د. فؤاد خطيب

" لا يوجد في هذا العالم  نهر يجري
ما   يجري فيه هو الماء.
لا يوجد  في هذا العالم وقت يمضي
بل نمضي  نحن الى غير لقاء " .
 
  أوشك يوم صيفي  أخر  على الانسحاب من هذا العمر  الشقي  مُخلفاً  كعادته ألما وحسرة  ورثاء. أحسسته  ينزلق من بين أصابعي كحفنة ماء  ويتوه في ضياع  لا رجعة منه  بعد أن  أصبحت  صيرورته وأحداثه  ملكا  لهذا  الزمن الضائع . العمر أرجوحة  راقصة  بين المهد واللحد . تنطلق وتحلق ثم تعود وهكذا دواليك . تحاول اللحاق  بهذا الزمن الهارب. تلحقه  تارة  وتمسك بتلابيبه  وتمتطي صهوته  وتضحك منه  في سرها  وتارة أخرى يكون أسرع  منها مُنطلقاً  كحصان  جامح  يأبى الأسر والبقاء . يتوق كعادته ملايين السنين للحاق   ذاك الزمن   الأزلي   السرمدي   الذي لم  يتوقف  ولن يتوقف   عن مساره  الأبدي  ضاحكا منا ومن الشمس ومن الوجود كله .

الزمن  يختزن   في أبعاده  السحيقة طاقة هذا العالم   وسر الفناء وبدعة البعث . الشمس  والنجوم والكواكب  منارات  مُضيئة   شاهدة على رحلته  منذ  لحظة الخلق  الى لحظة  الفناء. الزمن سر الخلود .  مُعظمنا يتوه كأشعة  ومضت  ردحاً  وانتهت  في عتم الأبدية وبعضنا  يواصل  رحلته معه الى الخلود. زمننا لحظات  جميلة  وسعيدة  في بحر من الظلمات  يعبث  بسفينته  الباحثة أبدا  عن لحن الرجوع الأخير.
ركبت   حفيدتي  لارا هذا الزمن ثلاث مرات، عمرها كعمر الورد والزنبق. تفتحت  وتصّورت  وهاهي  تركبُ  الأرجوحة  بين  فروع الزيتونه العتيقة  بصحن الدار وكأنني بحال   تلك الفروع  الريّانة  التي تَحضنها  تُبعث لتوها للحياة  وهي ترقص نشوانة   فرحة   مع أرجوحة لارا  تنطلق تحت الأغصان الريانة  وتعود لتنطلق من جديد .

  شعرها   الأشقر من تبر عتيق  يرقص ويطير كالشلال   بنسمات البحر التي  حملت  له قبلات اللجج  الزرقاء . يتعطر من شذى الليمون والورد الجوري الدمشقي  وشذى الريحان . مقلتاها  تتابعان  الحدث بدورهما ، حدث  هذا الوجود الجميل . كانت  لارا  تعلوا فوق الزنابق  وفوق نافورة المياه  وتغيب  في ذاك الجمال الرباني  الذي تجلى  بعظمته كلها  في  لحظات الغسق الجميل. لارا  بأعوامها  الثلاثة اعتلت ناصية   ذاك الزمن . رأيتها  حينها  راقصة  من قمة الى قمة  وشعرها متطايراً  عابثاً  رائعاً  على وقع النسيم  البحري الآتي  ربما منذ بداية الزمن. أرجوحة عمري مازالت تدور ، تعلوا وتهبط  من قمم الزمن  الى وديانه السحيقة. أصبحت واهية متعلقة بعباءة الزمن الذي  انفتح  عن زمني  العابث  بي في متاهات عمر يبحث دوما فيه عن بقايا  زمني .

لارا   بضحكاتها  البريئة  سَخرت من  الزمن  ودارت به  وقفزت رغماً عنه من قمة الى أخرى . زمنها  غير زمني ، لم يكن صامتاً هائما ً بل  فرحاناً  مُغرداً  جاعلاً من ذاته   مَطية للركوب  تفعل  الصغيرة  به ما تشاء. تارة تدلله وتغني له  وتارة تُعنفه  وأخرى  تسخرُ منه وتتركه على حبال أرجوحتها   عبداً مأموراً  تدوسه بأقدامها  الصغيرة  تُطوعه وتَعجنه  وتصوره  على وقع  أقوالها  البريئة  وهواجس  أحلامها الصغيرة. لارا   الصغيرة   في  ركوبها الزمن  كحال  سلفادور دالي   الذي بدوره  قهر الزمن  ،   عجنه وخبزه  وخَرقَ حُرماته كلها  . جَعله يذوب   وينصهر  مثل  ساعاتة التي رسمها  بأبدع الصور. أصبح الزمن طوع بنانه . هاهي ساعاته  تذوب   في صحراء الزمن  وهاهي تنزلق كعجينة على حفاف  طاولة ابداعه العبقري  هاهي    مُهشمة الملامح في كوة بعيدة لنور انطفأ  وخبا  خلف لوحاته  التي كونت زمنا جديدا، زمن  رسام  عبقري  عابر للزمن  مسابقا اياه  الى الخلود نحو الزمن الأبدي  الذي  هو  نهاية كل شيء  وناهية كل الأزمان .
قالت لي الصغيرة  وهي راقصة  على أرجوحتها  من خلف خصلات  شعرها  ودوائره   الذي  أخاله  سلا سلاًًً   من  ذهب عتيق  خَلفته وأودعته  فيها  شمس الغروب أمانة  وهي هاربة منهوكة  تبحث عن لجة زرقاء  باردة تنام فيها ليلها لتعود  أشعة صباحية ساحرة مخترقة أ كواز الصبار المُصفرة الباقية أبدا  على صدر فلسطين ما  بقيت فلسطين وبقي  هذا العالم .
قالت  " سيدي .. الشمس غابت هناك .. وين راحت " .
قلت  لها "   انها ذاهبة الى مرقدها لترتاح بعد يوم هَدَ  حيلها " .
قالت  "  سيدي  شوف  انها  حمراء .. مثل حز البطيخ  " .
قلت "   نعم انها وراء غيمة اعتمرتها  لتحد  من لهيبها   الذي  يوشك أن يخبو".
قالت "  ألا تخاف  الشمس  موج البحر ولججه ورمله .. وذاك الحوت " .
قلت  " نعم هناك  يا صغيرتي أباها  .. وهو حوت عملاق   يبتلعها  الى جوفه  ويأخذها الى الأعماق .. ثم يلفظها  صباحا  هناك  فوق التلال الشرقية " .

نظرت  الى الشرق  باحثا  عن  تلال أشجار البلوط  التي  تركنا بين أغصانها  بضعا من زمننا الشقي. أنزلتها   عن الأرجوحة  وضممتها الى صدري وقبلت وجنتيها وشممت  خصلات   شعرها  وأشرت الى قمر آب   الذي أصبح بدرا  فوق سطحنا القديم   كدت ألامسه  بأناملي  وكانت  صغيرتي تهجع في  حضني . أخذتها مني عربة الوسن  المذهبة الى مرقدها  وهي ناعسة الطرف  انعقدت حول أجفانها  روعة هذا الوجود الجميل الآتي ولا محالة مرة أخرى مع شمس الصباح .

د. فؤاد  خطيب.

مهداة  الى حفيدتي  لارا   في عيدها الثالث.
والى جميع أطفال   فلسطين الذين بقوا  هناك في ليلة غاب قمرها والذين
قَصفت  أراجيحهم وأحلامهم  وأعمارهم  صواريخ الحقد الهمجية الخارجة
عن زمن البشر العادي   وعن  نواميس  وشرائع البشر في كل زمان  ومكان .