تذكر الأسطورة اليونانيَّة القديمة إنَّ أوديب تزوج من أمِّه وقتل أباه، دون معرفة حقيقة كونهما والديه

مهند الحميدي 

 

تُعتبر أسطورة “أوديب” من الركائز المهمَّة في التحليل النفسي الحديث، وفي الدراسات التحليليَّة والنفسيَّة للمنتوج الفنِّي على اختلاف أصنافه.

وتذكر الأسطورة اليونانيَّة القديمة إنَّ أوديب تزوج من أمِّه وقتل أباه، دون معرفة حقيقة كونهما والديه، وبعد معرفته الحقيقة فقأ عينَيه مُعاقباً نفسه على فعلته، ثمَّ هام على وجهه خارجاً من مدينة طيبة، تقوده ابنته “أنتيغون”.

وتاثر بعض الروائيين العرب بالعقدة الأوديبيَّة، ففي رواية إبراهيم عبد القادر المازني “إبراهيم الكاتب” نجد المازني الدائر حول ذاته يعترف اعترافاً مدهشاً حيث يقول لأحد زملائه: “لقد كانت في حياتي امرأة، وهي أمِّي، فقد كانت أمِّي وأبي وصديقي، وليس هذا لأنَّه لم يكن لي أب، فقد كان لي أبٌ كغيري من الناس، ولكنَّه آثر الموت في حداثتي، فصارت أمَّي هي الأب والأم، ثمَّ صارت على مرِّ الأيام هي الصديق والروح والملهم، وقد استنفدت أمِّي عاطفتَي الحب والإجلال فيِّ، فلم تُبقِ لي حبَّاً أستطيع أن أفيضه على إنسان آخر”.

والمازني في روايته إنَّما يؤرِّخ لذاته، فهو أسير ذاتيَّته وهذا أمرٌ طبيعيٌّ، لأنَّ اعترافه السابق بعدم حبِّه لامرأة أخرى، يبرهن على أوديبيَّة نتاجه الأدبي.

وفي رواية “عودة الروح” للكاتب توفيق الحكيم، نرى العقدة الأوديبيَّة بشكلٍ عكسيٍّ إذ يقدِّم الكاتب صورة للمرأة الشريرة، للأم المكروهة، فتتركّز كراهيَّة الابن على الأم  مثلما تتركّز على الأب في عقدة أوديب العاديَّة، كما يرى الباحث جورج طرابيشي، في كتابه “عقدة أوديب في الرواية العربية”.

وفي قصَّة “الجامحة” للكاتبة أمينة سعيد، نجد الطفلة أميرة، أمام عِراك مع الذات لا ينتهي أبداً، فهي الطفلة التي فقدت أمّها منذ لحظة مجيئها إلى هذه الدنيا، فرغم صرامة أبيها معها إلا أنّها تحبه، فلا خيار لها إلا أن تحبه، خاصَّةً إذا كانت الأم مفقودة ولا تعوِّض عنها حتى المربِّية التي  طردها الأب فيما بعد.

إنَّ سُلطة الأب المليئة بالقسوة والعنفوان والقوَّة في مواجهة الآخر، هو ما طبع شخصيَّة أميرة، فجعلها رجلاً في هيئة فتاة، وهذا الانعكاس اللا شعوري هو ما دفع البطلة إلى أن تخسر جميع  صديقاتها، جعلها تخسر كل شيء، حتى الحب الذي ظفرت به حيناً، زهدت به حين طردت حبيبها محمود من بيتها، بل من حياتها، كُرمى لهذا الأب الشرير المتسلِّط، لتعيش ما بقي من عمرها آسفة نادمة.

وتذكرنا قصَّة “الجامحة” بابنة أوديب “أنتيغون” التي ظلَّت معه ورافقته بعدما فقأ عينَيه.

 وفي رواية “الخندق العميق” للروائي سهيل إدريس، يعود المثلَّث الأوديبي إلى الاشتعال في صوره التقليديَّة، فيتولَّي فيه دور البطولة الابن كمتمرِّد على الأب وكمتحالف مع الإخوة.

وكما يرى فرويد فإنَّ عقدة أوديب تحتلُّ مركزاً بالغ الأهميَّة في النتاجات الأدبيَّة والفنيَّة، فهي تدخل في بنية العلاقات التي نصبح من خلالها ما نحن عليه وهي الحدُّ الذي نتكوَّن عنده ونتشكَّل كذوات.