د. فؤاد خطيب - شفاعمرو
 
راقبت الصغار من شرفة روحي العاصفة ومن ردح حياتي القادم بين طفولة ولت وشباب هجم كهجوم الشُهب في ليلة غاب فيها القمر. قرأت أحلامهم وأمانيهم وهم يخططونها وينسجونها بخيالاتهم الصغيرة كزغب ِالقطا والتي بانت على وجوههم الغضة كضوء اليراعات في ليالي الصيف القمرية. هلت أحلى أيامهم وأروعها مع أيام العيد التي بدأت رسميا و نهائيا بعد أن صعد شبح المؤذن وبان على   المئذنة . هلل بدوره وكبر للعيد بصوت رخيم وادع وكأنه آت من قلب السماء التي عطفت على الصغار وأمطرتهم بفرح العيد وبغبطة أيام قادمة رقصت لها قلوبهم الصغيرة التي صامت رمضان كله . قلبت النكبة ظهر المَجن للبلدة ولأهلها وكادت تسرق فرحة العيد للأبد بسبب الضياع والتهجير والتطهير العرقي والموت الذي   الذي فغر فاهه ذاك العام وبسبب ضيق ذات الحال والفقر الذي زار البلدة واستوطن. فرح الأطفال أتى ولا محالة بعد أن رقص القمر خلف الغيوم الربيعية المتناثرة هنا وهناك وبعد أن تجلت النجوم وأشرقت زهواً واقتربت من سماء البلدة ونسيم   بحرها الممزوج برائحة جوز الطيب والتمر والعجوة والكعك واليانسون والقرفة وماء الورد . وقفتُ أمام بيتنا   مع الحصان وكأنني به شعر بدوره بفرح العيد . صهل وصهل وهز رأسه الجميلة ورفع أقدامه بالهواء تباعا وخبطها بأديم الأرض التي بدورها مادت ورقصت على وقع أقدامه   بعد أن ركض الصغار حوله.

ركضوا وعبثوا ورقصوا للعيد وخلقوا فصلاً من الحياة لا أحلى ولا أجمل .أنا راقبت ا

لأولاد وراقبت النجوم القريبة اللامعة فوق الرؤوس وودت من كل قلبي لو ملئت منها قبضتي لأنثرها في قلوب الصغار التي خلقت الحياة بأجمل صورها. قبل أن تشرق الشمس من فوق هضاب البلوط الشرقية لبست ثيابا جديدة وتعطرت كما والدي بماء الورد وتأبطت قرآنا صغيراً قاصداً معه المقبرة التي غدت من بعيد غارقة بعتم السحر وبخضرة أشجار البطم الداكنة التي لاحت من بعيد وقد لف قممها ضباب أبيض خفيف حتى خِلتُها أشباح عملاقة ربضت في تلك البقعة . لم أر شيا طينا راقصة ولا قرينات ماجنة ولم اسمع نقر الدفوف ولا قرع الطبول كما حدثت مرة العجوز الغجرية سلمى عن أعراس الجن وقرينات القبور ومجونهم بين أغصان البطم وشواهد القبور.
 
يا الهي   سلمى لم تبرح بعد   شغاف القلب ؟؟هاهو يدق بعنف ويتوجع كلما حانت ذكر

اها ولوحت ولو من بعيد فوق كل شبر من هذه الأرض الطاهرة التي حوت ذاك الحب بعبقها وأجوائها الفاتنة بعد أن تاهت سلمى وضاعت مني في قاع المدينة والى الأبد.
ها أنا أراها في صباح العيد   بثوبها الأحمر وزهرة الأقحوان الصفراء على مفرق شعرها وأسمعها تهمس في أذني مرة وأخرى بأروع كلمات الحب التي سمعتها بحياتي الفتية. اختفت وغابت من خاطري كعادتها دونما استئذان بعد أن ولجنا أنا وأبي وآخرين كثر معنا بوابة المقبرة الحديدية القديمة في اتجاه القبور المتراصة حول جذوع البطم العتيقة. علا ضباب خفيف أبيض من ثرى المقبرة ومن بين الشواهد البيضاء التي بانت واضحة المعالم بعد أن عفرتها الشمس الطالعة بضوء اصفر باهت خفيف بارد وكأنه آت من عالم غير عالمنا الذي تركناه لحاله ينهض لملاقاة العيد في يومه الأول . تجمع خلق كبير حول القبور. منهم من وقف خاشعاً قارئاً الفاتحة بصوت مسموع ضارعاً لرحمة سماء لم ترحمهم . الصغار لبسوا ثياب العيد بكل ألوان الطيف الزاهية وتنقلوا بين القبور يجمعون الحلوى من كل صنف التي وزعتها النساء بسخاء رحمة على أرواح الموتى . من الرجال من جلس القرفصاء ومنهم من وقف في ظل الأشجار الكثيفة اليانعة وفتحوا مصاحفهم ورددوا ما تيسر من آيات الذكر علها تبعث طمأنينة لأرواح موتاهم الهائمة في العالم الأخر و قليلا من عزاء الذات في وطن تقطعت أواصره وفقد بوصلته في عالم قاس لم يجلب لهم الا الشقاء والموت التي فرضته شريعة الغاب وليس شريعة السماء.

انتحيت مكاناً قصياً حيت رأيت شواهد القبور تلوح بين فلول الضباب التي استوطن حولها في ليلته الفائتة .هاهي أشعة صباح العيد تبدده رويداً رويدا . لم أشاهد قبوراً بل رأيت سالما صديقي الغائب في أبديته الزرقاء يلوح بزغلوله الأبيض القتيل برصاص الغرباء الطائش   تحت برج الحمام   في ساحة بيتهم   هاتفاً باسمي ملأنا حبا    وشقوة وعنفوانا . رأيت الجد الذي أحببته بسرواله الأبيض وبثوبه الأبيض وكوفيته البيضاء متسلقاً سلمه الخشبي العتيق قاطفا عناقيد العنب الفضية واضعها بسلة صغيرة من القش ضاحكا مبتسماً وهو يمدني بأحد العناقيد وأنا خلفه متسلقاً سلمه بدرجات قليلة وقد سال لعابي وضحك قلبي. رأيت الجدة في ثوبها الأسود ومنيلها الأزرق النيلي مقتحمة غمار حقل سنابل أوشكت على النضج تحصد منها بمنجلها حزمات احملها بيدي وعلى صدري واذهب بها الى ظل الزيتونة العتيقة حيث علت السنة النار التي حمرت السنابل الخضراء التي فاح أريجها الى الكرم كله . كانت تحثني على مواصلة العمل ببسمة ولمسة سحرية فوق جبيني وقطعة حلوى أو قطينة أو حفنة زبيب خبأته في جيوب ثوبها الكثيرة . رأيت آخي جالسا منهمكا على تنظيف بندقيته في مخيم المقاومين عندما زرته مع العم مسعود . مازلت اذكر كلماته عندما ودعني للمرة الأخيرة   بعد قصف عنيف   من طائرات العدو على موقعهم على أطراف   عين الماء الغربية تحت أشجار الحور العتيقة " اذهب لأبي وأمي ..اذهب للبلدة ولا تتركهم ..اخبر أمي أنني راجع بعد قليل " ، لكنه لم يرجع الى ألان ولا حتى لقبر من هذه القبور .

بقي هو والعم مسعود ومنصور وأبي سلمى وثلة من الرجال المقاومين هناك تحت   شجر الحور التي علت وعلت وطرحت ورقاً اخضراً وزهراً احمراً كل عام . لفح لسان الشمس السليط وجهي بعد أن خرجت من ظل أشجار البطم الكثيف في طريق الخروج بين الخلق الكبير الذي آتى من كل حدب وصوب وكأنني أعود أدراجي من عالم الحلم الى عالم اليقظة والحياة المنطلقة في كل مكان على أهازيج وتكبيرات العيد وعلى قرع الطبول حول المقبرة التي عزفت أغنية حياة لا تزول . في اليوم الثالث للعيد ساد طقس خماسيني جهنمي جلست وصديقي سامر نقلب صفحات جريدة قديمة في المعصرة المهجورة. أسهب سامر بالكلام وهو يقلب صفحاتها بلهفة وتحدث بطلاقة عن الأزمة السياسية التي تجتاح منطقتنا وعن خطر الحرب الداهم بعد أن أغلق الرئيس عبد الناصر مضائق تيران وطلب من قوات الأمم المتحدة أن تغادر سيناء. تحدثنا عن العالم المتغير حولنا بسرعة وعن الحرب الباردة بين الشرق والغرب وعن التفجيرات النووية الأخيرة في الهند وباكستان وعن أول قنبلة هيدروجينية ملكتها الصين الشعبية بقيادة   الزعيم الشيوعي الكبير ماوتسي تونغ . قال سامر مشيراً الى صورة على الغلاف الأخير لانفجار نووي والى عامود الفطر الأبيض الرهيب الذي صعد الى السماء " القنبلة الذرية يا صديقي أصبحت اليوم بطاقة الدخول الى هذا العالم الرهيب الذي لا يرحم الشعوب الغافلة والضعيفة ولا يعرف الا لغة القوة والسلاح ..نعم هذه القنبلة الذرية هي بطاقة الدخول الى هذا العصر المجنون " .

قلت لذاتي وأنا أتوه بعيداً " كأن هذا العالم الجميل خُلق للحروب ولشريعة الغاب وكأن مصير ملايين الناس أصبح لعبة طيعة وديعة في أيادي شريرة لا ترحم وكأن هذه الأرض غدت فعلاً ً مرتعاً لشياطين الأرض ، الغجرية العجوز التي آتت الى البلدة   في زمن الأتراك وبقيت فيها كانت على حق عندما أخبرتنا صغاراً ربما لترويعنا والحد من شقاوتنا التي لم تعرف أحيانا الحدود أنها رأتهم وصادفتهم وخاطبتهم في كل مكان   ".

تهت في عالمي ملاحقاً الأشياء الصغيرة والكبيرة التي تحدث حولي والتي لم اعد أميز وقعها. هل كانت أضغاث أحلام يقظة جاءت دفعة واحدة أم حقيقة جديدة تُخلقُ لتوها من بين الوهم ؟؟. هزني حال المعصرة القديمة حيث جلسنا على حجارة الرحى   المهملة الملقاة في ساحتها الصغيرة . غاب عنها الناس وغاب عنها ذاك البغل البني معصوب العينين الذي دار ودار بها حتى هرست بدون هوادة حبات الزيتون وجعلتها خليطاً بنياً لامعاً بالزيت معداً للكبس واستخراج الزيت الفواح . تمادت الأعشاب البرية على الحيطان القديمة وتُركت الأبواب والنوافذ مشرعة للشمس وللريح ولليمام ولطيور السنونو التي دخلتها و غادرتها بحرية مطلقة. سامر تحدث عن العالم الكبير وأنا بَحَثُ في داخلي عن عالمي الصغير الذي تَغير وتَغير كل يوم أمام ناظري وكأني فقدت السيطرة عليه وتركت   له الحبل على غاربه.

البلدة الصغيرة تغيرت والمعصرة أصبحت أثراً بعد عين ،سلمى ضاعت   في قاع المدينة وزهرة تزوجت وأنا كبرت وكبرت . تغيرت ملامح   صديقي وقويت شكيمته واحتدت عزيمته ولم تعد تكفيه كل أحلام البلدة كلها .

تابعت الزمن الذي غار هنا مع حجارة الرحى وامتد عليها متطاولاً وتسلقها مع الأعشاب البرية التي غطتها في مواقع عدة. توغل أيار وهل   قمر حزيران مضيئاً سماء القرية قريباً من سطوحها مكوناً مع المصابيح على أطراف الطرقات منظرا بديعا للناظر للبلدة من الهضبة الشرقية في ليلة قمرية. رجعت الى بيتنا متأخراً وكان الكل نيام سوى الوالد الذي خلط صبغاً أزرقا قاتماً وصبغ به مصابيح الشاحنة الأمامية والنوافذ الزجاجية مما أثار دهشتي حتى رفع الوالد رأسه ونظر الى بحزن شديد " انها الحرب يا ولدي ..نعم الحرب   مرة   أخرى..وهذا وقاءاً من غارات الليل ". لم انبس ببنت شفة ،سبق وتوقعنا الحرب كغيرنا . أصبحت حقيقة واقعة   في صبح اليوم التالي بعد أن شاهدنا المقاتلات تحوم بالسماء وتغيب وتعاود الكرة. كان   أبي ذاك اليوم حزيناً ويكاد يمزقه الأسى   بعد أن انعقدت صُفرته بين حاجبيه وقال وهو ينفثُ دخان سيجارته وكأنه ينفث كل هموم الأرض معها " عاصفة أخرى وعدوان جديد وأمة نائمة في العسل ورحيل الى الشمال الذي أصبح جنوبا والشرق الذي أصبح غربا " لم افهم كل عبارته الأخيرة ولكنني سمعت صهيل حصاننا الخائف من ضجة الطائرات ينظر مذعوراً خلف حدود البلدة وخلف حدود الزمن .