الموت
 
مرة أخرى راودها حلم السقوط من أعلى، ومرة أخرى صحت من   النوم خائفة تشعر أن جسدها النحيل محطم ولا تقوى على فعل شئ، رغم أن الشمس كانت مشرقة والصباح كان جميلا تفوح منه رائحة الشجر والأزهار .  تقلبت كثيرا في فراشها ، حاولت النوم مجددا لكن دون جدوى، ودون جدوى حاولت أن تهرب من تلك التداعيات المكررة حول الحياة والموت، إلا أنها غاصت عميقا في عالم الأفكار لتكتشف مجددا أن الموت هو الطريق الوحيد للخروج من الروتين والضجر. لم تكن قيمة الموت عندها تعبيرا عن يأس أو إحباط، بقدر ما هو محطة ضرورية للخروج من الملل الذي أرهقها على طول السنين. 
 
كانت مريم منطلقة على الدوام، لم تترك فرصة للاستمتاع إلا وانتهزتها، لم تشكو في حياتها من فقر أو إملاق ، وتمادت في السفر حتى أصبحت جميع الأماكن بنظرها متشابهة وبليدة، ما دفعها للبحث الدائم عن جديد. 
 
ذات لحظة تأمل عميق اكتشف
ت أيضاً أن الجديد بحد ذاته صور مختلفة بالشكل وتحمل ذات المضمون لتلك التجارب السابقة... في ذلك الصباح عادت لتداعب فكرة الموت من زاوية انه محطة لحياة أكثر جمالا وغير مرتهنة لحالة الثبات المضجرة. قالت في سرها إن الله لا يسمح بنسخ تجارب الحياة البائدة، وهي التي لم تقتنع يوما أن الحياة القادمة تقتصر على جحيم أو نعيم محدودين بحدود الإعادة المملة. جرجرتها التداعيات إلى فلسفة تشبه الهذيان. اعتقدت أن المنال يفسد المتعة، وهي التي نالت في حياتها كل شئ وما دخلت يوما في مشروع أو علاقة إلا وكانت مركز الصدارة فيه رغم تواضعها الشديد ومحاولاتها الدائمة للظهور بمظهر الإنسان العادي... سارعت إلى نافذتها لتسرح في المدى الممتد نحو الأفق المفتوح، فراته صغيرا لا يتسع لشطحات الوحي في رحلة البحث عن عالمها المفترض. 
الله يا الله أنر طريقي فانا لا أعبدك طمعا بمردود وإيماني مؤسس على العقل وبعيد عن علاقة المقايضة، سبحانك يا الله ..لا بد انك أعددت العدة لما بعد هذا المدى ... لا بد انك ستأخذنا إلى مكان ما في اللا معقول، حيث تستقر الحكمة في برزخ الأبد ، هناك ربما نبلغ ذرى جديدة وفريدة... في ذلك المكان الغامض الذي لا نعقله بأدواتنا الدنيوية قد نجد محفزات الاستمرار .. هنا تكمن المتعة ، فيما قبل الوصول، فهل الموت مدخل إلى ذلك ؟ وهل هذا الهذيان هو رأس الحكمة؟.
 
 
 
 
العطر
 
- تعالي نستكين في عشواء الزمن ونبحث عن مكان دافئ يحتمل فوضانا ويحمينا من عصف الريح.
- لا جدوى من ترتيب الفوضى بعدما حوصرت الإيحاءات .
- تعالي إذن نصنع حلما اكبر من تلك النشوة الخاوية إلا من جنس مفرط في الابتذال.
- خواء النشوة أفضل كثيرا من خواء الروح.. الحلم صار مخيفا يا صاح، فانا عليلة وضائعة، شوهني صدأ الذاكرة ولم يعد يشدني في هذا الكون سوى متعة التأمل التي فاقت عندي متعة العشق، وصارت مثل العطر وسيلة من وسائل الشبق وسبيلا إلى الاستكانة بعد اختبار الألم. أتعرف يا نوار، لم اعد افرق بين الأشياء أو المزايا إلا بالشم. ولم اعد استطيع التأمل بلا رائحة. حتى أنت يا نوار أجمل ما فيك هي تلك الرائحة المنبعثة من جسدك الجميل.

 
لا تغضب مني يا نوار، أحيانا تغيب عني رائحتك فأراك شبحا ليس إلا. غياب الرائحة يجعل الأشياء تتشبح أمامي وتكاد تختفي، ولا يكاد ينقذها من الاختفاء سوى عودة الرائحة... لكل شئ رائحة، للشجر والحجر، للطهر والدنس، لليل والنهار، للحزن والفرح والمكان والبحر والموج والشطآن.. للموت رائحة تعلق في ذاكرة الحياة، وللحياة رائحة تعلق في ذاكرة الموت. وعندما يتفاقم الألم يا نوار تصير الرائحة عطرا يجعلني أتجلى بلا حدود.. وهكذا أعاود التأمل واغرق في التناقضات والأسئلة الصعبة.. احلم في الليل .. وأتأمل في الصباح.. حلمت أني أطير فوق الماء، ولكني هذه المرة لم اسقط في الهاوية.. حلمت أني معلقة ، وحلقت كالطير بين الأرض والسماء، ورأيت نورا كثيفا .. ورأيت الريح تتشكل مثل الضوء. قمت مرهوبة من النوم وشعرت أني محطمة رغم أني لم اسقط في الهاوية، لكني أغرقت في التأمل حتى بدا وجهك العذب أمامي مثل وردة خرجت من بطن الصبح .. شممته فأسرني من جديد وسمعت رنين نبضاته.. غمرتني اللذة يا نوار وانسابت في عروقي كنسمة دافئة.... أتعلم يا نوار، هذا التداعي الجميل أخرجني من فلسفة الهذيان والتأمل المفرط في ثنائية الحياة والموت. وجهك العطر يا نوار أعادني إلى الحياة بشدة بعدما كنت لاطئة فيما بعد الموت... 
 
العشق يتدفق في فوضى النقائض، خاصة حينما يفوح عطر الأشياء في فضاء الشهوات الواسع.. إنها الحياة كما يبدو.
 
 
 
الحياة
 
سنة الحياة أن نبحث عن معنى , تمتم نوار في أذنها , فانتفضت مثل قط حشر في الزاوية ,وكأنها تتأهب للانقضاض ,نفشت ريشها ونفثت غضبها كما تنفث الطبيعة غضبها على مياه النهر , وصرخت: وجدها نوار , وجدها هذا العاشق المهترئ في جملة البحث عن معنى , وهو الذي يعاني من كثرة البحث وضياع المعنى المستمر , الم تصل بعد يا حبيبي إلى مرحلة الضجر , الم تكتشف بعد أن البحث أصبح عادة مملة , لماذا تحاول الظهور بمظهر الغامض , هل يستهويك الغموض لبلوغ ما تريد. أنا يستهويني الوضوح, تجتاحني رغبة عارمة إلى المصارحة, أتوق إلى لحظة عناق حقيقي تتسرب فيه الأحلام من القلب إلى القلب , أتوق إلى غزل لا يتوقف, أسمعت يا حبيبي افتح باب قلبي لأهيم في لماك..
 
لا داعي للبحث عن معنى يا نوار, صرت اشعر انه قمة الابتذال... انظر إلى تلك الغمامة... تذهب أينما تشاء , لا تصغي إلا للريح... تتفجر وتندثر وتفتح مسربا للشمس كي تضيء أجساد العذارى الجميلات , ترعد وتبرق لتلون السماء بأقواس قزح فتهيم على جناح الضوء , كنت أتمنى يا عزيزي أن تعانقني مثلما تعانق الغمامة الريح... كنت أتمنى أن تمتص جنوني وترحق حلمي الجميل , لتعتصر عطرا على صدور الغيد وتمتزج مع أنين الرغبة الكامن في النهود الجميلة الطافرة , والناظرة إلى السماء... فانا لولا هذا العشق الكبير لما انفض يأسي , ولا أفرغت ذهني من بؤس هذا العيش، فارحمني إذن من هذا الغموض الزائد ومن عبوس الحياة...
 
أفهمت يا نوار , أم أن هناك حاجة للإعادة والتكرار , اكتشفت بعد الألم الشديد الذي ألم بي أن المخرج الأساسي من دائرة الموت يكمن في الغرائز الحيوية من غرائز الحياة...
 
وهل هناك أكثر حيوية من غريزة الحب, إنها أم الغرائز، تحتوي على الغزل والجنس والشبق, تحتوي على الطهارة والدنس, تحبس في ثناياها الروح والجسد. تعال يا نوار نتدفأ من برد هذا الصمت وننبذ الكآبة والخواء حتى يلتقط الصبح أنفاسه ويخرج من ضيق هذا العتم , وحتى نرى الورود تزهر وتنسل رويدا رويدا من ركن الموت والذبول فيصبح الحيز مسكونا بعبير الفجر وعبق العشب وعطور الزهر. ومع ذلك الحياة عبثية إلى ابعد الحدود ولا ينبغي لنا الانشغال في ترتيبها...فأنت لن تخسر شيئا إذا تركتها تنساب على طبيعتها, كثيرا ما شعرت بالغباء كلما حاولت التدخل في هذا الانسياب.
 
تقول لي إن غريزة الحب ملأى في التكرار أيضا، مثلها مثل جميع أمور الحياة , لا يا نوار انه تكرار مختلف فيه لذة لا تمل , بل نتمنى دائما أن تعود.. لا اقصد الجنس فقط ولا استثنيه في نفس الوقت, بل اقصد الحب بكل صوره وأشكاله. يوم أعياني المرض وخبرت تلك اللحظات القاسية بين الموت والحياة , استفقت على صوت أبي وهو ينتحب ويبكي بكاء شديد المرارة , وسمعته يقول انه قرر أن لا يموت وسيعيش قدر ما أمكن من اجلنا , من اجل من يحب , في تلك اللحظة تغيرت قناعاتي.. أنت تعرف يا نوار أني لا أخاف الموت وكنت مستعدة له تماما من منطلق انه قدر محتوم ومن منطلق ما تسميه البحث عن معنى !! كنت اعتقد أني خبرت كل التجارب بمرها وحلوها واني نلت ما أردت وحققت جميع ما سعيت إليه , ولان إيماني بالله كبير افترضت أن الله لن يأخذنا إلى حياة مكرورة بعد الموت ومن المؤكد انه سيأخذنا إلى شيء آخر مختلف , مجهول وغامض , وكما يبدو أكثر تعقيدا مما يفقهه عقلنا البشري وأدواتنا المعرفية.. منذ ذلك اليوم ونحيب أبي لم يفارق ذهني وخيالي، قررت التوقف عن هذه الفلسفة العبثية, فهل هناك عبثية أكثر من عبثية الموت, قررت أن اترك الموت وفلسفة الموت وان لا آخذه أكثر على محمل الجد.
 
نعم يا نوار أريد أن أعيش أكثر من اجل من أحب, لو تعرف كم أتمتع بهذا الحب.
إنها متعة لا تنتهي ولا تضمحل...
 
أنا أدمنت الحب حتى النهاية, أدمنته كما أدمنتك يا حبيبي.
 
احبك كلما تشرق الشمس ويقبل الضوء شفاه الشجر, احبك كلما يتعثر اللون في مشيته ويسكب عطره المحبوس في بطن الزهور.
احبك حينما تقبل في جنون الليل مغمورا بالحب والنشوة , وحينما تصهل الريح نبضات عبير ويرتدي الضوء لونك السحري. وينضح جسدك بتراتيل الرغبة.. دفؤك ينتهك عظام البرد ويفتح أبواب السماء فيرتسم حبك آية على ستائر الشفق.. احبك كما تحتفظ الأرض بجروح الذاكرة وتفرح بموسم الخصب..
 
احبك مثلما تنفرج أسارير الغيم بهطول المطر, وازخر فيك عشقا مثل آلهة الحب... احبك حد الإدمان...
أفهمت يا نوار لماذا غيرت قناعاتي...
 
يبدو أن الله قد خلق هذه الغريزة لكي نلجأ إلى الحياة قدر ما نستطيع وتخفيف الرغبة في اللجوء إلى الموت ...
فلا تحزن يا نوار , ما عليك إلا الإذعان إلى الحب ومواصلة الأحلام الجميلة كي نواصل الحياة...
 
 
 
الرواية
 
أنا نوار الربيعي، والدي حسين إبراهيم وأمي خولة الصالح , عائلتي الربيعي وفدت من الجزيرة العربية منذ زمن طويل إلى بلاد الشام وتجولت حتى استقرت في فلسطين بر الشام وبقيت هناك حتى النكبة، لتتشرد  فيما بعد مع من تشرد من فلسطين وتستقر في احد مخيمات اللجوء في لبنان.. اعتقد أن عمي قاسم هو نفسه بطل رواية العاشق التي لم تنتهي لغسان كنفاني , وان لم يكن هو بالذات فان الأحداث الواردة في الرواية تتطابق تماما مع قصته... عمي قاسم كان مطاردا وملاحقا من الانجليز في البداية ومن الصهاينة في ما بعد ...
 
بعدما استشهد غسان كنفاني في ذلك اليوم من تموز جراء تفجير سيارته على أيدي الموساد الإسرائيلي , تم نشر الفصول الأولى من الرواية, وأنا كلاجئ ومهتم بالشأن الوطني والعودة إلى فلسطين، كنت أتابع بدقة أعمال كنفاني وكنت اعتبره ضمير الشعب الفلسطيني والمعبر الحقيقي عن الألم الفلسطيني... وكم فرحت لانتصار هذا الرأي عندما قرأت ما كتبه الروائي المصري يوسف إدريس مخاطبا شعب فلسطين. اقرأ قصص غسان كنفاني واجعلها قرآنك.
 
قرأت العاشق وكنت أتمنى أني بطل هذه الرواية , حدثني أبي عن عمي قاسم وقصة مطاردته الشبيهة بملاحم البطولة التاريخية , فعدت لقراءة العاشق مجددا وما كتبه عنها النقاد وشعرت بالغبطة لما نالته من تقدير حينما اعتبرها البعض مشروع الملحمة الفلسطينية وشعرت بالحزن الكبير لان غسان كنفاني لم يتسن له استكمالها...
 
لا اعرف كيف حطت أقدامي في أوروبا بعدما خرجنا من بيروت, وكأنه القدر الذي أراد أن يجمعني بمريم.. تلك الفتاة الجميلة المنطلقة – عاشقة فلسطين الحالمة دوما وسريعة التقلب.... وفيما بعد اكتشفت أيضا أنها من عائلة مصرية وفدت إلى فلسطين منذ زمن طويل أيضا, لكنها لم تكن لاجئة مثلي إلا أنها تعرف تماما معنى اللجوء من أبناء عائلتها الذين لجأوا وتشردوا في أصقاع الأرض حينما تآمر العالم علينا....
 
أسرتها بقيت في فلسطين وذاقت طعم الاحتلال والغربة في الوطن وعاشت وتكيفت كما عاش الجميع... قالت لي ذات يوم إنها عاجزة عن الوصول إلى درجة الحنين التي يتمتع بها أقاربها المنفيون, وإنها لا تبكي من الظلم بقدر ما تتحرق حزنا من الاستماع إلى لاجئ يتحدث عن العودة , تجتاحها رغبة في تدمير العالم بكل ما فيه عندما ترى طفلا لاجئا يتحدث عن فلسطين.... منذ التقيت بمريم وقعت في حبها وبت لا أطيق فراقها, لكني في كل مرة اجتمع بها أتمنى أن أصل إلى بعض من رقيها وسموها في الحب والمشاعر الجياشة لديها...
لا اعرف إن كان كل هذا الحب الذي تكنه لي لأني أعجبتها شخصيا أو أعجبتها مميزاتي الشخصية, أم انه مصحوب بالعطف كوني لاجئا...
 
لم أتوقف كثيرا عند هذه المسألة فمريم بالنسبة لي اكبر بكثير واهم من أية تفاصيل صغيرة , وأظن أن أي شخص آخر مكاني كان سيحب مريم عندما يراها ويحاورها أو يجالسها , فهي كتلة من الجمال وطاقة الجذب والإيحاء بروحها وبجسدها بحضورها ومحضرها بوعيها وهذيانها, بأحلامها وخيالها, بحبها وحنانها... بمزاجيتها وتقلبها, بهدوئها وثورتها... بانطلاقها وعفويتها... وأنا أحببتها مثلما هي...
حكيت لها عن العاشق وعن غسان كنفاني وعن عمي قاسم وعن هواجس حول الرواية والملحمة الفلسطينية, وإذا بها تروي لي قصصا طويلة عن غسان كنفاني وعن يافا وحي العجمي الذي سكنه قبل عام النكبة، وهو الحي الذي تعيش فيه مع عائلتها. وقصة عائلته التي نزحت من عكا إلى يافا وعادت مرة أخرى إلى عكا أثناء حرب 1948, ونزحت مجددا حتى استقرت في سوريا, حكت لي عن غسان الطفل وعن غسان الزوج وعن غسان المناضل والصحفي والأديب والعاشق, والبطل... بطل الملحمة الفلسطينية بكل تفاصيلها , حكت عن غسان الباحث وحكت عن غسان الإنسان , الصائب والمخطئ , المعلم والمتعلم, وكانت تحفظ كثيرا من رسائله العاطفية إلى غادة السمان, كانت معجبة بقصة عشقه وكانت تتمنى أن تخوض تجربة عشقية مشابهة....
 
غسان يا نوار هو بطلي الحقيقي وروايته الملحمية هي كل ما كتب وكل ما عاش وخاض من تجارب...

 
بعد ما قرأته وسمعته عن رواية العاشق يخيل إلي انه ينبغي استحضار هذا الكاتب العظيم لاستكمال الرواية كما تحلم, ويخيل إلي انه لم يخرج في صباح ذلك اليوم المشئوم ليستقل سيارته المفخخة مع ابنة أخته لميس..
 
كان غسان كريما كعادته وقرر تسليف سيارته في ذلك اليوم إلى احد الأصدقاء وقرر أن يبقى بالمنزل للكتابة , ولكن طلب منه أن يوصل لميس إلى مكان ما، وهكذا جاء الصديق وخرج مع لميس ليسمع بعد لحظات انفجار هز الأرض والبيت والشجر, خرج غسان مذعورا لا يصدق ما رأته عيناه وجن جنونه لأنه فقد اعز الناس على قلبه, لميس، ذلك الملاك الطاهر، أصبحت في لحظة بقايا موت , أصبحت في لحظة سرابا... فتوقف انسكاب الحبر وتعبت الأوراق , وحلت السخرية محل كل شيء , وصار غسان ساخرا أكثر مما كان، ورغم انه يعرف تمام المعرفة أن حياته مهددة أكثر من أي وقت مضى مثل المئات والآلاف من المناضلين، لم يكن حذرا بما فيه الكفاية صار يكتب عن الرياء والنخب المبتذلة التي تباع وتشترى, وصار يكتب عن الملل ويتحسس من الخراب ونعيق الغربان ومن تجار الكلام.. لم يكمل غسان أيا من رواياته في ذلك العام... ففقدان لميس غير مجرى حياته, بعد مدة صار يحرض بكثافة وعاد من جديد إلى كل أنواع الكتابة... يخيل لي انه ينبغي أن نبعث لغسان المستحضر رسالة نشرح له فيها قصة عمك قاسم وأيضا قصة عمي محمود الذي لوحق وطورد في نفس العام الذي ولد فيه غسان كنفاني عام ولادة ثورة القسام التي كتب عنها غسان والتي شارك فيها عمي محمود, فهاجم الانجليز والعصابات الصهيونية في أكثر من موقع ورأى بعينه استشهاد العديد من رفاقه ودفن احدهم بيديه في مقبرة بلد الشيخ قرب حيفا. بعد ذلك سجن عمي محمود وهرب من السجن وطرده الصهاينة من البلاد أكثر من عشرين مرة في الأعوام الأولى لنكبة فلسطين، كانت قوات الجيش تجمع الشبان والرجال ممن لم يكن معهم هويات في ذلك الوقت وكانوا يرمونهم في منطقة جنين أو حدود لبنان... يرمونهم في النهار ويعودون في الليل مشيا حتى الوصول إلى قراهم ومدنهم... كان عمي محمود يختبئ في حي العجمي حيث كانت تسكن عائلتنا وأحيانا في قرية الشيخ مؤنس أو في الرملة أو في اللد... عاش مشردا بضع سنوات وهو على هذا الحال... عشرات المرات رموه خارج الحدود... في المرة الأخيرة لم يعد يحتمل , رموه هو وثلاثة وقالوا لهم اهربوا قبل أن نقتلكم فهربوا وكان الرصاص وراءهم مثل زخات المطر، قتل رفاقه وأصيب هو إصابة بالغة وتظاهر بالموت حتى ذهب الجنود...
 
زحف ما استطاع وأفاق في جنين عند عائلة تشردت عام 1948... من هناك غادر إلى لبنان... وخاض نفس التجربة التي يخوضها كل لاجئ فلسطيني... يخيل إلي يا نوار أن الرسالة وصلت إلى غسان ولم يتفاجأ فهي تشبه إلى حد كبير قصة عمك قاسم وتشبه أيضا قصة غسان كنفاني وقصة عائلته و تشبه آلاف القصص... يخيل إلي أن غسان أعاد كتابة العاشق من جديد , لأنه منذ حادثة الاغتيال صار يؤثر الاختصار, يكفي سرد بعض تفاصيل رواية احد الأبطال فهي كفيلة بعرض الرواية ووضعها في دائرة الملاحم الأسطورية للشعوب... يخيل إلي انه أكمل الرواية وأبقاها بلا نهاية... إنها الدراما الفلسطينية والعربية التي ما زالت أحداثها تتسلسل حتى اللحظة... إنها مسلسل متجدد على الدوام من الحلم والخيبة... إنها دراما لا تنتهي...
 
مع الزمن تفاقم المرض عند مريم فماتت وهي تحلم... أما نوار تخيل انه يجلس عند قبرها مخاطبا روحها... ارقدي بسلام يا حبيبتي فلقد بقي منك الفكرة... ولادتنا يا مريم كانت فكرة , لسنا نورا ولا كوم تراب... الفكرة يا مريم تسبق الضوء وتفوق الشمس دفئا, تخترق الفضاء, تنتهك المدارات , وهي معنى المعنى في الغياب , الفكرة يا حبيبتي هي القمة في حاسة الخيال, هي التجاوز للظل , هي اللانهائي من المدى المهتز, تتجاوز الزمن وتعيش في التجلي دون عودة إلى الوراء... الفكرة يا مريم حدود الله في اتساع ذاكرة المكان, أزلية كالروح , يغمرها النقاء , هي أرقى مراحل الوجود بلا توتر أو ازدحام...
وصمت نوار وتوقف عن البحث عن معنى...إلى أن أخذته غفوة وصار يحلم......
 
 
الحلم
 
 
كان لا بد من النسيان والتكيف مجددا مع الحياة،  تمنيت الذهاب إلى فلسطين . لا شئ مستحيل. وافقت اميلي على الزواج بي من خلال التعاقد، فبدأت بإجراءات التجنس ، حصلت على الجواز وسافرت إلى القدس ، صليت في الأقصى مرات كثيرة كي اجمع ما استطعت  في رصيدي التعبدي، كل صلاة في الأقصى بخمس مئة صلاة ويقال بسبع مئة يوم الجمعة ، لم أفوت فرضا خلال رحلتي التي دامت أسبوعا في القدس. أصبح بحوزتي الآن آلاف الصلوات، ربما اكفر بها عن المعاصي التي لا بد من ارتكابها في الغرب، جنس عابر هنا وهناك، ارتشاف الكحول بين مناسبة وأخرى . في فلسطين ابتعدت عن المعاصي، زرت حيفا والجليل وعكا ويافا وحي العجمي ووقفت على الأطلال وزرت قبر مريم وبكيت طويلا، تخيلتها كما رأيتها أول مرة تفيض حيوية وجمالا . استذكرت حديثنا عن غسان كنفاني وتخيلته طفلا. تعرفت على أقربائي وقريتي المهدمة الغابسية بالقرب من عكا. تخيلت عمي قاسم على حصانه يجوب البلاد طولا وعرضا ويفلت كل مرة من مطارديه. وبسرعة البرق انتهت الرحلة إلى فلسطين فحزمت أمتعتي وأقسمت أن أعود مرة أخرى، وتمنيت لو أعود منتصرا عن طريق الجبال وليس عن طريق المطار. كرهت اللغة العبرية وكرهت نفسي وعجزي وكرهت العالم اجمع. في أوروبا اشعر أني مواطن أكثر من لبنان. الجنسية هناك تعطيك امتيازات تشعرك انك ملك. تعبر الحدود متى شئت لا يستوقفك احد . لكن هناك شعور دائم بالمرارة لأنك لا تستطيع المكوث في الوطن إلا سائحا في حال حصولك على جواز بطرق ملتوية. عقد زواج مع فتاة ليس لها ذنب سوى أن أسلافها مسئولون عن غربتنا. أوروبا اضطهدت اليهود فأصبحوا جميعا مواطنين في فلسطين، وأصبحنا جميعا غرباء لا وطن لنا إلا في الذاكرة. مواطن مع امتيازات وحقوق، لكني غريب وينقصني الانتماء، أتوق إلى حريتي في وطني المسلوب. في الطائرة تعرفت على الدكتور مازن وابنته عائشة. قصته مثل قصتي. تزوج من سيدة يونانية وحصل على جنسية . أصله من غزة ويزور البلاد كل بضع سنوات. خبير بالتكيف ونسج العلاقات . أنهى عقده مع اليونانية وتزوج إيطالية لأنها ذات نفوذ في البلد . تعرف على رجال السياسة وأصبح عضوا في الحزب الحاكم خدمة لفلسطين وخدمة لنفسه . أصبح له نفوذ يحل ويربط. دعاني إلى زيارته وأقنعني أن استقر في ايطاليا حيث يسكن، ولمح لي أن أتزوج من ابنته،  ففسخت عقد زواجي مع اميلي وتزوجت عائشة . انحلت عقدة الدكتور وانحلت عقدتي أيضاً. أراد لابنته أن تتزوج فلسطينيا وأردت لنفسي ذلك. لا اعرف لماذا، اميلي كانت تحبني كثيرا وكنت قد تعودت عليها واستمتعت بمعاشرتها. ليس مهما، ها أنا أحقق أحلاما كثيرة، لكني اشعر بالألم والملل وتجتاحني رغبة بالانعزال والهروب إلى حيث لا احد. اشعر بالوحدة والخيبة. تعتريني أفكار غريبة، ربما لأني اكتشفت أنانيتي الزائدة عن الحد. حتى أحلامي كما يبدو لا تعرف حدودا، كلما يتحقق حلم تزداد أحلامي تعقيدا. كنت احلم في الماضي أحلاما مثالية في النقاء وكان أجمل ما في أحلامي أنها لا تتحقق وأنها صعبة المنال لكنها تبقيني مع الأمل. الدكتور مازن علمني انه لا مستحيل وكل شئ قابل للتحقق إذا توفر المال والعقل والفهلوة مع كثير من العلاقات المبنية على المصالح. يجب أن تكون إخطبوطا وفي نفس الوقت صاحب قضية، ومن المفضل أن تكون ضحية فهذا يوفر لك سلاحا عاطفيا تمتشقه عندما تضيق عليك الأمور. نظرية الدكتور مازن تدعو إلى الانتهازية بلا حرج.  كل شئ متاح ما عدا الخيانة الوطنية. الخيانة الزوجية متاحة خيانة الصديق متاحة إذا تضاربت العلاقة مع المصلحة.. لم استغرب ذلك فانا تعرضت إلى خيانة من صديق سرقني في أول فرصة وضع يده على المال دون وجودي معه في المركز الرياضي الذي بنيناه معا. صديقي أيضاً كان طبيبا ولم ألاحظ خلال سنين طويلة انه غير مستقيم رغم أني كنت اعرف تماماً انه يكتب تقارير طبية دون تدقيق في النتائج ، كان يفبرك كل شئ ولم أتوقع أن يخونني ويصر على الخطأ ويدعي العكس أمام الآخرين مستغلا رصيدا فيه كثير من السمعة الحسنة وكثير من الزيف ...حاولت تبني نظرية الدكتور مازن بالكامل لكني تراجعت بعد أن قابلت اميلي بالصدفة وأخذتني بالحضن رغم أني خنتها اشد خيانة. شعرت بالدفء والحنان وانتشيت كما لم انتش من قبل، وكأني كنت انتظر هذه اللحظة دون أن ادري. يبدو أن علاقتي باميلي تتجاوز التعود كما كنت أظن ، ربما أنا مغرم بها مثلما كانت مغرمة بي ، لقد تسرب دفؤها إلي كما يتسرب الحلم بين قلوب المحبين . تيقنت حينها أن علاقتي بعائشة لم تكن على هذا النحو رغم إعجابي بها. عائشة الأوروبية الثقافة الشرقية السمات ، كانت تصلي خمس مرات في اليوم وتصوم رمضان لكنها كانت مصرة على ارتداء الملابس الأوروبية وكانت تلبس الشورت وتمارس الرياضة أمام الملأ بلا تحفظ. عائشة ذكية وتتقن خمس لغات وفوق ذلك كانت خبيرة بلغة الجسد وتقرا الملامح بدقة متناهية. لم أكن أجرؤ أن اقترب منها عندما أريد إخفاء أمر ما عنها. مباشرة بعد تجدد علاقتي باميلي أحست عائشة بالتغيرات التي طرأت علي ، إنها تغيرات الحب التي لا يمكن السيطرة عليها، فهي محكومة لإفرازات غدية غير واعية ولا إرادية كما كانت تقول مريم تعليلا لعواطفها المثيرة. انه الهيباتلاموس يا عزيزي، هو المسئول الوحيد عن العاطفة والحب ، لا احد يستطيع التدخل بقراراته. كيف أواجه عائشة التي دعمتني بلا حدود في كل قراراتي الناجحة والفاشلة على حد سواء .

عائشة التي أوقفت مشاريعها من اجل مشاريعي، من اجل أن انجح واشق طريقي نحو الشهرة والمجد في عالم العلم وعالم الأعمال. عائشة صاحبة الذوق الرفيع وصاحبة اللقمة الهنية والعشرة الطيبة. كيف أجرؤ على خيانتها وهي التي لم تفكر يوما بالخيانة خلال زواجي بها. لا يحق لي ذلك حتى لو كانت خيانة مع اميلي التي اشعر بالذنب تجاهها، ولا يحق لي ذلك حتى لو قامت مريم من قبرها. لكني رغم ذلك قررت التكيف واللجوء إلى نظرية الدكتور مازن، والد عائشة. قررت أن أعيش العالمين عالم الزوج وعالم العاشق. أصبحت خبيرا بالخداع وتقمص الأدوار ، تعلمت التحايل على نباهة عائشة، أو هكذا ظننت.
للحظة دخل الشك إلى قلبي، لماذا اعتبر عائشة ملاكا؟ أهي فعلا كذلك أم لها سقطاتها مثلي وتخضع لضعفها وفقا للظروف. تذكرت فترة الخطوبة التي طالت بعض الوقت وعدت إلى ذلك الكابوس الذي يزورني بين حين وآخر حيث كنت شبه مقتنع أنها كانت على علاقة مع احد زملائها في العمل. عائشة كانت تحدثني عن كل صغيرة وكبيرة تحدث معها، كنت اعرف زملائها وزميلاتها عن ظهر قلب. اكتشفت مرة أثناء زيارتي لها بالصدفة لمكان عملها وجود زميل لم اعرف عنه شيئا يعمل معها في ورديات الليل، في ذلك اليوم خرجنا للتنزه وكنت منهمكا بتقبيلها في إحدى الزوايا ولاحظت بعد دقائق علامات على صدرها ولم استطع التأكد من مصدر هذه العلامات، أهي مني ولم ألاحظ بسبب النهم والاشتياق؟ أم أن عائشة على علاقة مع ذلك الشاب الذي لم اسمع عنه ولم أره إلا بالصدفة في ذلك الصباح بعد وردية الليل. كنت استبعد الفكرة ولا احتمل الغوص فيها ولم أكلف نفسي عناء البحث عن التفاصيل. كنت خائفا من التفاصيل وكنت اعرف أن عالمي سينهار إذا تأكدت الشكوك التي كانت تراودني كلما تشاجرت معها لأتفه الأسباب. 
 
هذه المرة استذكرت الحادثة بلا مشاجرة، استذكرتها كي أبرر لنفسي الخيانة. هي نفسها فعلتها ذات مرة وأنا سامحتها بداخلي، بدليل أني واصلت العيش معها. نعم هي أيضاً تفعلها أليست بنت الدكتور مازن صاحب نظرية المصالح والظروف. لماذا لا تكون من نفس الطينة . لماذا ظننتها ملاكا. أنا نفسي لست ملاكا وقلبي فيه متسع للكثيرات. لا شك أنها تبحث عن المتعة أيضاً ومن الممكن أن تقع في الشباك ومن الممكن أن تكون لها سقطات. بدأت الهواجس تؤرقني ، حتى لو كنت مخادعا جيدا فهي خبيرة بالأحاسيس ، وهي حتما ستنتقم لمجرد الإحساس بالخيانة . مجرد التفكير في ذلك يقتلني، يفتك بكبريائي ويتناقض مع أناي . 
 
فترة عصيبة مرت علي فسافرت لمدة أسبوع بحجة العمل وعدت إلى البيت مثقلا بالهموم والأفكار السوداء واستقبلتني عائشة بحرارة مضمخة بالاشتياق والحب وأخبرتني ببدء العدوان الإسرائيلي على لبنان فصرت لا أفارق التلفاز ليل نهار، دمار وقتل ومجازر، بيوت مهدمة، جسور منهارة وعالم صامت ومتآمر ، خيانة عربية من كل حدب وصوب والمقاومة صامدة . انهزمت إسرائيل للمرة الأولى . كل شئ تضاءل أمام هول الحدث، صرنا لا نتحدث عن شئ سوى عن المقاومة والصواريخ التي دكت إسرائيل وشلت حركتها، نسيت قصتي واندثرت شكوكي حول عائشة وتعمدت عدم الاتصال مع اميلي، وبقيت مع عائشة، الحالمة مثلي بالعودة إلى فلسطين وصرت أحلم من جديد وقررت أن أعود إلى لبنان. لأني اعتقدت إن حلم العودة عن طريق الجبل بات وشيك التحقق.