لم أعد  شقياً  وهاهو العمر المتسارع يقضم  الساعات  والأيام  بشراهة بدون  كلل أو   وجل . العمر يمضي  ولن  يعود  .  تنتهي  ساعات الحياة  بغفلة  عن ادراكنا  ونقطع محطات العمر نسابق الزمن   ، يعدو   ونعدو  ورائه . هو لا يلتفت ورائه  أما  نحن 
 نخطو خطانا    وننظر خلفنا  الى  كل  زاوية  من زوايا  العمر  الذي  تركناه  مرة غضا  غريراً  يسبح  في بحيرة  أمال  متوقعة  ووقائع تشابه الأحلام   بعضها  يبقى في خفايا الذاكرة  وبعضها تذروه  عواصف الحياة  الكثيرة.
اذا العمر   أو رحلة العمر التي  نفوز بها هي أبدا  في اتجاه واحد  بدون رجعة  لا  تترك  خلفها  الا الذكريات   التي   تستقر  في خفايا  الضمير  البعيدة. تتجدد هناك  لتنطلق  الى الفضاء  الرحب ربما تتوق  الى خلق وبعث جديد راغبة  في هذا الخلق.
ذكرياتي  تجول   هذه اللحظة  في خاطري  كما تجول  في  خواطركم لا تأبه  لمدى السنين  ولا لتعب  الحياة  وعبثها  الأبدي  وتنتظر الفرصة كل  ثانية ودقيقة  للانطلاق والتحليق . تُحفزني  على خلق  جديد ورسم لوحات حياتي  أحيانا  بواقعية وسوداوية  "غويا " وأحيانا بفنظازيا   وسريالية" سلفادور دالي "  وأخرى بانطباعية " مونيه" التي  تخفي  الواقع و تظهر الحلم  و ما وراء  هذا  الواقع .
العاصفة التي زلزلت  كياني وقلبت عوالمي  طفلا غضاً  صغيراً  مازالت  نفس العاصفة التي تُقتل  وتُدمر وتَسحق  مصائر  البشر  في  بقعة الأرض   المقدسة  التي اعشقها  ،القريبة من السماء الأبدية الزرقاء  التي كانت ومازالت مَرتعا لأحلام  طفولتي  وشبابي  وعمري كله ، هي الحياة والجنة والنار .  لو  خيروني مرة  وأنا  في البرزخ  بين  الجنة والنار  كما  خيروا " فاوست " لقلت   أعيدوني  الى ارض  الزيتون والبرتقال الحزين  ، هناك الى شرق  المتوسط  بين  بحر ونهر فهي جنتي وناري   ، أحلى العيون الحّور هناك  وأجمل القدود  هناك ،  قُبلتي   الأولى كانت هناك  والأخيرة ستكون هناك  ومن هناك سأركب يوماً  بساط الريح الى دمشق وبغداد وغزة  وبيروت وبحيرة ناصر وجبال الاوراس  ومعلولا وبيت  لحم  وقبة الصخرة.  أما اذا أجبروني  بأن  اركب الغمام  الى  أبدية بيضاء لا أصدقها كما  صَدقها  "مُحي الدين ابن  عربي " ودخل اليها من طوق الياسمين   وكما  سافر  اليها درويش  وقد أعد  حقيبة سفره  وشفرة الحلاقة  وربطة العنق .  عندها سأختار أن  أكون   على دين  بوذا حمامة تََدرجُ  في باحات  المسجد الأموي  في دمشق  قريبا  من صلاح الدين ومن نزار ومن أبي فراس والمتنبي وبردى  ومن  تل  المربط  على شط الفرات   حيث  خُلقت  من أحلام  جلجامش   أول  حياة  حضارية  وأول  رغيف  خبر وأول أبجدية.
حين كنت  اعتلي  التلة  الشرقية  العالية بصحبة  الأشقياء الصغار  كنت أغمض  عيني  كما افعل  هذه اللحظة  بالذات  واحلق   في هذا  المدى الواسع اللامتناهي  باسطاً   يدي شاعراً  بخدر لذيذ  في أطراف  أصابعي سرعان  ما يسري  في دمي  ويفعم وجودي  كلة . كنت  وما زلت  اشعر بالذوبان   في حنايا  تلك الزرقة الأبدية  التي  لم  أر مثلها   في بقع  العالم  الأخر  بعد أن امتد العمر وكثر الترحال والسفر.
كنت وأترابي   في الليالي  الصيفية   نقصد   بيدراً على أطراف  القرية لنتمتع  بالليل  الهادئ   وبالنسمات  الرقراقة  التي عبرت الأفق  البعيد  وتسللت   الى ذاك البيدر  قادمة لتوها  من أعماق البحر  لتداعب  أهدابنا وجفوننا  التي  تعلقت بالنجوم  التي غدت هناك  قريبة وكنت أخالها   على  أطراف  قريتنا  أو أحسبها    مصابيح  القرية المجاورة . كانت   بأبعاد  وأحجام  مُختلفة  تألقت  واختفت ، اقتربت  وبَعُدت  مع أشباح  الليل  ومع  الخشوع  الرباني الساحر  الذي سيطر    على القرية وعلى الحقول والبساتين  وعلى بقع هذه  الأرض  الجميلة  التي كانت   مسرحا بريئا لحياتنا الغضة الغريرة.
رجعت  الى البيت   من عمل  نهار مضنِ  مع المرضى  كانت غيومه  مُكفهرة  مُتلبدة  مُتشحة  بسواد أحلك   من سواد  ثوب   حزن  عمتي الأبدي  . اقتحمت   تلك الغيوم  وجه السماء  حاملة  البحر كله  الذي غاب  بدوره من الأفق  وتحول بفعلة ساحر  الى مجال  داكن  ضبابي  مُعلنا  قدوم  عاصفة  جديدة . حتى أن مذيعة التلفاز  الجميلة  وعدتنا  بعاصفة  قادمة  تضرب الأرض  والناس  وتبعث   في المدى  البعيد والقريب هولا ومطراً وخيراً كثيراً . اذن  موعدي   مع العاصفة قد أزف  ولا بد من لقاء المصير . سأنتظرها   هنا بجانب موقدي كعادتي. نعم ذاك  الموقد  الذي تستعر ناره  أبداً وتهزأ من العاصفة..لاشك  اذا سأبحر أنا   في ساعتي  هذه ابحث عن عاصفتي   في  حنايا القلب ودهاليز الذاكرة.
سأرخي لها العنان  اليوم لتعصف  وتقصف    من جديد حَبقَ  طفولتي  وسنديانة روحي الدائمة الاخضرار الباسقة   الشقية الفتية  التي انكسرت على  جذعها  كل عواصف  القلب  وكل أنواء  الدهر. ابنتي مع  عائلتها  قريبة من الدار ومن القلب  وابني  الغر لم يعد غراً  بل  أصبح شاباً   يبحث  بدوره   عن عواصف  حياته  مع  زملائه وأصدقائه . زوجتي هاهي  بقربي  ناعسة الطرف  جميلة كعادتها   بدأ يداعب   جفونها  الكرى تطبع   قبلة خفيفة  على جبيني  وتنظر لمقلتي   علها ترى تلك الأنواء  التي بدأت تعصف بي  وتسمع  بذات اللحظة  العاصفة في الخارج  وقد  بدأت تعربد وتصفر ..ثم تتركني وحيدا أمام الموقد  وتذهب الى  مخدعها  بعد أن تمنيتُ لها  أحلاما جميلة.
اذا أنا   وحدي مرة أخرى أمام  الموقد  استعيد  الذكريات  وأقابل  العاصفة  الهائجة الغاضبة  في الخارج  بعواصف  كثيرة  حائرة  سنينا  طوالا  تأبى الا أن  تعصف  وتقصف  وتختال  ما بين  أوكار  الذاكرة ومواطن القلب. أشعلت لفافة  تطاير  دخانها بسحابة   كثيفة  سرعان  ما تحولت  الى جني علاء الدين الذي تعرفونه يحمل  كيسا  ضخماً  لم أر  له  مثيلاً  في حياتي  فيه مئات الصور واللوحات  بحجم الأرض والسماء . هزني  بجلف  وبصوت  جهوري غليظ  عارضا  على اياها الواحدة تلو الأخرى  مؤكدا انه  على حاله هذه سيبقى معي  حتى الصباح .لم انبس ببنت شفة  واخترت الوجوم   وتهت   في عالم ساحر طار  بي  في لحظات  من صورة الى  أخرى  لا أعذب  ولا أحلى  ولا أشقى ولا  أمَر. البقية آتية لا ريب فيها.