يحكى ان رجلاً من كرام القوم كان عنده ابن وحيد رباّه مربى الدلال, حتى بلغ سن الشباب, فكثر حوله الأصدقاء والأحباب. وكان كلما ما غاب ورجع قال لوالده : "اليوم ربحت صديقا جديداً".

فسأله ابوه يوماً عن أصدقائه, قال : " عندي اكثر من مئة صديق, كل واحد منهم يفتديني بحياته".

وفي إحدى الليالي رجع الابن من السهرة, د اباه ما زال سهران مضطرب الأفكار, قال: " يا ابني, وقع ما لم يكن في الحسبان, رأيت رجلاً يدخل حديقتنا تحت جنح الظلام. فخرجت اليه. فهجم عليّ فعالجته بضربة العصا. فسقط جثة هامدة".

وتنهد الرجل واستطرد : " هذه إرادة الله, وقد لففت جثة القتيل بحرام, ولبثت انتظر عودتك, لتذهب معي وتحضر نفراً من أصحاب النخوة من بين أصدقائك الكثيرين, لينقلوا الجثة الى مكان بعيد , لإبعاد الشبهة عنا".

فقال الابن: " ولا يهمك! عندي مئة صديق ليوم الضيق".

ومضى وطرق باب اقرب صديق, واخبره بما حدث, فقال هذا : "يا ليت في أمكنني أن أساعد, لأنني بعدما ان تركتك في المساء وقعت وفكشت رجلي".

فتركه وأوصاه ان لا يخبر احداً بما جرى, وقصد صديقاً آخر, فقال : "يؤسفني ان والدتي مريضة ولا استطيع ان اتركها".

فتركه وأوصاه ان لا يخبر احداً بما جرى, وراح يطرق أبواب الأصدقاء, وكلما طرق بابً, هب صاحبه مسرعاً, ظناً هنالك دعوة الى وليمة, او ما أشبه ذلك, حتى اذا علم بما جرى, بادر الى عذر ملفق.

وقبيل الفجر رجع الابن خائباً, وقال لأبيه : " أخيرا, تذكرت المثل الدارج الذي كنت دائماً تردده على مسمعي : " ما يحك جلدك غير ظفرك! فقم اذن نحمل جثة القتيل, انا وأنت ونلقيها في مكان بعيد".

قال الأب : "عندما وجدتك تأخرت, خشيتان يداهمنا الصباح, فوضعت القتيل في بئر البيت, فاذهب يا ابني ونم الآن, حتى مساء غد".

وقبل ان تشرق شمس ذلك النهار, كان كل صديق قد اخبر زوجته, وكل زوجة اخبرت امها, وكل امرأة أخبرت جارتها, وكل جارة ظنت انها اول من الم بالحقيقة : " انا اقول ان القتيل هو "فلان".... لا, لا, القتيل هو "فليتان".. لا فلان ولا فليتان, انه لا شك "عليتان".

واستيقظت القرية, ذلك الصباح, ذلك الصباح, قبل جاري عادتها.

وقبل ان يرمي صديقتا, بطل الحكاية, عقب سيكارته التسعين, ويرشف اخر شفّة من فنجان قهوة الثامن والثلاثين, بعد وقوع الحادثة, طوقت بيته ثلّة من رجال الدرك, ودخل القاضي والضابط والنائب العام والمختار ورئيس البلدية والناطور والكاهن, وإضافة الى بعض المتطفّلين والمتطفّلات والشامتين والشامتات.

وتقدم القاضي وقال : " نحن نعلم انك رجل عاقل نظيف السيرة, وليس لك سوابق, ولا بدّ ان تكون فعلت ما فعلت دفاعا عن النفس, فإذا اعترفت بالحقيقة وأرشدنا الى مكان الجثة, حاولنا ان نساعدك على قدر الإمكان".

قال الرجل, " لا يكون الا ما تريدون, الجثة في البئر, مروا من ياتي بها غرفة الطعام, وهناك تسمعون إفادتي".

ونزل اثنان من رجال الدرك الى البئر وجاؤوا بجثة ملففة بشرشف وحرام, ودخلوا بها الى غرفة الطعام, فاذا الصحون والكاسات ومختلف المازات والمقبّلات, في اماكنها على المائدة.

وتقدم الرجل ونضا الغطاء عن الجثة, فاذا هي خروف معلوف مسلوخ مجرم مهيّأ للضيوف.

فذهل القوم, وسألوا الرجل عن المناسبة, فقال : " هذه الوليمة أعددتها لأصدقاء ابني, الذين كنت انتظر نخوتهم في هذه الليلة ومجيئهم لمساعدة ابني, في إخفاء الجثة المزعومة, اما وقد تخلفوا جميعاً, وحضرتم انتم من غير ميعاد, فليأخذ كل واحد منكم مكاناً الى مائدتي ويستمع الى قصتي... ومن اراد ان يعتبر فليعتبر!".