بقلم: ناجي ظاهر

*يعتبر كتاب" فعل الإبداع الفني عند نجيب محفوظ- التهيئة والإطار" للكاتب الدكتور عزت قرني، محاولة طيبة، للكشف عن أسس العملية الكتابية الإبداعية عند الكاتب العربي المصري الراحل حديثا نجيب محفوظ(1912- 2006).
يعتمد مؤلف الكتاب في تأليفه له، كما يقول في تقديمه، على كتاب سجله الكاتب جمال الغيطاني أثناء لقاءات أجراها مع محفوظ، وأطلق عليه عنوان " نجيب محفوظ يتذكر".
 ويسوغ المؤلف اعتماده هذا على عدد من الأمور، أهمها أن محفوظ قرأ الكتاب، قبل طباعته ووافق على ما ورد فيه نقلا عنه.
يتطرق المؤلف في الفصل الأول من كتابه، الصادر في العام الماضي ضمن منشورات" الهيئة العامة المصرية للكتاب"، للمكونات التي تشكلت منها شخصية محفوظ، ويتحدث بداية عن أسرته، فيقول إن محفوظ يتحدث عن والدته أكثر مما يتحدث عن والده، دليل التأثر الشديد، وربما الأشد بها، ويوضح أنها كانت تحب أن تقوم بزيارة ألاماكن التاريخية، وأنها كانت على العكس من السيدة أمينة في ثلاثية محفوظ المشهورة، خاصة جزءها الأول" بين القصرين"، أما والد محفوظ فكان شخصية تقليدية لا يسهر خارج البيت في الأسبوع سوى ليلة واحدة، ويقول فيما يتعلق بالكتب في بيت محفوظ، إنه لم يكن في بيته كتب، وان الكتاب الوحيد الذي شاهده في طفولته كان" حديث عيسى ابن هشام للمويلحي، وربما وصل الكتاب إلى بيته بسبب علاقة ما ربطت بين والده وبين المويلحي.
تعرف محفوظ فيما بعد، أيام كان في العاشرة من عمره، على رواية للكاتب الإنجليزي بن جونسن، وتأثر بها واخذ يقلدها ويقلد سواها مما قراه من الروايات، وهكذا تعرف إلى الكتاب وعالمه، وحينما وصل محفوظ إلى مرحلة الدراسة الجامعية درس الفلسفة على يد الكاتب الأستاذ المعروف على عبد الرازق.
وتأثر محفوظ بالأجواء السياسية السائدة في بيته، إذ كان، إذا ما ذكر اسم زعيم حزب الوفد المصري آنذاك، في العشرينات من القرن الماضي، سعد زغلول، فانه إنما يذكر بنوع من التقدير والاحترام، ويخلص المؤلف من هذا كله إلى أن محفوظ، ربط نفسه دائما بجماعته وان الدافع الوطني الذي اشرب عليه منذ طفولته بقي دائما إطارا معنويا ومركبا هدفيا للإنتاج، ويؤكد المؤلف أن هذا الهدف يظهر في حنين محفوظ الدائم إلى حي الجمالية( نسبة إلى بدر الدين الجمالي" أمير الجيوش" والقائد المشهور في العصر الفاطمي وباني أسوار القاهرة) هذا الحي الذي عاش فيه وتعرف إلى نماذج عديدة ستظهر في كتاباته فيما بعد، حتى انتقاله مع ذويه إلى حي العباسية، وهو في الثانية عشرة من عمره.
ويهيئ محفوظ، كما يظهر عبر تذكره في كتاب الغيطاني، كما يقول قرني، ذاته للكتابة أيما تهيئ، فهو يخطط للرواية التي يريد أن يكتبها ويولي الصنعة أهمية قصوى، كما انه يلزم نفسه بالكتابة من ساعتين إلى ثلاث ساعات يوميا، عادة ما تكون بين الخامسة مساء والثامنة، وهو لا يعيد قراءة ما كتبه وإنما يستمر في " النبرة" والإحداث التي سبق وخطط لها، بل وحضر لها الملفات الكاملة، كما فعل حينما كتب ثلاثيته ابتداء من عام 1955 مثلا، وأمضى في كتابتها أعواما ثلاثا أو أربعا من العمل اليومي المنهك.
ويحرص محفوظ على ألا يقرا كتابات روائية لآخرين خلال كتابته، كي لا يتأثر بها، ويلزم نفسه بتقسيم وقته تقسيما ملزما، حتى انه بامكانك أن تضبط ساعتك، عند دخوله إلى مقهاه المفضل" الفيشاوي" وان تضبطها حين مغادرته له!!
وينتظر محفوظ بعد الانتهاء من إنتاج عمله الأدبي، فترة ثم يعيد قراءته، يقول قرني: إن الهدف من الفترة التي يتركها محفوظ تمر بعد انتهائه من عمله، هو على ما يظن لسحب نفسه من جو العمل الذي فرغ للتو من إنهائه ليستطيع أن يعود إليه بنظرة موضوعية، من الخارج، وبأعصاب باردة.. هنا على ما يبدو يتحول الفنان إلى أول ناقد لعمله، أما عن النظرة التي يخرج بها محفوظ فانه يصفها بقوله، إنها تتمثل في جميع الحالات، بشعوره بالفرق بين التصور المبدئي وبين ما أنتجه فعلا، بين الطموح وبين ما تحقق، لكنه عدم رضي لا يؤدي إلى إلغاء ما كتبه.
 بعد أن تصدر الرواية، ينقل قرني عن محفوظ، يصبح العمل مستقلا عن الفنان، لهذا فان محفوظ لم يقرا أيا من رواياته، مرة أخرى، بعد صدورها.
أما فيما يتعلق بشخصية محفوظ، فإنها تتصف بنوع من الانطواء والميل إلى الإصغاء، توفيرا للطاقة والجهد، وهو لا يسعى إلى من يكتب إليهم من محرري الصحف التي يكتب فيها، وإنما يكتفي بإرسال ما يكتبه بواسطة البريد، أضف إلى هذا انه يتجنب رجال السياسية، ويذكر المؤلف أن محفوظ لم يلتق بالرئيس المصري البارز جمال عبد الناصر سوى ثلاث مرات قصيرة، أما فيما يتعلق بعلاقاته بأدباء عصره فقد كانت غير قائمة تقريبا، فهو لم يلتق بطه حسين سوى مرة واحدة حينما دعاه أنيس منصور، أما العقاد فلم يلتق به إطلاقا.
ويرى المؤلف أن السمات المتصلة بالطابع الشخصي لمحفوظ، فإنها تتجلى في احترام عظيم للذات والتواضع الجم، إضافة إلى اهتمام شديد بالاستقلال المعنوي، فمحفوظ يبين في كتاب الغيطاني صانعا لنفسه بنفسه، وان أحدا لم يدفعه ولم يسع آخر ليحميه أو ليأخذ بيده على أي من الأنحاء.
وهو شخص واثق من عمله يرى فيه مبررا لوجوده، ويرفض الالتزام بالكتابة الصحفية، رغم الإغراءات الكبيرة التي عرضت عليه، ويفضل ممارسة كتابته للرواية منطلقا في عوالمها التي يخلقها بأناة شديدة وبحرفية متمرسة.
ويقول قرني في كتابه عن محفوظ، إن الكتاب موضوع الدراسة " نجيب محفوظ يتذكر" يشير في نصه إلى عدد من الظواهر الهامة التي تصاحب نشاط الفنان إذا نظرنا إليه من منظور زمني عريض، يمكن تسميتها بظاهر" حالات الإنتاج" منها: "حب الفنان لعمله حد اعتباره أهم ما في حياته، بل اعتباره مهمة حياته كلها إن لم تكن هي هو وهو هي، ومنها ظاهرة التنظيم للنشاط زمنا وظرفا".