د. فؤاد خطيب .

حينذاك كانت وجهتنا أنا والعم مسعود نحو الغرب في سفرتنا الأخيرة نحو العين قبل الضياع . تركنا جميلة نقطة بيضاء في مدى أخضر صَغُرت كلما تقدمت العربة فينا الى الأمام . ساق العم مسعود العربة وانشغل مع حصانه وطريقه ، أما أنا درت برأسي مُتابعاً خيال جميلة وهو يبتعد ويذوب على حافة الطريق الزراعية التي عبرت بمحاذاة بستانهم الذي فاض من كل صنف ونوع وغرق في خضرة سندسية غاية في الجمال.
لوحت لها بساري ولوحت لي بشالها الأبيض الحريري في بعد مدى الرؤية حتى ابتعدت العربة فينا وذبنا في غابات الزيتون الكثيفة التي اخفت عنا القرية كلها.
جميلة كانت امرأة ناضجة تفور أنوثة وتذوب حباً وشوقاً لمنصور. عندما ودعناها غرقت عيناها الخضر بدمع انزلق على وجنتيها . 
ارتعشت شفتاها مع يدها وصدرها الناهد وكأنها عرفت في أعماق نفسها المصير المحتوم الهاجم كالقدر الأسود على حبهما هي ومنصور الذي أصبح حديث القرية والجوار. ألان وبعد ما كان لي مع سلمى تحت غصون الزيتونة في ذاك الغسق من ذاك اليوم الذي يرفرف أمامي دوما كحلم جميل اعرف معنى الشوق ومعنى الحب وقوة اللهفة التي حملتها جميلة لمنصور وهي تمد يدها البيضاء نحو العم مسعود وتسلمه زادا ورسالة لحبيبها الذي غاب ردحا طويلا عنها .
عدت الى القرية حينذاك أحمل رسالة منصور وسترته الدامية التي مزقتها الرصاصات الى جميلة بعد أن واعدت نفسي على تسليم الأمانة مهما كان الثمن لقلب مرهف انتظر تلك الرسالة كما انتظرت طيور القطا في نهاية الخريف على أطراف الحقول الوسم الأول. رقصت تلك الطيور الجميلة بخفة مرسلة مناقيرها الحارة الجميلة نحو السماء لتلتقط القطرة الأولى ولا محالة . لابد أن قلب جميلة رقص كزغب القطا في العاصفة انتظر كلمة من منصور. انتظرت رسالة أو اشارة للقاء قريب ونهاية سعيدة لقصة حب حلوة لم تمهلها العاصفة السوداء التي قلبت عوالم جميلة كلها ولم تمهل ذاك الحب أن يكتمل ولذاك القلب أن يبدل زغبه بريش يجعله قادرا على التحليق الى كبد السماء الرحب. ذهبت أحلام جميلة الوردية كلها أدراج الرياح وتحول فراقها لحبيبها الى فراق ابدي لا رجعة منه ولا خبر.
قُتل منصور وهُجر بيت جميلة وذَبُلت أصص الورد عل على شرفاته وعلت الزنابق المُترنحة على حافة البئر صفرة الموت . ضاعت في مدى القرية الأغبر بعد القصف والنار والدخان زهرات ذاك الحب الكبير الذي أورق وأزهر وأوشك أن يعقد ثمراً. عندما عدت ترجلت من العربة تاركا اياها والحصان في نفس الموضع الذي وقفت فيه جميلة عند بداية الرحلة. حَملتُ السترة الدامية وبجيبها رسالتين وريشة كتابة مكسورة وسكينا صغيرة يدها خشبية كالحة تميلالى السواد .عقدت العزم كله على مقابلة جميلة وتسليمها الأمانة. حِرت حينها مع نفسي ومازالت تلك الحيرة تكوي قلبي الى اليوم .
ما ذا أقول لجميلة عندما ألقاها وأنا احمل كل أمالها وأحلامها دامية مُمزقة على راحتي؟ هل اخبرها بأمر رسالة منصور التي اختلط حبر سطورها مع دمه ؟
أأسلمها ريشة الكتابة المكسورة التي حملها منصور دوما قريبة من القلب وأصابتها الرصاصات مباشرة وكسرتها وتوغلت حتى بلغت موضع القلب؟
ماذا عن السكين الصغيرة التي حفظها منصور في جيب سترته ؟ لعلها هديتها له في عهد سابق ركض وولى عن دروب القرية وناسها وحقولها وسمائها باحث عن مكان أخر في متاهات الغيب ؟
رحمك الله يا عم مسعود وأسكنك جنته العليا قريبا من الصالحين، ذهبت أيضاً وتركتني وحيدا أحمل رسالة الموت هذه وأنا بعد غضُ غريرُ لا اعرف عالم الموت ذاك ولم أخوض بعد حُرقة اللهفة ومَرارة الفراق ولوعة الحب؟
 قرعت باب جميلة وأنا ارتعش كالهارب من وجه العاصفة ولا من مجيب . قرعت وهززت قبضة الباب الكبيرة مرات ومرات ولم يأتيني الا سكوناً مُطبقا على البيت والجوار. هَممت بالرجوع من حيث أتيت . تفحصت البيت وأنا أخطوا الى الوراء بوجل وحزن ثقيل حتى رأيت النافذة الغربية مفتوحة لوَحَت في فراغها ستارة بيضاء على وقع نسائم أتت من جهة البحر المشرعة أمامي في الأفق البعيد . اقتربت من النافذة وأزحت الستارة بحذر ونظرت الى سكون وظلمة لم يعكرها الا ضوء شمس النهار الغاربة التي تسللت اليها . خَبطت على زجاج الشرفة علها تَرجع لي بصدى أصوات بشرية غارقة في عتم البيت . انتظرتُ وقرعتُ وانتظرتُ وقرعتُ ولا من مجيب . خاب حَدسي ورجَعتُ من حيث أتيت حائراً لا اعرف ماذا أفعل بالأشياء التي حَمَلتها والتي أحسستها ثقيلة على قلبي كوقع كل ذاك الحزن والمرارة التي خيمت على بيت جميلة والجوار.
عُدتُ الى بيتنا مَهموما تَخنقني أنفاسي وتَهُدني خطواتي . نشرت أمي لحظتها غسيلها على حبل في طرف الحديقة الصغيرة التفت الي قائلة " .. أين كنت يا حبيبي .. بحثت عنك منذ الصباح ..ما هذا الذي تحمله " قلت " محاولا اخفاء ما حملته يدي .. نعم يا أمي ..هذه حشائش خضراء للحصان.. كنت على طرف الحقول " .
قالت أمي " لماذا لم تأخذ الحصان معك وتتركه هناك يرعى هذه الحشائش " .
قلت " لا يا أمي أخاف عليه الأغراب الملاعين يسرقون الخيل .. خاصة اذا كانت خيولا أصيلة كحصاننا .. قال ليسامر ذاك وسمعت أيضا من غيره أن بعض الأحصنة في القرية اختفت لهذا السبب" .
وقفتُ مكاني وطال حواري مع أمي وهي تنشر غسيلها وتقترب من مكاني. خفت أن تكشف أمري. قبل عودتي الىالبيت لففتُ أشياء منصور الصغيرة في ورقة صحيفة قديمة وجدتها أمام بيت جميلة ووضعتها داخل كيس صغيرة من الخيش ووضعت فوقها حشيشا أخضراً وملأت الكيس وحملته راجعا محاولا اخفاء سري الكبير ذاك حتى تدور الأيام والتقي بجميلة وأودعها أمانة منصور.
لا اعرف لماذا جعلت ذاك الأمر سري الخاص وكل أهل القرية علموا بقصة حب منصور وجميلة وانتظرو بلهفة نهايتها السعيدة . نعم أهل القرية عرفوا عن تلك القصة من بعيد أو من قريب ولكنني ما زلتُ أحملُ معي وحدي روح هذه القصة الحزينة أحمل سرها وربما نهايتها .. وأردت تأخير تلك النهاية رغم أنف الزمن ؟؟.
أخفيت تلك السترة والرسائل التي حملت دم منصور وحبره أخفيتها حتى عن أمي مأمن أسراري الصغيرة والكبيرة كلها . حسبت بخلدي بأن افشائي سر تلك الرسائل وتلك الريشة فيه نهاية لتلك القصة الحلوة التي رغبت من كل جوارحي بأن تدوم الى الأبد. عشتُ وهماً مرات ومرات . رأيت به منصورا قادماً من سماء القرية الرحبة راكباً فرسا مُطهمة خاطفاً جميلة في حضنه عابراً مرة أخرى تلك السماء الزرقاء وشال جميلة الأبيض الحريري يلوح ويلوح في كبد السماء حتى اختفائه في الأفق البعيد..
علمت عندما عدت الى القرية من القليلين الذين بقوا أن جميلة ضاعت مع أمها في الضياع الكبير شأنها شأن الآخرين. منهم من قال أنهما ذهبتا شمالا الى الحدود الشمالية ومنهم من قال أنهن ذهبتا الى أقرباء لهن في الميناء القريبة ومنهم من قال أنهن ذهبتا شرقا صوب الناصرة بلد المسيح عليه السلام . سمعت هذا وذاك ولم اصدق. أودعت أشياء منصور صندوقا استعمله أبي فيما مضى مخزنا لعدته من مسامير ومطارق وأسلاك . أفرغته من محتوياته ونظفته وضعت بندقية أبي القديمة ذات الخرطوشتين التي استعدتها من أخي الذي حملها الى العين لملاقاة الهاجمين مع منصور والرجال . وضعت أشياء منصور الصغيرة بعد أن لففتها بقطعة شاش ابيض كالثلج غافلت أمي وأخذته عن حبل غسيلها. وضعت الصندوق في زاوية الاسطبل خلف خزان معدني ملأن بحبات الشعير محاذي للحصان. جعلت ذاك الصندوق وما حواه سرا من أسراري الصغيرة الكثيرة بل أهمها على الاطلاق لم أشارك به احد ..
في الأعوام الثلاثة بعد العاصفة حَملتُ أشياء منصور تلك وذهبت بها لملاقاة جميلة ولكن الحظ لم يحالفني قط . عندما اقتربت كل مرة من البيت بحثت عن نوافذه كلها بنظرات حائرة فاحصة بين الشك واليقين. يا الهي .. كانت تلك النوافذ دوماً مُوصدة ما عدا تلك النافذة التي تطل على الطرف الغربي وتلك الستارة البيضاء التي تحول لونها وأصبح رماديا مع تعاقب فصول الزمن . نظرت مرة وأخرى صوب تلك النافذة الُمطلة على الشرفة الصغيرة علني أرى خيال جميلة بين أصص الورد الذابلة التي استحال لونها الى اصفر غامق غابت عنه معالم الحياة. لعنت كل مرة حظي العاثر وعدت بخفي حنين مُودعا تلك الأشياء داخل ذاك الصندوق مرة بعد أخرى ملامسا بندقية أبي برفق الىحين . حتى لحظتي هذه أعجب من نفسي على قدرتي اخفاء ذاك السر داخلي و وحدي .
غبتُ ورحلتُ عن واقعي وانغلقت في عالمي الداخلي ولم ارغب مخاطبة احد أو مشاركة احد أفكاره وأقواله عن منصور وجميلة. أخبرت أترابي الصغار عن رحلتي مع العم منصور بواقائعها وأدق تفاصيلها مرات ومرات . حدثهم عن الطائرات القاذفة للقنابل التي طارت فوق رأسي تسابق الربح ، وعن الطحان والطاحونة وعن عين الماء وأشجار الحور وعن منصور والرجال وعن الحصان الذي شَرَد بي في طريق العودة من العين الى القرية وعن الغربان السوداء التي احتلت أطراف القرية وعن الكلاب الضالة التي تاهت طرقاتها بعد أن رحل أهلها الى أطراف الدنيا الأربعة . وقف مانع قوي في داخلي شد أفكاري عندما تداعيت مع لغط الصبيان منعني كل مرة أردت فضح ذاك السر القابع في أعماقي عن تلك السترة التي فتقتها الرصاصات .
مرت الأيام كئيبة متتالية على القرية ودارت الحكايات عن ناسها وعن بيوتها وعن حاضرها القاتم الذي كتبته العاصفة الكبيرة بأصابع الموت والدم والخراب. أصبح لكل عائلة حكاية ولكل فرد قصة تروى وتدور على الألسن القليلة الباقية . تضاربت تلك الحكايات العامة والشخصية واختلطت مصائرها ومصادرها وأصبحت جزا من حكاية كبيرة دارت وقائعها في خضم مأساة كبيرة كُبر الأرض لم تبق ولم تذر. أبطال الحكايات ناس قرويون بسطاء سحقتهم العاصفة وخطفتهم من واقع يشبه الحلم الى قلب حلم مزعج هز ضمائرنا نحن الأشقياء ونحن نعبر حافة الطفولة الأخيرة الى بداية الشباب . دُرنا كعادتنا بين البيوت وفي الأزقة نتفقد الناس الموجودين والذين أصبحوا حكايات .
سامر كان أكثرنا معرفة بما جرى . كرر على أسماعنا ما سمعه من الكبار الباقين ومن العائدين الذين تسللوا الى بيوتهم ليلا خوفا من القتل أو الاعتقال المهين أو التشرد والرمي خارج الحدود الشمالية للوطن التي لم تبعد عن قريتناالا ساعة سفر أ واثنتين في تلك الشاحنات السود السريعة التي احضرها الغرباء المحتلون لذاك الغرض.
بدا حديثه دوما وعيناه مصوبتان نحو البيت الهدف الماثل أمام أعيننا في أشعة الغروب الغائرة في خفايا البعد والنسيان قائلا " أتعرفون هذا البيت .. أترون انه خراب تلوح في حناياه رياح الشؤم .. يا حرام رب البيت قُتل في بداية العاصفة وزوجته فلانة غابت في الشمال مع أولادها لا يعرف غير الله مصيرهم ومكانهم " . ثم يسكت عن الكلام المباح بعد أن نشفت ريقه وابتلعت كلماته غصة مباغتة في قلبه وقلوبنا نحن السامعين الساهمين ونحن نبحث معه في ذات اللحظة وفي الذاكرة القريبة والبعيدة عن صاحب البيت وزوجته وحياته . أغرب ما في الأمر أننا سرعان ما كنا نتذكر شيئا عن تلك العائلة المنكوبة ونسارع في تكوين وتحوير قصة سامر الأصلية وحيثياتها ودوافعها ويعلوا الهرج والمرج حتى تكن نفوسنا الغضة ونتفق تلقائيا بان الحكاية هي ولاشك حكايتنا كلنا .
درنا في الدروب ودارت معنا تلك الحكايات كل يوم . رأينا كل يوم اختلافا ما في واقع البيوت والكروم ، كباب فتح مصراعيه بعد أن كان مُغلقا زمنا طويلا أو نافذة انطلقت دفتاها الى الريح ، أو حيوان رأيناه أمام البيوت أو ثغاء غير المألوف حتى قال أحدنا " انظروا تلك زوجة فلان انها تقف في النافذة .. نعم عادوا بعد غياب طويل من احدي القرى البعيدة التي لم تصلها العاصفة بعد " ويقول أخر ذاك الخوار لبقرة فلان ..هاهو يعود الى بيته المهدوم .." .
 أما أنا كَففتُ عن الكلام كل مرة وصلنا بجولتنا قريبا من بيت جميلة الذي ركبه الغياب وغرقت حديقته وورودها في غابة من الشوك والأعشاب البرية . بقيت أبوابه موصدة وستائر النافذة الغربية تلوح وتلوح في فضاء العدم . خفت في أعماق ذاتي الحزينة من ذاك السر الذي حملته صغيرا وخفت أكثر ان بحث به للأصدقاء ولم يعد ملكي وحدي . قلت دوما لذاتي أن حكاية منصور وجميلة ليست ككل الحكايات لا ترو ولا تنس ولا تعاد ولا تتكرر حتى كان ذاك العصر الموعود .
 كنت وحيداَ مَهموماً أبحث عن ذاتي الغضة وعن حشائش خضراء بعد أن توغل أيار وخطفت شمسه لون الربيع . قصدتُ مَكانا ندياً على طرف القرية دامت خضرته حتى في الصيف بسبب نبع شق طبقات الأرض وكون مُستنقعا صغيرا دائم الخضرة كَثُرت في الضفادع وهام فيه الهوام . زاره أهل القرية لغرض البحث عن تلك الحشائش الخضراء التي غطت جوانبه وأطرافه . سرتُ حينها وحدي تحت أشعة أيار التي صلت وجهي وسواعدي وأغرقتني في بحر من العرق. اقتربت وبحثت بين العشب عن مكان لماء نقي غرفت منه حفنات متتالية بَرَدتُ بها جبيني ووجنتي وهدأت روحي الثائرة مع ثوران الشمس . صوبت عيني نحو الشمس وهي في جنوبها الغربي مُسرعة للغروب . رأيت النافذة المطلة على شرفة جميلة مفتوحة وفي وسطها وقف خيال.
هرعتُ وركضتُ ووقعتُ وقمتُ وركضتُ حتى بلغت بوابة البيت ..كانت جميلة يا الهي .. نعم جميلة ، خيال اسود بين أصص الورود الذاوية ..انها جميلة التحفت رداءاً ووشاحاً اسودا ً قاتماً أخفى شعرها الكستنائي الكثيف في صفرة الموت حولها وفي ظلال الشوك والعَوّسج الذي تسلق حيطان البيت نحو السماء.