زياد سليمان شليوط
1
 
الجميلة
 
عندما رأوها تجلس الى جانب المائدة لوحدها، تحتسي فنجان الاسبرسو وتهم باشعال سيجارتها لوحدها، تحلق حولها كل من الفيلسوف والكهل والشاب. مد لها الكهل المجرب ولاعته برشاقة ابن العشرين، وقد أوقدها دون أن يقول شيئا.. رمقته الجميلة بنظرة كبرياء وأشعلت السيجارة من ولاعتها. لم يضطرب الكهل وجلس على أحد المقاعد وكأن شيئا لم يحدث.
 
هنا وجدها الشاب المغرور فرصة مناسبة لعرض مهارته في الكلام المتداخل والمتشابك في عدة مواضيع في آن واحد، تداخلت فيه السياسة مع الاقتصاد مع الفن مع الثقافة والمجتمع بطبيعة الحال. حارت الجميلة ولم تفقه شيئا مما يقوله أو يعنيه، كانت تكتفي بايماءات خفيفة وخجولة من رأسها، والشاب مندفع في الحديث، وما أن توقف ثانية لالتقاط أنفاسه المتسارعة حتى سارع الفيلسوف قليل الكلام معقبا بكلمة واحدة: "أحسنت!"
 
فوجيء الشاب فهو لم يسمع اطراء من أحد من قبل. حار ولم يعد الكلام يخرج من جوفه كما كان يحصل دائما. ظن أن الكلام سيعود للتدافع، لكنه شعر بجفاف في حلقه ولم يجرؤ على مد يده كما يفعل في مواقف مشابهة ليحتسي من فنجان الجميلة، وغرق يفكر في معنى كلمة الفيلسوف. استغربت الجميلة صمت الشاب المفاجيء والطويل، ونظرت للفيلسوف نظرة شكر وتابعت احتساء فنجان الاسبرسو، وهي ترسل خيوطا من دخان سيجارتها نحو الفضاء.
 
2
 
الواهم
 
جاءني كعادته نافشا ريشه، باسطا يديه الطويلتين. أرسل نظرة من عينيه المدفونتين تحت حاجبين كثين أخذ يغزوهما الشيب، وجّه إليّ تهديده ووعيده: إياك والسير مع تلك المجموعة الفاسدة.. الحاقدة.. تلك المجموعة التي تسعى الى تخريب البلد، وتقويض أسس أمنه واستقراره، تلك المجموعة الحقيرة.. الخسيسة.. إياك والاقتراب منها.. إياك والتحدث مع أي من أفرادها.. إن القائمة طويلة وحاشدة بالأسماء فلا تجعل اسمك النظيف يكون واحدا منهم.. إني حذرتك وأكرر تحذيري، فورائي أجهزة قوية وفعالة ونشيطة لا يمكنك الهروب من عيونها وآذانها، ويمكنها أن تعطل حركة تلك المجموعة في أي لحظة.
نظرت إليه نظرة طويلة بعينيّ الصغيرتين الهادئتين، نهضت وأدرت له ظهري وسرت..
 
 
3
 
حُلُم
 
ألقى عليها نظرة قصيرة فاحصة. عيناه لامست كل جسدها، من قمّة رأسها إلى أخمص قدميها، ما ظهر منه وما اختفى.
التقت عيناها بعينيه، غضّ طرفه ثانية وعاد ليثبت ناظريه بناظريها، ابتسامة خفيفة وناعمةارتسمت على شفتيها. جمد الدم في عروقه وتحوّل إلى كتلة من الجليد. اتّسعت ابتسامتها وكتم أنفاسه. الابتسامة على وجنتيها اتسعت وبانت أسنانها البيضاء الصغيرة، فذاب الثلج على قلبه ودبّت الحرارة فيه. خُيّلَ إليه أنه يبادلها الابتسامة. اقترب منها، اقتربت منه. فتح فاه وحرّك شفتيه:
- ألم تتأخري .. بلى تأخرت كثيرا. لماذا تأخرت؟
ردّت عليه بارتعاشة:
لا. لم أتأخر. أنت قدمت باكرا! بلى جئت باكرا.. لا تحاول.
حرّك رأسه بحيرة ونكّس ناظريه، وقال في سرّه: هل أخطأت المكان؟ هل خانني الزمان؟
 
 (شفاعمرو/ الجليل)