بقلم: المؤلّف الموسيقي وسام م. جبران

1- الميّزات الإستراتيجيّة للإنسان "الدُّنْيَويّ"، والتي تقدّم مفتاحاً لاهتماماته النظريّة وقناعاته الثقافيّة، هي ما تشكّل مفارقة الهويّة لدى إنسانٍ "دُنيويّ" مَثَلَ إدوارد سعيد.
2- ثقافيّاً، تكتسب هُويّة إدوارد سعيد وتشكيلات بُنيانها، بوصفها نوعاً من نَصٍّ، طبيعة النصّ كما فهمه إدوارد سعيد على أنّه وَعْدٌ باكتساب شبكةٍ واسعةٍ من الإندماجات بالثقافات والوجود.
موسيقيّاً، لا يمكن فهم إدوارد سعيد؛ مواقفه، نظريّاته وآرائه إلاّ من خلال فهم آليّة عمل هذه الإندماجات ووسائل هذا النسيج في التشكّل وفي التأثير والتأثّر خارجيّاً (مع مكونات نشوئه)، وداخليّاً (في حواره مع نفسه). فإدوارد سعيد مفكرٌ انشغل في "الهمّ الموسيقيّ" (كونه موسيقيّاً بنفسه) وكتب عدداً من الدراسات والمقالات الأكاديميّة الهامّة في هذا المضمار، وهو جانب لا يمكن تجاهله في مكتبة إدوارد سعيد وفي وجدانه. كما لا يمكن الفصل ما بين فكره العام وانشغالاته الثقافيّة عموماً وما بين فهمه لمعنى "الموسيقى" والممارسة الموسيقيّة.
3- إذا كانت الأعمال الموسيقيّة شكلاً من أشكال "تمثيل" الواقع، فبالنّسبة لإدوارد سعيد، الواقع هو أحد أمارات النصِّيَّةِ ذاتها، وهو أحد أهم ملامح دنيويّة النصّ، دون أن يقتصر الأمر على الحديث عن "تمثيلٍ ما مُهيمِن" يُسْكِتُ الواقع ويُواريه، بل يتجاوز الأمر ذلك الى الصّراعات بين التمثيلات المتعدّدة فيما بينها.
هذه الخاصيّة، هي ربّما أكثر ما يعني إدوارد سعيد في "نظرته الى الموسيقى"، ولكن ، يبقى في هذه النظرة منطلقٌ غربيٌّ ثقافيّاً، يرتكز الى أن العمل الموسيقيّ يخضع بالضّرورة لقوانين النّصّ ومنطقه، اللهمَّ إلاّ إذا تجاوز مفهوم النصّ وتعريفه مجال التدوين كآليّة لها تداعياتها على الفكر والمفكّر وموضوع وأدوات فكره ضمن سيرورة التدوين ذاتها. أقول هذا لأنّ الموسيقى الشرقيّة التقليديّة، على سبيل المثال، لا تخضع لذهنيّة التّدوين وتداعياتها؛ إنّها ليست "تمثيلاً ما" للواقع  بمقدار ما هي "مُعايشّةً ما" لواقعٍ ما محدَّد، وهذا الفارق، ربما غاب عن جدليّات إدوارد سعيد، الذي اعتمد مرجعياتٍ غربيّة محضة في دراساته وفي تشكيل مواقفه من الموسيقى والموسيقيّ.
4- من هنا، فالموسيقي الشرقيّ التقليديّ، يبقى خارج مدار العلاقة الجدليّة بين الإنسان والوجود، ثقافيّاً، في نظر إدوارد سعيد (كما أفهمه)، بل أكثر من ذلك، فهو العاجز دائماً عن تمثيل ذاته لأنّه "خارج النّصّ" وخارج الإندماجات بالعالم وبالثقافات. (هذه مسألة تستحقّ دراسة من منطلقات ما زالت غائبة عن ساحة البحث).
5- فايمر، آب 1999:
في حديثٍ دار بيني وبين إدوارد سعيد حول هذا الموضوع، كان في زبدة ما أراد قوله لي، أنّه غير معنيٍّ بموسيقيٍّ غير قادرٍ أو قابلٍ أو راغبٍ في الإنفتاح على الآخر..
ولكن، في هذه القناعة إدّعاءٌ بوجود آخرٍ ما حتميّ في حياة كلٍّ منّا، وعلى كلّ حال، وكي لا أطيل الشرح، فالآخر الوحيد المُفترض بالنسبة للشرقيّ العربيّ (الآن) هو ذلك الآخر الغربيّ المُندمج من طبقات جلده السطحيّة حتى أعمق قرارات نفسه في دوامة الغرب الإستعماري الكولونياليّ الإمبرياليّ، والذي لا يمكن فهم "الإنفتاح" في أفقه خارج دوائر مصالحه. كما أنّ، لاحظوا، ما هو الإنفتاح حين يكون مطلباً غربيّاً؟!
الإنفتاح على مَنْ؟ وكيف؟ ولماذا؟ وضمن أيّة شروط؟
كل هذه أسئلةٌ، لا تلغي أهميّة الإنفتاح، لكنّها مطروحة كي لا تبقيه ساذجاً وأحاديّ الجانب ومُندفعاً دون وقفات نقديّة وتأمليّة عميقة ومتشعّبة الإتجاهات.
6- من هنا، نجد أن مشروع إدوارد سعيد _ بارنبويم المستمر اليوم (بدون إدوارد سعيد) هو مشروع إنغلاقيّ بامتياز، منشغل بكليّته بثقافةٍ غربيّةٍ واحدة (وهي ليست ثقافة عالميّة كما يحلو للبعض تسميتها، بل هي ثقافة نخبويّة بامتياز) وقد لا يجد البعض تناقضاً بين النُّخبويّة والعالميّة، ولكن الإختلاف موجود بلا شكّ. من هنا، وحرصاً على فكر وثقافة إدوارد سعيد، التي تؤسس للنقد ونقد النقد والمساءلة والتشكيك والإنفتاح المسؤول لا الإنفتاح الإنبطاحيّ، واستيعاب الآخر انطلاقاً من حبّ وتقدير الذّات، لا الإنصهار في الآخر انطلاقاً من كره الذّات واحتقارها؛ أعني الذات الثقافيّة.
7- أخيراً، هناك ثقافات لا تعرف "الآخر"، وغير مُنفتحة أو معنيّة بما يحدث "هناك". إنّها ثقافات بامتياز. إنّها صنيعٌ بشريّ. إنها أشكال عديدة من التعايش مع الواقع. إنها وجودٌ ما غير مرتبط بشروط "آخرٍ".
ربما، "الآخر" معنيٌّ بها أكثر مما هي معنيّةٌ به.
إنّها أُنثى وعذراءٌ، فكيف لا تستثير ذكوريّة "الآخر"؟!
(الناصرة، أيلول 2006(