بقلم: فؤاد سليمان

لقد دعيّت لحضور مسرحيّة "طبيب رغما عنه" والّتي تمّت الأحد الماضي في قاعة بيت الكرمة في حيفا. وها أنا أستلقي أمام حاسوبي بعد عشاء طبخته زوجتي والمكوّن من المعكرونة والثّوم والجبنة, أرشف القهوة وأدخّن السّيجارة وأكتب هذه المقالة. ذهبت لوحدي لمسرح بيت الكرمة بعد أن ألغت معي أختي ليم بحجة التّعب من نهار طويل, وكان المكان يعجّ بالجّمهور الّذي جاء ليحضر المسرحيّة. فالعرض من إنتاج مسرح بيت الكرمة, من تأليف الكاتب الفرنسيّ الأسطوريّ موليير, من إعداد أسامة مصري, من إخراج خالد عوّاد, ومن تمثيل خالد عوّاد, ميلاد مطر, أسامة مصري, ميساء عمّوري, لبنى بقاعي وصبحي حصري. لفت انتباهي منذ الدقائق الأولى أنّ التمثيل كان رائعا, ومبالغ به للدرجة الكافية التي تميز التمثيل ضمن أسلوب الكوميديا السّاخرة.

المسرحيّة تحكي قصّة رجل يضرب زوجته, ويصبح طبيب رغما عنه بعد أن يضربه شخصان ضربا حتى يصرّح أنّه طبيب. يبدأ الطبيب بمعالجة ابنة رجل ثريّ وينجح بالنّهاية أن يشفيها ليس بذكائه كطبيب, بل بحدقه وحكمته الاجتماعية. لا أريد أن أروي لكم القصّة بتفاصيلها لعلّكم تنوون أن تحضروها بأنفسكم وتستمتعوا بأجوائها الخلاّبة. إن المسرحيّة تتطرق للقضايا النسويّة, مثل قضيّة العنف ضدّ المرأة, ومقدرة البنت بأن تأخذ قرارات مستقلّة عن أبيها. كما وتتطرق المسرحيّة لأمر ماديّة المجتمع وعبادته للنّقود, فالنّقود تحسم الكثير من الأمور بمجرى المسرحيّة, مثلا, فالأب الثريّ لا يسمح لابنته بأن تتزوّج حبيبها إلا حتّى يتوفّى عم حبيبها ويورث الحبيب ثروته الطّائلة. المسرحيّة مليئة بالنكت السّوداء التي تملئ الجوّ بالضحك وتسلّي الجّمهور في كل لحظة.

نرى أنّ لموليير نظرة جيّدة في أمور بناء تسلسل أحداث مشوّق, كما ولديه فهم في ما يضحك الجّمهور, من ضرب, نكت حدقة, الخ.. إن بالنصّ الذي كتبه موليير نقد حاد وقاسي للمجّتمع الماديّ الذي كان يعيشه في فرنسا, وما زال هذا النقد ماكنا وواقعيّا في مجتمعنا الإنسانيّ في أيّامنا هذه, فما زال الأساس نفس الأساس والطبقيّة موجودة في كلّ مكان, فلم يتغيّر الكثير في طبع النّفس البشريّة وطبيعة المجّتمع.

الفلسفة الوجوديّة تحكي عن النقد والنقد الذاتي والاجتماعي كأمر له علاقة بالأساس بوضع الحدون بين ما نرغبه وبين ما لا نرغبه, بين المقبول والغير مقبول, فنحن ننتقد كل ما لا له فائدة لنا وكل ما لا يشعرنا بالأمان والاستقرار وما يثري حياتنا بالمتعة والأمان, فموليير ينتقد الفقر, ينتقد عدم حسن معاملة الأنثى والطبقية بشكل كوميدي ساخر ومليء بالسّحر.

لقد أتيت الى البيت بعد المسرحيّة, ما أزال أعاني بشعر بعضمه الصّدر وأوجاع, ووضعت أغنية في يو-تيوب لإم إن إم والدكتور دري, والمعروفة ب"إني بحاجة إلى طبيب" والتي كلماتها تقول "أنا على حافّة خسارة عقلي, لقد ذهبت يا صديقي لزمن طويل, وقد بدأ الزّمن بالفناء, فأنا بحاجة لطبيب, بحاجة لطبيب كي يعيدني للحياة". أما أنا فبعد أن سمعت الأغنية بدأت أتذكر نهاري والمسرحيّة التي شاهدتها, وأخذت رشفة أخرى من السّيجارة وجرعة أخرى من القهوة وقلت لنفسي "يا فواد, إنّك بالفعل لم تذهب لرؤية طبيب, لاكن الطبيعة تحسّن من وضعك يوما عن يوما, وإنّ الطّبيب الذي أحيا لك أفكارك اليوم كان السيّد موليير".