بقلم: ميسون أسدي

عجّت قاعة الأفراح بالمحتفلين بزواج ريتا وإدوار. معظم الروّاد من أقارب وأصدقاء العريس.. لم تهتم ندى- والدة العروس- بأن تبالغ في دعوة معارفها، ممّا لفت نظر مديرتها في العمل، فبعد أن انشغل المدعوون بالرّقص والأكل والأحاديث الجانبية، جلست ندى على الطاولة لوحدها، واضعة يدها على خدّها، تنظر لما يحدث حولها بحزن، سارحة بعيدًا.. اقتربت المديرة من ندى وسألتها: ما بك يا ندى، لماذا أنت مهمومة، بماذا تفكرين؟

نظرت ندى إلى مديرتها وقد فرّت دمعة من عينها وبقيت صامتة، لا تجرأ على الحديث، فما كان من المديرة إلا أن ضمّتها ووضعت رأسها على صدرها، عندها انفجرت ندى بالبكاء..
- هدّئي من روعك يا ندى، هيّا، قولي لي لماذا تبكين؟
**
قبل ذلك، لم تتحدّث ندى مع مديرتها بأمور شخصية. كانت العلاقة بينهما علاقة عمل لا أكثر، لكنها اليوم بحاجة ماسّة لمن تفضفض له.. طلبت منها المديرة أن يخرجا معًا خارج القاعة، حيث يوجد شرفة للمدخنين، حملت معها كأسين من النبيذ، وجلستا على الشرفة وبدأت ندى بالحديث، دون استئذان:
- هل رأيت يا حضرة المديرة الرجل الذي كان يقف مع زوجته يستقبل المدعوين في بداية الحفل؟
- نعم، كنت أريد أن أسألك عنه..
- هذا زوجي السابق مايكل، ومعه زوجته الحالية..
- أنا أعرف إنّك مطلقة منذ سنوات عديدة، ولم أسألك عن الأسباب أبدًا، لأنني لا أتدخل بشؤون الآخرين، وإذا كنت تودّين الحديث عن ذلك، فكلّي آذان صاغية..
- غبائي وسذاجتي هما السبب بكل ما حدث لي..
- كيف كان ذلك، اروي لي القصة من البداية..
***
الخوري: ما هي طلباتك يا ابنتي؟
- أريد زوجي وابنائي وبيتي..أريد أن أحمي بيتي..
الخوري: ما هي طلباتك يا بني؟
- أريد حريتي..
الخوري: ماذا تقصد يا بني؟
- لا تملك زوجتي قابلية للجنس.. زوجتي باردة جنسيًّا..
فزّ أبي عن كرسيه وقال لزوجي: بدّك مائة عبد يدكّوك، وليس زوجة صالحة كأبنتي.
حاول الخوري تهدئة الوضع وطلب محامي زوجي تعويضًا ماليًا لموكله، بسبب الإهانة التي تلقاها من والدي داخل المحكمة الكنسيّة، ولكن الخوري تدخّل وأصلح الوضع.
**
كنت ما أزال في السنة الثانية، أدرس موضع العمل الاجتماعي في الجامعة العبرية في القدس، عندما تقدم مايكل لخطبتي. قرر أهل مايكل أن تكون الخطبة بسيطة وأن تتشارك عائلتينا على تحضير البوفيه. طلبت أم مايكل من أمي أن تحضر الكبّة المقليّة وصفيحة اللحمة واطباق الجبنة وغيرها من المقبّلات والمعجّنات الصعبة التحضير. وأخذ أهل مايكل على عاتقهم تحضير الأشياء الخفيفة. تعهّد مايكل بتحضير بوفية المشروبات الروحيّة، فعائلته معروفة بعشقها للكحول. قاموا بشراء أغلى المشروبات الروحيّة على أنواعها، وافخم انواع الشوكلاطة المستوردة، وطلبوا من أهلي المشاركة بدفع ثمنها.
**
عمل والدي جنائني عند مقاول يهودي وكانت أجرته بسيطة جدًا. بينما كانت أمي مدبّرة منزل قديرة. صنعت أنواع الكعك والمأكولات البيتية. باعت كعكها وطبائخها للسيدات العاملات من عرب ويهود في مدينة عكا.
وعدني مايكل خلال الخطبة أن يشتري لنا بيتا قبل الزواج، لكنه لم يف بوعده، فاضطررنا لاستئجار بيت صغير لمدة ثلاث سنوات في عكا الجديدة.
في صبيحة يوم الدخلة، ذهبت مع زوجي مايكل إلى بيت أهلي؟ طرقت الباب ففتحت امي منزعجة ومتسائلة: كيف صحوتما باكرا وانتما عريسان جديدان!
دخلت أمي إلى المطبخ لتحضر فنجان شاي لي ولمايكل. لحقت بها وقلت لها: مايكل لا يشرب الشاي.
اقتربت من امي وقلت لها بتلعثم: أريد نقوط عرسي يا أمي.
- لا يمكن يا ابنتي، فأنا لم افتح المظاريف حتى الآن. عليّ ان أسجل أسم المهنئ والمبلغ الذي وضعه في الظرف، فهذا دين عليّ يا ابنتي، وعليّ ان أرجعه للمهنئ عندما يزوّج ابنائه وبناته. 
رجعت إلى مايكل في الصالون وحدثته بما قالته أمي، ثم عدت ثانية إلى المطبخ وقلت لأمي: مايكل سيفتح المظاريف وسيسجل لك جميع الأسماء.
فتح مايكل المظاريف. أخذ يسحب منها النقود ويضعها تحت ساقه. ويرمي بالمغلفات أرضًا. كان ينتقد كل صاحب مظروف- هذا بخيل، هذا واطي، هذا أزعر، هذا سخي هذا وهذا وهذا الخ...
سافرنا لقضاء شهر العسل في هولندا، ولكن ما لبثنا أن عدنا بعد ثلاثة أيام،لأن مايكل لم يحب هولندا، وهذا أثار حفيظة أهلي.
**
احتفظت أمي لي ولإخوتي بمبالغ من المال في البنك تكفي لتعليمنا، فمنذ نعومة أظفارنا وأمي تطبخ وتخبز الكعك لبيوت عديدة في عكا. كانت تجني مال أكثر من والدي..
تضايق مايكل كثيرًا عندما كان يعود إلى البيت ويجدني منكبّة على القراءة والتحضير لدراستي العليا.. فاجأت أمي عندما انقطعت عن التعليم الجامعي.
اتصلت امي بزوجي لتسأل عن سبب تركي للجامعة، فقال لها بأن وضعنا المادي لا يسمح بذلك، وعندها علمت، بأنني سحبت كل المبلغ الذي خصصته لتعليمي من البنك بإيعاز من زوجي بعد أن قدّمت للبنك كل الاوراق المطلوبة.
**
وصلتني عدّة أخبار عن زوجي بأنه على علاقة سرّيّة ودائمة مع شابة يهودية ويذهب إليها دائما. ثم وصلتني أخبار مشابهة عن علاقاته مع عدّة نساء اخريات.
كان يطلب أن اعطيه راتبي كله بحجّة أنه سيصلح سيارتي. وكان يركن السيارة لعدة أيام متواصلة في الساحة الخلفية للكنيسة ويذهب إلى عمله سيرًا على الاقدام، وقد اكتشفنا الأمر عندما اتصل عامل الكنيسة بأبي ليسأل عن سبب وضع سيارتي في مرآب الكنيسة منذ أسبوع.
وأخيرًا جاء الخبر اليقين.. وأخبرني مايكل بأنه ينوي تركي، سألته عن السبب، فقال أن صديقته حامل منه ولا يريد أن يكون ابنه لقيطا..
لم أفهم كيف سيستغني عن ابنائه من أجل ابن عشيقته. اتصلت بأمي واخبرتها بما حدث وقلت لها سآتي للإقامة عندها، فقالت أمي: اهلا وسهلا بك دائما يا ابنتي فانت وحيدتي اقعدي شهر انت وابنائك حتى يتعلم زوجك درسًا لا ينساه..
امتدّ هذا الشهر وبقيت في بيت أمي تسعة أعوام متواصلة. عدت إليها وأنا في جيل 25 عامًا ومعي أربعة أولاد. اهتمت أمي برعايتنا ومساعدتي مع أبنائي. أنهيت دراستي الجامعية وكبر ابنائي.. وها هي ابنتي تتزوج الآن..
***
أشعلت المديرة سيجارة لها وأخرى لندى، وقالت لها: يجب أن تكوني سعيدة، لأنك ابتعدت عن هذا الطامع المستغل، ولأنك نجحت بتربية أولادك الأربعة كما يجب..
- أخاف يا حضرة المديرة أن يحدث لابنتي ما حدث معي..
- لا أصدق خوفك هذا، فالعريس من أغنياء الشمال، ويمكنه أن يتزوج أية فتاة، لكنه اختار ابنتك لأنه يحبها.. انت تفكرين بأمر آخر غير الذي قلتيه..
نظرت ندى إلى مديرتها بإحراج وكأن أحد قبض عليها متلبّسة بجريمة ما، وقالت متلعثمة: أنا لست راهبة، أنا إنسانة عاديّة، أحب ما تحبه جميع النساء، وأحسد كل النساء اللواتي يقمن علاقة مع الرجال، حتى أنني أحسد ابنتي على زوجها الجميل.أريد علاقة مع رجل، لا أريد الزواج، لكن وضعي الاجتماعي لا يسمح لي بتحقيق رغباتي.
تأمّلت المديرة ندى، وقالت بنبرة حب عميقة: لا تقلقي يا حبيبتي ندى فأنت جميلة جدًّا، وما زلت قادرة على تحقيق آمالك. عندما تنتهين من زواج ابنتك وتعودين للعمل عندنا في الشركة سأساعدك على تحقيق رغبتك بكل الطرق.
**
بعد عودة ندى إلى عملها، لاحظ كل من يعمل في الشركة التغيير الذي طرأ عليها، فقد أصبحت مرحة واجتماعيّة مع الجميع، ولم تعد علاقتها بالمديرة مجرّد علاقة عمل، أصبحا من أعز الأصدقاء، ولم يدر أحد بما قدمته المديرة لندى من مساعدة.