يقولون أن الجراد الأتي من الصحراء العربية هذا العام غزا البلاد والعباد وآتى على الأخضر واليابس. وصلت جحافله الزاحفة القارضة الماحقة الى غوطة دمشق والى الأعماق السورية حتى حلب ومعّرة النعمان. يقولون أن للجراد كَينونتين أو صَيرورتين الأولى حَشرية قارضة لها سيقان وأجنحة حتى تطير بسرعة راكبة الريح والعواصف. ويقولون أنها آفة تنتقم لواقعها الصحراوي في أرض اليباب من المروج الخضراء الخصبة التي تجري من تحتها الأنهار وتسقط عليها السماء خيراً وفيضاً كل عام من أمطار وثلوج. ويقولون أن الصيرورة الثانية التي وصلت الى غوطة دمشق والجامع الأموي الكبير وقلعة حلب والعاصي وبردا ونواعير حماة ومعّرة النعمان غريبة الشكل والأطوار لم يعرفونها من قبل . لها رؤوس وقوارض معدنية وأفواه تنفث لهباً حارقاً.
 
 آتي هذا الصنف على متن حديدي طائر أو سائر من الجنوب ألصحراوي ومن مدي البحر الأزرق الغربي ومن خلف الهضاب الخضراء الشمالية .آتت جحافله كلها حيث مشرق الشمس. هذا النوع لا يأكل الأخضر واليابس فحسب بل يبعث اليباب والخراب والدمار الشامل في كل شيء يصادف طريقه أو يقصده . يقولون والعياذ بالله أنه يترك خلفه كل مرة مساحات ومروج محروقة وأبنية وطرق مدمرة ويتامى وأرامل وثواكل وبقايا حضارة تدل عليها الأصالة الضاربة في صدر الأرض وطيور العنقاء التي تحترق هناك كل يوم ثم تبعث من الرماد تم تحلق من جديد لتبعت الحياة في دورة أزلية جديدة . ربما لكل منكم قصته وحكايته مع الجراد بصيرورتيه المتواجدة هنا وهناك .أما أنا فلي قصتي عن ذاك النوع الحَشري سأرويها لكم بعد استعدتها مرة أخرى من ذاكرة شاب مراهق لم تمحها السنون بعد .
 كان أن هجعت الى فراشي بعد سمر طويل تحت النافذة الوحيدة في الغرفة وأفكاري ملآنة بأحلام اليقضة والخطط عن غدي وذهابي مع أخي الذي يصغرني الى الحقل البعيد تنفيذا لطلب أبي الذي اسمع شخيره في هذه اللحظة يعلو ويخفت غائصاً في نوم عميق ربما جلب راحة لرحلته الشاقة الصعبة في الحياة.
 
انطفأت مصابيح الدار ماعدا واحدا صغيراً بعث في الردهة الطويلة ضوءاً اصفراً خافتا عكس خيالات الأشياء والأثاث الموضوع هناك. حملقت في سقف الغرفة وحلقتُ في أفكاري بعيداً الى ذاك الحقل البعيد والطرق المؤدية اليه. كان الصباح ينتظرني على أجنحة البلابل خلف النافذة المشرعة. فتحت عيني على خيال أمي تداعبني وتدعوني برقة متناهيةالى النهوض والاستعداد للذهاب الى الحقل. غادرت لتوها غرفتي واتجهت الى الأخرى تنادي أخي وتدعوه بدوره قائلة بصوت ملآن بالحنان بأنها ذاهبة لتحضير طعام الفطور.
 
كان الصباح هادئاً راكداً وضباب كثيف حَجب كستارة سميكة المنظر من شباكي. قمت وخطوت خطوات واسعة نحو الخارج حيث سمعت هدير شاحنة أبي وأصوات العمال وقهقهاتهم كعهدي بهم صباح كل يوم . هذه المرة لم أر الاضوءين أصفرين باهتين اخترقا الضباب الذي لف كل شيء حتى الشاحنة التي وقفت بضعة أمتار مني في ساحة البيت.
 
ابتعدت عن مكانها قليلاً حتى غاب صوت أبي في الضباب أمراً احدهم بالصعود في الحال الى الشاحنة المغادرة . نزلت من عتبة الدار عدة خطوات باتجاه هدير الشاحنة التي اختفت كلية وخَفَت صوتها وضاع في الضباب السميك الذي أكاد المسه بأصابعي التي راحت بحركة لا ارادية تبحث عنها أو ربما عن أية شيء آخر يعيدني الى الواقع الملموس المحسوس حتى شعرت بحالي كأنني في قعر ثقب اسود لا قرار له. تسَمرت مكاني وعَلتني رجفة هزت كياني حتى كدت أصيح رهبة من ذاك المصير الذي وصلت اليه . سمعت صوت آخي رفيقي الى الحقل باحثاً عني. هكذا كان . وجدتنا بعد دقائق نسير في طريقنا الى هدفنا وقد خَفَت سماكة الضباب وبدأت أشعة شمس الصباح تخترقه مُكونة في شقوقه شلالات من نور بديع انعكس على البيوت والأشجار والطريق. خاف أخي وارتعدت فرائسه وقد فوجئنا بقرنين كبيرين أسودين وبصوت داهم على وقع أجراس رتيبة . أخذنا جانب الطريق وتركنا وسطه للقطيع الذي عبر وفي مقدمته ذاك الثور الضخم بقرنيه المعقوفين وبجرسه الذي علق على رقبته وفتح طريق القطيع في ذاك الضباب الكثيف. نعم قرع الجرس وقرع وبَددَ الوحشة وبعث الأمان في نفوسنا الصغيرة. شعرنا ساعتها بان كل شيء في هذه الحياة على ما برام . نظرت الى أخي وابتسمت فابتسم بدوره وتابعنا طريقنا التي بدت ملامحها واضحة عدة أمتار أمامنا . تناهي الى أسماعنا صوت الصباح في القرية التي استيقظت كلها مرة واحدة، ثغاء أغنام عواء كلاب ومواء قطط وزقزقة عصافير الدوري من بين الشقوق في الجدران العتيقة ، هنا وهناك سعال وكلمات وبسملة وحوقلة وصياح ديوك كثيرة تعلن للملأ أن القرية أفاقت تغسل عيونها من بقايا النوم للقاء يوم جديد كعهدها مئات السنين. وصلنا الى مرج عالي يطل على حقلنا المرتمي بين أحضان الشجار الزيتون العتيقة عل طرف القرية الشرقي. بانت ساعتها السماء صافية وعلت الشمس قدر رمحين أو أكثر
 
 بعثت الدفيء اللذيذ بأجسادنا الغضة وخلعت الضباب الذي ربض على صدر الدنيا وابتلعته حتى غار واختفى من أمامنا. من تلك الربوة بانت لنا بصورة جلية بقايا ه في حنايا الوادي المنخفضة التي لم تصلها بعد أشعة الشمس . سمعت حديث الرجال في سمر أبي البارحة أن ما نراه ونعيشه ألان لأول مرة في حياتنا ظاهرة خيرة للزرع والضرع اذ يعقب هذا الضباب ندى وفير يغذي الأغصان والسيقان اليانعة. ابتلت أطراف ملابسنا ونحن نمخر عباب الهضبة الصغيرة المكسوة بالحشائش الخضراء العالية. مرت دقائق وكنا في وسط الحقل . مالت أوراق نباتاته اليانعة الخضراء بقطرات كبيرة من الندى التي لمعت تحت أشعة الشمس الهابطة من مكان سحري بعيد. بدأت مهمتنا برش الرماد الأبيض الناعم فوق تلك الأوراق منفذين تعاليم صديق والدنا بحذافيرها الذي شرح للرجال أن الرماد يحمي النباتات من الآفات اذا رُش على ندى الصباح . انغماسنا بعملنا بهمة أشغلنا عن حرب الشمس مع الضباب وسطوة أشعتها التي سَخَنت الجو وهي تعلو بثقة وتحتل كبد السماء. تابعت عملي ومسحت بين الحين والأخر حبات العرق من على جبيني بكفي المتلطختين بالرماد . شعرت بأخي يتخلف عني وعن مجاراتي بنشر ذاك المسحوق على وريقات النباتات في الصف المقابل لي. التفت الى الوراء ورأيته يقفز هنا وهناك وينبطح كلية على الأرض جاهدا للقبض على شيء ما . صاح باسمي وفي صوته لهفة الطفولة كلها وهو يشد قبضته على شيء ما وكأنه كنز وجده لتوه . اقترب مني وابتسامة شقية صادقة على شفتيه الصغيرتين " لقد أمسكته .. انه جندب تعال وانظر " .
 
فتح قبضته بحذر قابضا بالأخرى جناحي ذاك المخلوق . كان جندبا غريب الهيئة لم أر مثله في حياتي . لونه بين الوردي والبني وبقع سوداء تغطي بعضا من جسده و جناحيه . كانت دوائر كالحة اللون حول عينيه اللتان دارتا في كل اتجاه . انتفض أخي وارتمى على الأرض وهو يصيح " هذا واحد آخر .. وهذا أخر .. يا الله جنادب كثيرة انظر هنا وهناك " . نظرت اليه ودرت حول نفسي وتركت وعاء الرماد ينفلت من يدي وعلتني دهشة وفرح صبياني وأنا أرى تلك الجنادب تتراقص وتقفز حولنا في كل مكان على الأرض وعلى أوراق النباتات وسيقانها وتحت أقدامنا وحتى على ثيابنا . علت ضجة غريبة حولنا تشبه صوت منشار الخشب . سمعنا ما لم نسمعه من قبل صوت قضم وقرض رهيب ملأ المكان وبعث الرهبة في نفوسنا الصغيرة . علت تلك المخلوقات سيقان النباتات وأوراقها وفتكت بها بسرعة هائلة . عشرات الآلاف ، مئات الألوف تقرض بنهم وتأكل الأوراق اليانعة في حقلنا تاركة اياها تنزف رحيقاً وندى . هاهو جارنا العجوز يتنقل بين نبتات حقله ويهش بعكازه على الأرض هنا وهناك بحركات طائشة . سمعته يكلم نفسه بصوت عال . صاح وشتم وقفز على قدم واحدة وزعق وكأنما أدركه في الحال مس من الجنون . 
 
يا الهي ؟ جَمدت نظراتي واهتزت خلجات قلبي ذعراً وأنا انظر الى قرص الشمس وقد غطته ملايين البقع البنية . ملايين الجنادب تنقضُ على الأرض والزرع وتجرد الأرض جرداً ولا تتركها الا بعد أن تمتص منها اللون الأخضر.
 
 قبضت يد أخي المذعور كحالي وجررته جراً الى عرق زيتونة قديمة قريبة بعد أن جَمدت البسمة البريئة عن شفتيه وعلتها سحنة خوف وذعر شلت كيانه كله . هكذا مرت الدقائق الرهيبة ونحن نتابع المشهد العبثي الغريب الذي لم نعرف له تفسيرا . قضت الجنادب على الزرع تماما وتعلق منها الكثير فوق أغصان الزيتونة التي احتمينا بها ملتصقين وأنا أحاول طمأنة أخي الذي تحول ضحكه الى بكاء مرير لا قرار له. ركض جارنا العجوز نحونا صائحا بأعلى صوته
 
" جراد .. أي والله جراد ..يا رب استر .. يا رب ارفع بلواك عنا " . أطلقنا ساقينا للريح باتجاه القرية لا نلوي على شيء.
 
في طريق العودة رأينا العجب. انقلبت الموازين واختلفت الصور. هاهي تلك المخلوقات الحقيرة تغطي كل شبر أمامنا . شعرنا بها تحت قدمينا مما زاد من الرعب في قلوبنا الصغيرة. هنا وهناك انطلق الفلاحون يولولون ويصرخون محاولين بالمعاول والعصي وحتى المكانس وكل ما تيسر لهم طرد تلك الحشرات التي أكلت زرعهم وقلوبهم . قلت لذاتي هل ما نراه يوم القيامة يوم الحشر والحساب؟؟ هل آتى بهذه الصورة الغربية ؟ هل وصلت تلك الكاسحات الصغيرة بيوت القرية وانتشرت في كرومها وعلى أشجارها المثمرة التي طالما سرقنا ثمارها الفجة؟ . كانت نوافذ القرية وأبوابها مُغلقة أمام هذا الجيش الزاحف الغريب . رأيت جارتنا العجوز تلوح بمكنستها من القش في وجه تلك المخلوقات القميئة في محاولة أخيرة في دفاعها عن حوض النعناع الذي رعته طيلة عمرها برموشها . وقفت أمي في ساحة الدار تنتظرنا بلهفة وروعة. احتضنتنا بقوة ودموعها غسلت وجهها الطيب. دخلت غرفتي ووقفت خلف زجاج النافذة أتابع استمرار تلك المأساة التي حلت بالقرية. أتت تلك المخلوقات الحقيرة من صحراء الجنوب ساعدتها الرياح الغربية في اقتحام الهضاب والسهول الخضراء حتى وصلت الى قريتنا الضائعة بين كروم الزيتون التي أحاطتها من كل مكان . غطت بملايينها عين الشمس الأحمر القاني الذي مال الى الغروب. مع سقوط الشعاع الأخير خفت حركة الجراد وتوقف القضم والقرض المخيف وهدأت الحركة تماما بعد أن أرخى الليل سدوله الواحد تلو الأخر.
 
تناهى الى سمعي صوت الرجال من مضافة المجاورة لغرفتي.
قال أبي " لم أر لهذا مثيلا في حياتي ..انها والله مصيبة على الجميع " .
قال أخر " آتت من الصحراء كالقضاء المحتوم .. انها آفة صحرواية لعينة " .
وقال ثالث " سمعت جدي رحمه الله يقول انه لا يترك الأرض الا بعد أن يقضي على كل شيء اخضر " .
وقال أكبرهم سنا " انه لا يقو على شجر الزيتون وهذه نعمة ورحمة "
دارت بنا السنون و الأحداث كعادتها مع بني البشر . مات أبي وانفض السمر وبقي يوم الجراد يوما مشهوداً في قريتنا . لم احسب أن أعيش يوما لأرى ذاك الذي غزا رأس الهلال الخصيب وبردا وقلعة حلب ومعّرة أبي العلاء . هاهو يأكل كسابقة الأخضر واليابس ويبعث اليباب والموت في قلب حضارة أقدم من الزمن و في حضن دارتها ويفتك في حوض نعناعها وقطوف ياسمينها وورودها الدمشقية التي نبتت من القلب وارتوت حُباً وشِعراً ومدنية وحضارة راقية وباقية . كففت عن الكلام حين قال ولدي الشاب الذي سمع قصتي واطرق وحَزن وهو يؤكد لي " صدقت يا أبي انه ذاك النوع الأخر ذي الصيرورة الجهنمية ..صنعته أبالسة الغرب وأتباعه السفلة منا الغارقين في ظلام العصور " .
 
د. فؤاد خطيب .