د. فؤاد خطيب - شفاعمرو

غاب أبي مع رجال القرية منذ أن بدأت الأحداث العاصفة ووصلت القدم الغريبة الى قريتنا. آتى الغزاة مع الفجر واقتحموا بأقدام همجية كل حرمات القرية التي تألقت بين سبع تلال على صدر الوطن. اختاروا الرجال القادرين ومن بلغوا سن الرشد الى الخمسين. أعدموا بعضهم في الحال في ساحة القرية لارهاب من تبقوا ولبث الهلع والخوف في نفوسهم ومن ثم ارغامهم على الهروب والنزوح وترك بيوهم وحقولهم. أتتنا تلك العاصفة الهوجاء أنا وسلمى ونحن على أبواب الصبا وقبل أن تُنسج وشائج الحب المخملية بين قلبين رقصا في روابي خضراء وحلقا مع الفراش وعشقا حمرة الجلنار الذي كان من أجمل زهرات الجنة ، جنة الحب البريء بعد أن خطونا نحوها خطوتنا الأولى. قُتل من قُتل وزُج بالبعض الأخر بشاحنات عسكرية بلون رمادي غامق ذات سلالم خشبية عالية، لا حت من فراغها كوفيات الرجال من بعيد وتلك الشاحنات تقودهم عنوة وتحت رؤوس الحراب وفوهات البنادق الى عالم مجهول غريب الأطوار سمعت عنه وعن غرائبه بعد أن عاد أبي. جلسنا تلك اللية أنا وأمي وعمتي والعائلة كلها نسمع حديثه العذب الحزين وهو يشق نور السراج الأصفر الباهت الذي بدد عتم ليل الغرفة وبعث فينا حرارة ودفئاً حميماً كدنا أن نفقده الى الأبد. رأيته تلك الليلة على كرسيه الصغير المعمول من قش البيادر وخصلات شعرة الكث الأسود أصابها بعض الشيب في مفارقها بعد أن خلع عقالة وانحسرت كوفيتة واحتلت صدر الدار وعاد الأمان الى قلبي وبعض من الطمأنينة ولو لحين. حين سقطت أول قنبلة من الشياطين السود الذين حلقوا كالغربان فجأة في سماء القرية تبدد شملنا أنا والأشقياء صبية وبنات ولو لحين . وجدت نفسي أركض في بستان رمان قريب من الساحة ورأيت الحساسين تحلقُ مذعورة بين الأغصان المتشابكة حتى وصلت قلب البستان حيث يبدأ جدول الماء الذي يتفرع بين الأشجار الخضراء المثقلة بالجُلنار الذي تدفق حُمرة بديعة اختلطت مع السماء الزرقاء التي بانت هنا وهناك بين الأغصان وأنا ابحث عن تلك الشياطين السود بعد أن ساد الصمت وتبددت غيوم الدخان السوداء التي خلفوها بعد قصفهم ساحة القرية . قالت سلمى بأنفاس متلاحقة وفزعة وهي مُرتدية ثوبا بديعاً من لون أرجواني قديم حتى بانت كأنها أميرة من كنعان القديمة أو من كتاب سحر قديم . كان شعرها غجريا مسابقاً الريح بعد أن وقفت وكفت عن اللهاث " رأيتك عندما سقطت أول قنبلة وركضت خلفك ..لكنك كنت سهماً أطلقته الريح ولم الحق بك ... ها قد وجدتك " افترشت الأرض جانبي متكئة مثلي الى جذع رمانة عتيق حيث يمضي الجدول الصغير رقراقاً في طريقه يشق البستان الكبير. قلت لها " أهلا سلمى ..ها قد آتيت " محاولا أن أرتب شعرها التي غطته الغصون الصغيرة والغبار حاملا لها حفنات من مياه الجدول الرقراقة الى شفتيها الشهيتين حتى ارتوت سلمى وسَكنت على عرشها الجميل.
 
عادت الحساسين الى طيرانها وتغريدها بين الغصون وقفزت الجنادب وتراقصت الفراشات حولنا وعلى حضن سلمى وثوبها الأرجواني الذي انحسر عن ركبتيها المشغولتين من لهب ونار . خافت وارتابت ونظرت نحوي بحنو غريب . مَسكتُ فراشة كبيرة صفراء وقدمتها الى سلمي محاولا أن أخفف من روعها " انها جميلة وبديعة مثلك ..أنا سأعقد لك ألان عقداً من هذا الجُلنار.. نعم عقداً من الجُلنار كما وعدتك مرة أتذكرين؟ ". عقدت عقداً جميلا وألبسته عنق سلمى التي استكانت للمساتي وأطبقت أول قبلة على شفتيها في حياتي.بقينا هناك حتى ضاع منا الزمان ، ذاك الزمان الجميل . أنا منذ ذاك الحين أبحث عن ذاك الزمن الضائع الذي لم يعد الى يومي هذا . هل عاد أبي الى مكانه أم أن المكان عاد اليه ؟ من عاد الى من؟ هو الذي عاد الى ذاك الكرسي الخشبي الصغير والى ذاك المصباح الزيتي في كوته ونوره الأصفر الذي بَدد فراغ الغرفة والى ذاك الخوان الصغير وأكواب الشاي ورائحة النعناع وسحابات الدخان التي انبعثت متتالية مع أنفاس أبي ، هل عاد الى ذاك العقال الأسود الدمشقي الذي احتل مسماراً وحيداً فريدا ًكبيراً ربما دُق خصيصاً لهذا الغرض ؟ .
 
أنا رأيث المكان المتعثر الموحش يعود الى بهجته حتى خضع الزمان الى المكان مع أحاديث أبي الشاردة حتى شعرت بالمكان ينتفض ويعود على بدء كسيرة العنقاء.

هاهو أمام عيني يتحرك باعثاً ريشاً جديداً في روعة تك الليلة ونوراً اصفراً عفرته شعلة المصباح الزيتي حتى أضاء العالم من حولي.

قال أبي وعيوننا ساهمة وقلوبنا مفعمة بالأمل والخوف مع كل كلمة نطقها

" أنزلونا من تلك الشاحنات في مكان قفر خلف الجسر وأمرونا بمواصلة المسير شرقاً تحت تهديد البنادق المشرعة..عندما ابتعدنا خطوات الى المجهول الذي أمامنا أطلقوا عيارات نارية فوق رؤوسنا وأغلقوا الجسر الضيق من جهتيه بأسلاك حديدية شائكة وكثيفة والقوا بحواجز ضخمة في عرض الشارع الاسفلتي الضيق الذي امتد من نقطة بداية الجسر وغار بعيدا بين تلال الوطن الذي أدركنا بالحال انه أصبح خلفنا مختفيا ً في تلال زرقاء داكنة انتهت على حافة ليلة لم نر بها نجوم " تنهد عميقاً وأبعد الكوفية عن رأسه ومد رجليه المتعبتين على فراش قرب الموقد وتابع حديثه الذي كان تلك المرة واقعا مراً وليس ضرباً من الحكايات . شعرنا بحقيقة واقعة المرة التي تجسدت لتوها على سحنته وبين تجاعيد وجهه التي تزايدت وغارت عميقاً وأخفت في حناياها ولاشك حكايات مخيفة.

تابع الوالد قائلا " كنا عشرات ..بل مئات من قريتنا ومن قرى قريبة وبعيدة ..فتياناً وشباباً ورجالا في أعمار مُختلفة قذفتهم الشاحنات تلك في المحطة الأولى والأخيرة الى عالم مجهول وملعون ..الى عالم حسبنا كلنا أن لا رجعة منه الا من تحت فوهات البنادق الجاهزة أبداً للقتل " تنهد عميقاً وتابع سارحاً في زمانه الضائع أيضا وفي مكان بعيد عن هذا المكان. " أوغلت شمس الأصيل نحو المغيب . بعثت أشعتها الحمراء توقد ناراً في كثبان الرمال التي انتشرت في كل مكان في عالم لانبت به ولا شجر .. غُصنا في الرمال المشتعلة الى الركب بعدان امتزجت حباتها الحارقة مع عرق أجسادنا المتعبة ..المنهكة بعد يومين من الجوع والعطش. خرقت تلك الحبات ثيابنا وزادت من لهيب قلوبنا . أتي الصباح وعاد المساء ولم نملك الا أجسادنا المرهقة وثيابنا الممزقة وبعض السجائر التي لم تطلها يد الغدر. بحثنا عن مأوى في صحراء القفر ولم نجد الا كثبان الرمال التي بَردت ولسعت برودتها بعد أن توغل الليل وتبددت أحلامنا في ايجاد مكان أكثر أمنا . تفرقنا وهدأت أجسادنا مع هدوء الليل" . توقف فجأة عن الكلام بعد أن توغل ليلنا وداعبت جفوننا أصابع الكرى وغادرنا كل الى فراشه . غفوت ودفئ لذيذ غازل قلبي ذاك المساء. ذهبت الى نومي براحة بال لم أعهدها ليال طوال . لم أقلق ليلتها على سلمى ولا على الحصان ولا على أمي التي رأيتها باسمة طيلة ليلها لم تلتفت الى شرفات انتظارها ولم تكفف دمعها حزناً وحسرة على مصير عائلتها بعد العاصفة الملعونة التي أودت بكل أمالها في مهب الريح . نهضت في اليوم التالي بعد أن داعبت أشعة الصباح عيوني . قبع كرسي القش وحيداً واختفى الفراش من مكانه وغابت الكوفية عن المسمار الوحيد على الحائط . فركتُ عيوني وانا اسأل نفسي " هل كل ما عشته مساء أمس كان حلماً؟ الم يكن أبي واقعاً عشناه بسمر جميل ؟ لا زلت أشم رائحة تبغه وأسمع صدى كلماته في زوايا غرفة السمر ؟ هل هو وهم من تلك الأوهام الكثيرة التي ذهبت بي غرراً في حقبة زمني الضائع ذاك وأخذتني كما تأخذ الرياح الريشة وتعلوا بها فتراقصها في الفضاء قريباً من منبت الأحلام ثم تقذفها بعيدا ً حتى تغيب وتحط وتنتهي وتنزوي في وادي مقفر أرضه صلدة كصدر الصخر.

هرعت أبحث عن أمي في كل مكان وأنا هلع وحزين " أمي.. أين أبي ..يا أمي " . وقفت في طريق الحديقة تسقي شجيرات الورد التي نَورت بألوان الدنيا كلها . انبسطت أساريرها تماماً والتفتت الي بوجه كوجه العروس وبسمتها تملأ عالمي كله وسألتها ثانية " أين ذهب أبي ..لم يكن في فراشه ولا في غرفته ؟ " .

قالت وهي تربت على كتفي بحنو بالغ " لا تخف ولا تقلق انه عائد عما قريب .. اذهب وأكمل طعام فطورك أنا قادمة بعد قليل " .

عدت وعادت أمي وأخبرتني بقصة أغرب من الخيال في كل قصص ألف ليلة وليلة . أبي عاد الى بيته متسللاً بعتم الليل وتبخر مع أشعة الصباح . لم يفك أسره لأنه لم يكن سجينا ولم يفرج عنه لأنه لم يحاكم . كان ذنبه الوحيد انه وُجد في قريته وفي بيته عندما اقتحم الغرباء القرية أول مرة على حين غرة . أصبح طريدا ً في الصحراء هائما على وجهه غائباً عنوة عن وجوده في كابوس يوم صاف لم تَعرفه به شمسه ولم تَشفع له أرضه وغَربت سمائه عنه وبَعُدت بعد الأزل ، حتى نسمات البحر الأزرق غَيرت اتجاهها ذاك اليوم وأصبح أبي مرة واحدة في قلب صحراء لا ترحم . خَبرتني أمي بأن أبق خبر عودته سراً بعيدا ًعن الغير ، أن أجعله حلما ًجميلاً مُختفياً في حنايا قلب أملكه وحدي ولا أشارك به أحد . عاد أبي الى زياراته الليلية وعادت معها أحلامي المبعثرة . ظهر في ضوء غرفة السمر بعد أن توغل لليل ولم يقطع هدأته الا نباح كلاب ضالة آت من بعيد .

طالما خرجتُ بعد حلول الظلام ألاحق الزمن الضائع واسوداد الليل في فرسخه الأول . كم فرحت في سري عندما غاب القمر واختفت النجوم وخبت أنوار القرية من مصابيحها القليلة وسادت عتمة فردت ستائرها السوداء الثقيلة على كل شيء. كانت تلك ساعة ظهور طيف أبي من فلول الظلام .تهت مرة وحرت مراراً وقلت لنفسي حاقدا على نفسي ..لماذا يخاف أبي من النور ويظهر في الظلام.