على الرغم من صدور كتاب “الثابت والمتحول”، للشاعر السوري أدونيس، في طبعته الأولى، عام 1973، إلا أنه ومع كل طبعة جديدة لهذا الكتاب الضخم، بأجزائه الأربعة، وصفحاته التي تتجاوز 1600 صفحة، يعاد الحديث حول السجال الفكري، ودوائر الرفض والقبول المتعددة، التي أحدثها عند صدوره، وطرحه بعنفوان فكري، على الساحة الثقافية العربية آنذاك.

وكشف المفكر والشاعر السوري أدونيس عن أنه في أوائل فبراير/شباط القادم، سيكون في مصر، للاحتفاء بكتابه “الثابت والمتحول” في طبعته الجديدة، التي ستصدر في 4 أجزاء عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، بعد أن يكون وقع في العاصمة اليونانية، كتابيه الجديدين “الإسلام والعنف”، و”مختارات من شعر أدونيس”، الصادرين باللغة اليونانية.

البداية عند الشاعر الكبير أدونيس في كتابه اللغز “الثابت والمتحول”، تتبلور في إيمانه العميق، بماهية الفكر أو الإبداع، وليس الاتباع، فهو يرى أن فكر الإنسان لا يولد إلا في تعارض مع فكر إنسان آخر، فإذا لم يكن تعارضًا لا يكون فكرًا، بل يكون تقليدًا وفي أحسن الحالات، شرحًا وتفسيرًا.

وبناء على تلك الفرضية الذهنية، يجد أدونيس، أنه بما أن الثقافة العربية، بشكلها الموروث السائد، ذات مبنى ديني، وهو هنا يعني أنها ثقافة اتباعية، لا تؤكد الاتباع فحسب، وإنما ترفض الإبداع وتدينه، فإن هذه الثقافة تحول، بهذا الشكل الموروث السائد، دون أي تقدم حقيقي، ولا يمكن، بتعبير آخر، كما يبدو لأدونيس، أن تنهض الحياة العربية، ويبدع الإنسان العربي، إذا لم تتهدم البنية التقليدية السائدة للفكر العربي، وتتغير كيفية النظر والفهم التي وجهت هذا الفكر، ولا تزال توجهه.

والشاعر علي أحمد سعيد إسبر، المعروف بـ “أدونيس”، المولود عام 1930 بقرية “قصابين” بمحافظة اللاذقية في سوريا، والذي قام عام 1948 بتغيير اسمه إلى “أدونيس” تيمناً باسم آلهة من آلهات الفينيقيين، يجسد الربيع والإخصاب لدى الكنعانيين والإغريق، وكان يصور كشاب رائع الجمال.

“أدونيس” لم يعرف مدرسة نظامية قبل سن الثالثة عشرة، وحفظ القرآن على يد أبيه، كما حفظ عددًا كبيرًا من قصائد القدامى، ويشير في كتابه المهم “الثابت والمتحول” إلى أنه قراءة جديدة ومختلفة لتاريخنا الديني، السياسي، والثقافي، مستعرضًا النيات التي قوبل بها الكتاب والجهل بمقاصده، وحاول أن يضعه في سياقه، حين تحدث عن ظرف كتابته بقوله: “كان الصراع محتدماً وحاداً بين القائلين بالتغيير والتجديد والعاملين على استمرار القديم”، وهذا يفسر تقبل الكتاب بغضب، كما يبرر حماسته وجرأته بوضعه ضمن ذاك الصراع الحاد، بين المقلدين والمجددين.


ويؤكد أدونيس أنّ طابع الثقافية العربية، بين منتصف القرن الثاني، ونهاية القرن الثالث للهجرة، إنما هو الصراع بين العقل والنقل، التجديد والتقليد، الإسلاموية والعروبوية، أي بين اتجاهات دينية تقليدية واتجاهات عقلية تجريبية، إضافة إلى الانقلاب المعرفي الجذري، المتمثل في الحركة الصوفية.

ويتعرض الكتاب لهذا الصراع، بمختلف أشكاله ومستوياته، وأبعاده، في الثقافة العربية، على امتداد الفترة الزمنية المذكورة، ويتوقف طويلاً عند مفهوم الحداثة، كما أسس لها الشعراء العرب في هذه الفترة.

ويتنبأ أدونيس ويحذر من حالة الجمود التي تنتاب الفكر العربي، فمنذ نحو 33 عاماً، أي وقت صدور الطبعة الأولى للكتاب، يقول بين صفحاته: “إننا اليوم نمارس الحداثة الغربية، على مستوى تحسين الحياة اليومية ووسائله، ولكننا نرفضها على مستوى تحسين الفكر والعقل ووسائل هذا التحسين، أي أننا نأخذ المنجزات ونرفض المبادئ العقلية التي أدت إلى ابتكارها، إنه التلفيق الذي ينخر الإنسان العربي من الداخل، ولئن كان علامة على انهيار الفكر الفلسفي العربي في مرحلة التوفيق بين الدين والفلسفة، فإنه اليوم يبدو إيذانا بانهيار الشخصية العربية ذاتها”.

وفي دراسة تحليلية لكتاب أدونيس “الثابت والمتحول” يقدم الناقد الدكتور، حاتم الصكر، ما طرحه الكتاب على هذا النحو: “يضع أدونيس كثيرًا من المقترحات، وهو يستعرض جدل الثابت والمتحول ثقافيًا، ولكن صدمة الحداثة التي يتحدث عنها الكتاب، إشكالية “مشكلية” بتعبير أدونيس، قادمة من السؤال عن الباقي لنا كخصوصية مميزة، وهي ليست حضارية فحسب بل مصيرية، وعلى الفكر العربي مجابهتها من داخل الثقافة العربية أو الحضارة العربية ذاتها، وهذا ما يسميه صدمة الحداثة التي تفرض علينا أن نواجه أنفسنا ونعرف ما كنا ومن نحن؟ من أجل أن نعرف ما نكون؟ وهذا هو الجانب النقدي في التحول والتجديد الذي بخلاف البنى الثابتة والمهيمنة بقوة خطابها المدعوم اجتماعيًا ودينيًا ترفضه وتصادر حق الفرد فيه، كما يبرز دور المبدع الخلاق القادر على توجيه الأسئلة لماضيه وحاضره”.

الجدل والسجال الفكري الذي أحدثه كتاب “الثابت والمتحول” جعل عددا لا يستهان به من المفكرين يعتبره من أكثر الشعراء العرب إثارة للجدل، فمنذ ديوانه “أغاني مهيار الدمشقي”، استطاع أدونيس بلورة منهج جديد في الشعر العربي يقوم على توظيف اللغة على نحو فيه قدر كبير من الإبداع والتجريب تسمو على الاستخدامات التقليدية دون أن يخرج أبداً عن اللغة العربية الفصحى ومقاييسها النحوية.

يذكر أن أدونيس درّس في الجامعة اللبنانية، ونال درجة الدكتوراه في الأدب عام 1973 من جامعة القديس يوسف، عن أطروحته “الثابت والمتحول” والتي طبعت في الكتاب الذي بصدد عرضه اليوم، وبعنوان رسالة الدكتوراه نفسه “الثابت والمتحول”، بدءاً من عام 1955، تكررت دعوته كأستاذ زائر إلى جامعات ومراكز للبحث في فرنسا وسويسرا والولايات المتحدة وألمانيا، وحصل على عدد من الجوائز العالمية وألقاب التكريم وتُرجمت أعماله إلى 13 لغة.