراءَة ذاتي ونقدها؟! فسرعان ما انتصَبتْ أفكاري، بعدما أوْشَكتْ على الإهتزاز.. فَتَلمّسْتُ سبيلَ الإجاباتِ بحواسٍ سَبْع..!!
 
فهذه النُّصوص تحمِل أكبر مما يبدو، وتحتمل أكثر مما هو ممكن، وترنو الى أبعد مما يُرى، وتَصبو الى تجاوُز المستحيل، لكن صاحبَها، رغم ما يواجهه من حِصار الأرَق والمَرارَة والحَسْرَة، لم يُولَد أو يحيا ليكتب، بل يكتب ليزداد حياةً وحَيوِيّة.. وما هو سِوى فكرة في صورة إنسان..
 
لا يوجد نصّ نِهائيّ للفكرة، لان الفكرة ذاتها لانِهائية..
 
حَذارِ من تقديسِ الأفراد والأفكار، الى درجة مَنح الاموات وِصاية على الأحياء، وتحويل الحاضر والمستقبل رهينة للماضي..
لا ينبغي تحويل الإرث الى تُراث، ولا جعل القيمة عقيدَة، ولا التعامل مع الإعجاب كعِبادَة..
إبحثْ عن العلم بحثًا تنقيبيًا، إذهب إليه ولا تنتظره..
 
لا تجعل من العلم وسيلة عملٍ فحسب، بل مَسار إرتقاء ومَسيرة حياة..
ثَمَّة عِلاقة طردية وتناغُمية بين الحقائق والعلوم..
الأصل الموضوعي للعلاقة بين الفلسفة والعلوم هو الطبيعة، فهي حَيِّز التَّلاقي ومَساحة التَّلقيح ..
لا بُدّ من إعادة صِياغة العقل وبنائه دَوْريًا ودائمًا، بأدوات تتجاوز العقل ذاته..
بين التقديس والتّدنيس ثَمَّة مساحة ضَبابيّة..
 
عند الإنسان الطبيعي ينسجِم العقل مع الغرائِز، ويسيران مَعًا بتناغُمٍ، في عملية الارتقاء الطبيعي..
ثَمَّة وسائل أُخرى الى جانب العقل، النقديّ والاستدلاليّ والإستنباطيّ، قد توصل المرء الى تُخوم الحقيقة، وفي مقدمتها الحِسّ الغريزيّ..
تَرَقَّقَ الانسانُ المعاصِر بعدما تَرَقَّقَ عقله وترقَّقَتْ ثقافته، حتى ترقَّقَتْ حُرّيته وحياته..
هُنالك مَنْ يَدّعي العقلانية والواقعيّة، كتبريرٍ ضِمْنيّ للعجز والإنهزاميّة..
الفارِق بين العالَم الحقيقي والعالَم الظاهري، أن الظاهري يَبدو حقيقيًا في حين أن الحقيقي يبدو ظاهِرًا..
التأَمُّل ليس حالة ماوَرائية، إنما هي قراءَة ما لَمْ يُقرأْ..
إذا كان العقل هو أعظم تَجَلٍّ لإرادة القوة، فإن الإقتدار هو أعظم تَمَظْهُر لإرادة الحياة..
في إرادة الحقيقة ثَمَّة إرادة قوة، وفي إرادة القوة كثيرٌ من الحقيقة، إنْ لم يكن جُلّها..
ما أعظم أن يكون الإنسان قادِرًا على أنْ ينفذ من خلال القُشور المرئية الخارجية الى ماهيَّة الأشياء والظواهر الباطِنيّة الداخلية..
إنّ العجز والجهل والخوف والضّجر من أهم مُكَوِّنات "العالَم الآخر"، عالَم ما وَراء الواقع المحسوس، وهو ما أمْسى يُسمى وَهْمًا "ثُنائية العالَم"..
ما كانت فِكرة "الآلِهَة" يومًا، سوى تجسيدٍ للعالم الماوَرائي وعُنوان افتراضيّ لِثُنائيَّة العالَم، وتبرير لاعقليّ للإعتراض على الحياة الإنسانية الواقعية الحقيقية..
لَعَلّ الوقت قد حان قَطْعًا، لكسر هذا التحالف التاريخيّ اللامعقول بين الماوَرائية والعقل، بين الوَهم والعلم، بين الدين والحياة..
تعدُّد القَناعات وتنوُّعها في الذات البشرية، كتعدّد الأقنعة وتلوّنها في الصورة الإنسانية، من أَحْلَك أشكال الدونية..
الانسان العادي هو صورة لتضاريس واقعه وجغرافيته ومجتمعه، ومِرآة بائِسة لحياته.. فما أبْأس أن يكون الإنسان مُجَرّد ابن بيئته واستنساخًا لها..
إذا كانت وقائع حياة الإنسان وبيئته تُحدِّدان تفكيرَه، فَثَمَّةَ ما هو أرقى، عندما يُحدّد تفكيرُ الإنسانِ وإرادَتُه وقائعَ حياتِهِ مُتجاوِزًا بيئته..
من الجدير الإنتباه: إنّ مُعظم الفلاسفة وأعظمهم، سيّما رموز فلسفة الحياة وإحياء الإنسان، قد أخفقوا في تجسيد أفكارهم وفي ممارسة الحياة، في شرق الغرب كما في غرب الشرق، في شمال البوصلة كما في جنوبها..
هنالك مَنْ يبحث عن "الله" خارجه، وثَمَّة مَنْ وَجده داخله..
"الله" هو أكثر الغائِبين حُضورًا، في حين أن الإنسان هو أكثر الحاضِرين غِيابًا..
الإرادة أبعد مَدى من القوة، لكن القوة شرط ضَروريّ من شروط إقتدار الإرادَة..
السّجن الحقيقي هو ما يخنقُكَ لا ما يُقيّدكَ..
 
الحقيقة تُحرّركَ والصدق مع الذات يُعيد إنطلاقكَ..
بَيْنَ الدّافع المادِيّ الإقتصادي لحركة الإنسان والتاريخ، ودافع القوَّة والدافع الجِنسي (اللّبيدو)، ثَمَّة دافع نوعيّ أشْمَل وهو دافع الإقتدار..
إنّ ماهيّة العلاقات بين الأشياء والأفراد والشعوب والحَضارات وحتى الافكار، في الحياة، إنما هي في جوهرها تلاقُح وتلقيح إخْصابٌ وتَخْصيب، إنها عمليّات جنسيَّة..
الشعوب والأُمم التي تعرف الحروب وتُتقنها هي هي التي تدرِك كيفية الإقدام على الحياةِ رِكابا..
 
الحروب ونتائجها من أهم مَعايير أُفول الأُمم او إرتقائها..
التهافُت نحو الشُّهرة وإغواءاتها من ألَدِّ أعْداء العَظَمَة وإشْراقاتها..
ما أخفّ الشُّهرة وما أسهلها، وما أثْقَل العَظَمَة وما أصعبها..
 
الموسيقى: هي أكثر الفنون تجريدًا وتجرُّدًا، وهي تجسيد صوتيّ جَماليّ لمعنى الحياة ذاتها..
في الموسيقى تتجلّى عَظَمَة التناغُم والتكامُل بين التناقضات والتبايُنات والتنوُّع..
 
ما عادَ الإعلام المُعاصِر يُشكّل مصدرًا معرفيًا ومعلوماتيًا، ولا سَبيلاً للعَظَمة، إنما أَمْسى مَصْنَعاَ لإنتاج نجوم وهميَّة وفُقاعات صَوْتية واحتلال الوعي وصِناعة شُهرةٍ إفتراضيّة..
يزداد بُؤس السياسة حين تَغيبُ السّياسات..
 
في مَساحة مُثلث دَنِس تكون أضلاعه: السِّلَع والأسواق والإستهلاكِ، تمكُث السياسة المعاصِرَة وثقافتها، حيث يُفْتَقَد المعنى وتَغيبُ الحياة..
ثقافة السوق، الإقتصادية والاجتماعية، هي التي باتت تُحَدّد معالِم السياسة واتجاهاتها، مَضامينها ورِجالاتها.. حتى غَدَتْ السياسة المعاصِرَة تَئِنّ تحت وَطْأَة وسَطْوَة المال والإعلام والسُّلطة الوهمية..
القوّة، في تجسُّدها العسكريّ، هي التعبير الأكثر بلاغةً في القيمة السياسية..
الجُغرافيا والتاريخ كانا وما زَالا ضَحايا السياسة، لكنهما بقيا في جوهر كينونَتِها..
لا يمكِن لِمَنْ ينجح في سرقة الجغرافيا أن ينجح بالضرورَة في سرقة التاريخ..
إن ماهيّة المحاولات الثيولوجية (الدينية) لتوصيف "الله" وطبيعته، ما هي في حقيقتها سِوى اجتهاد لا واعٍ لتشخيص الإنسان وطَبائِعِهِ..
مَنظومة "الثقافة السماوية" بمثابة خِيانة لثقافة الحياة الإنسانية..
احترام حق الآخر في الإعتقاد والتفكير لا يعني بالضرورة احترام فكره..
مِنْ أبرز مَيِّزات الإنسان، أنه حيوانٌ كاذِب..
عندما يتقدم الجوهر يتراجَع المَظْهَر..
ينتهي دَوْر "الشكل" بعد الدقائق الاولى من اللقاء، سيّما بين الرجل والمرأة..
تنظُر المرأة الطبيعية الى ما فوقها، وينظر الرجل العادي الى ما تحته..
لا يُمِكن للنسيان أن يختزِلَ أسماء النِّساء..
 
التطرُّف يُحَصِّن العدالة الطبيعية في حين يقوم الإعتدال باختزالِها وتسعى التسويات لِوَأدِها..
العدالة لا تحتمِل ولا تُنْصِف مَنْ ينتظرها..
إذا لم يكنْ مِنَ المُواجَهَة بُدّ، فَوَاجِه الأعاصير والعواصِف ولا تقف عند حدود الرياح..
أكثرُ الناس ينفُرون من مَناخ الطبيعة وطقوسها وتَضاريسها، ويتكيَّفون خاضِعين لبُؤس تضاريس وطُقوس المجتمعات البشريّة وتلوّث مَناخها ونُفوسها..
الفَراغ هو العدو اللّدود لأي شيء ولكل شيء له معنى..
 
التبعيّة لأي شيء وفي أي شيء إنما هي درب من دروب الخضوع والرّكود والموت..
في كلِّ شيء جِديّ شيءٌ من السُّخرية، وفي كلّ شيء ساخِر شيء من الجِديّة..
صِناعة الأمل أصعب من صِناعة الألم، لأن الأمل من صُنع الإِرادة بينما الألم من صُنع العجزِ..
في المَأساة يُشَكِّل الألم أحيانًا مُلهِماَ ومَصْدرًا ودافِعًا لصناعة الأمل..
على الإنسان أن يتحرك ويُقْدِم على الحياة بقوة دَفع ديونيزية، دون أن يَخشى السِّيزيفيّة..
إننا نعيشُ عصرًا كَثُرَ فيه "الأحياء" وقَلَّت فيه الحياة..
كَمْ تَزْخَر حياتنا بموتى هم على قَيْدِ الحياة، وبأقزامٍ على صورةِ عَمَالِقة..
الشعوب غير القادِرَة على الحروب، هي غير قادِرَة على الحياة..
الحقّ الأساس للأغبياء والضعفاء هو في اختيار طريقة الموت..
في العصور والظروف الاستثنائية تزداد الحاجة الى الشخصيات الاستثنائية.. ولكن: أوَلَيْسَتْ كل العصور والظروف هي في حقيقتها استثنائية؟!
تقتضي الحِكمةِ أن تَسْأَل أفضل وأكثر مما تُجيب، لكن الإجابة تبقى مِقياس الحِكْمَة ونِتاجها..
القُدرَة والإقتدار هما مصدر القوانين والأخلاق..
الفيسيولوجيا هي مِرآة لنفس صاحبها، ولا تخلو أحيانا من التضليل، ما بين واقع التجلّي وحقيقة المُتجلّي..
ليس مكان وجودكَ إنما قيمة وجودكَ هي التي تُحدّد قامتَكَ..
تنبيه: كُلَّما ارتَفَعَ صوتُكَ قلَّ صِدْقُكَ..
عندما تُغمِض عينيكَ تسمعُ أفضل، وعندما تُصغي ترى أكثر..
غالِبًا ما تُذكِّرُني الأشياء والشخوص بقيمة النسيان..
لا تنظُر الى الوراء حدّ المُراوَحَة، ولا تنتظر المستقبل حدّ الغَيْبوبَة..
كُلَّما ازدادَ مَنسوبُ المقاوَمة، كمَّا ونَوْعًا، إزداد مَنسوبُ الحياة والحريّة، ماهيَّةً..
هنالك مَنْ يُخيفه الإنتصار، بل ويُزعجه احتمال الإنتصار، لانه من أبناء ثقافة الهزيمَة..
من أبْلَغ دَلالات الإنحطاط وأخطرها، عندما يكون سقف المثقف بمستوى سقف السياسيّ..
عجبتُ من بشريّة الإنسان، كيف لا يبحث عن جذور إنتمائِهِ في المستقبل، بينما يواصِل البحث عنه في رُكام الماضي..
الضّجيج البَشَريّ، بكلِّ أشكاله ومصادره وتجلّياته، من أخطر وأحقر أشكال تَلَوُّث البيئة والطبيعة الحياتية..
ما أعجب أمر الكائن البشريّ: فهو يرفع صوته مدويًا حين يكذب، ويُخفِضه حدّ الصَّمت في قول الحقيقة..
 
إذا كان الخطر يُعيد إنتاج حَيَوِيّة الإنسان في الحياة، فإن أخطر ما يحتاجه الإنسان المعاصِر هو: القَنَاعَة والإبداع والصدق والشجاعة، بمعنى أن يكون إنسانًا طبيعيًا حقيقيًا..
قد تحمِل عِبارَة "أنا أُريد" معنى عبارة "أنا أُفكِّر"، لكن
 
 
لِضيق الحياة ومحدودية مَداها، فإن تعدُّد وتنوّع مَسارات ممارستها، بالتوازي ودون انفصام أو تناقض، شكلٌ من أشكال مُواجَهَتها، من الأمامِ..
الجدلُ عقيم حين يجري مع غبيٍّ او عقلٍ عاقِر، وما أكثر هؤلاء..
مِنْ أبْأس أشكال الشَّفَقَة، هو الشفقة على الذّات..
لا يكفي أن تعرف ماذا ترفُض، لماذا وكيف، بل عليكَ أن تعرف أيضًا ماذا تريد، لِماذا وكيف..
مُواصَلة الهروب يجعل من الجُّبْنِ طَبْعًا وطبيعة..
 
الإباء والإقدام والمُوَاجَهَة هي الطرق البديلة للنّجاة..
أحِبّوا الحياة ولا تخشونها، ولا تَنسَوْا استحقاقاتها ومعاركها الكُبرى..
المُؤمنون بالحياة لا يَخْشَوْنَ الموت، لكن المُؤمنين بالموت يَخْشَوْنَ الحياة..
ضَرورات الحياة أجمل من ضَراوَة الموت، لكن ضَراوَة الموت من ضرورات الحياة..
الطبيعة والطبائع: هو الكتاب الاول الذي قَرأته ولم أُكمله، وهو الكِتاب الأخير الذي قرأته دون أن يَنْتَهي بَعْد..!؟

 
الجليل
كانون الثاني/ يناير - 2013