بقلم: وسام م. جبران

*كيف ومن يقوم على صنع قوالب السلوك الثقافي في عالمنا اليوم، بحيث تعيش في "مدينة" تخلو من مَرافق الثقافة ولا يبدو الأمر لأحد على أنه غير عاديّ؟
مدينة الناصرة ليست مجرّد مجمّع سكني، وتاريخها، رغم ما تمرّ به اليوم من تراجع، يدعونا نتعامل مع هذا التراجع على أنه آنيّ عرضيّ، لكن يتوجّب التعامل معه بجديّة وبشجاعة نقديّة، ربما لم نعهدها من قبل في ثقافة التطبيل والتزمير، كي نتجاوز المرحلة وننقذ المستقبل من كوارث بتنا نستشعرها جميعاً.
يوماً بعد يوم، تتأكّد الوعود من قبل رئيس بلديّة الناصرة السيد رامز جرايسي، باقتراب موعد تنفيذ بعض المشاريع التي أعلن عنها قبل الإنتخابات الأخيرة وتحت شعار "الناصرة مدينة الثقافة"، ومنها: قصر الثقافة الذي سيوفر قاعات تدريب وقاعات عرض حديثة ومتطوّرة للعروض في جميع أنواع فنون المسرح والموسيقى والرقص الخ.. وبيت الموسيقى الذي سيشكل "كونسرفتواراً" حديثاً وعصرياً لا للمدينة وحسب.. وبالطبع، المعهد الثقافي البلدي الذي شُرع بترميمه منذ أسابيع خلت.
لا يمكن عدم أخذ هذه الوعود على محمل الجدّ، ومن واجب كل من يعتبر نفسه فناناً أو مثقفاً أو محباً ومؤمناً بهذه الرؤيا، التي لم تخرج بعد من طور الشعار، لا بد لهؤلاء أن يأخذوا أدوارهم في متابعة سير هذه المشاريع ومراقبة تنفيذها، بل وأكثر من ذلك، المساهمة والمبادرة، كلٌّ من موقعه وحسب قدراته، لمساعدة بلدية الناصرة ورئيسها ما داموا يعدون بها، فإما يثمر هذا الجهد وإما، وفي أسوأ الأحوال، سنضطر الى استخلاص نتائج أخرى.. المهم هو العنب في هذه الأمور وليس مناطحة الناطور كما يُقال.
ماذا يستطيع الفنان أو المثقف أن يفعل، وكيف له أن يساهم؟
نتحدث هنا عن مشاريع تمت المبادرة في شأنها وأصبحت في طور المصادقة المالية والتخطيط، وهذه مراحل صعبة لا يستهان بها، ولكن ماذا عن إمكانية استدراك بعض الأمور قبل التنفيذ، وماذا عن التنفيذ ثم التفعيل؟
هذه مراحل يمكننا جميعاً وبدون دعوةٍ من أحد أن نشارك فيها بخبراتنا وملاحظاتنا، وتقديم برامج عمل ومُقترحات وملاحظات أو حتى انتقادات بناءة على طاولة رئيس البلدية المفتوحة للجميع، وقبل أن أكتب هذه السطور كنت قد وضعت مسودّة برنامج متكاملٍ، أستعرض فيه تصوّري الشخصي عن هيكليّة وعمل قصر الثقافة المستقبلي في الناصرة (باللغة العبرية) وضعته على مكتب رئيس البلديّة (وبعد حوار مع السيد رامز جرايسي) علّه يُفيده ويدعمه في بلورة تصوّر نهائي مهني. كذلك تحدثت مع عدد من الفنانين والمثقفين الناشطين، وما زالت القائمة طويلة.. وفي رأيي المطلوب هو التجنّد والمساهمة وعدم التصرف وكأن الناصرة ليست لنا وأن هكذا مشاريع هي مكاسب سياسية تصب هنا أو هناك؛ قصر الثقافة قصرٌ لكل الناصرة بل وأكثر، وبيت الموسيقى هو بيتٌ لكل أطفال الناصرة، وربما أبعد من ذلك، الخ..
علينا أن ندعم هذه البلديّة ورئيسها ما دامت ترفع شعاراً رائعاً، وعلينا أن نأخذ دورنا ما دامت هناك مشاريع مصيريّة لشعب الناصرة، كهذه المشاريع، وعندما لا نجني العنب، يُصبح لكلّ حادثٍ حديث. أما التربّص ببلديّة الناصرة ورئيسها (أيّاً كان) فسياسة لا تصبّ في صالح الناصرة ولا تمتّ الى الثقافة بصلة، بل تُقحم مثل هذه المشاريع الى حلبة الصراع السياسي وتحكم عليها بالموت قبل ولادتها.
هكذا مشاريع يمكن أن تغيّر وجه مدينة، بل فيها تتحقّق شروط المدينة.
قصر الثقافة بوابة على العالم وإليه، ولكن ليس عالم التلفزيون ولا عالم الصراع السياسي والإقتصادي، ولا العوالم السُّفلى بأنواعها؛ انفتاحٌ على الفكر والجمال والإنسان الحرّ في كل بقاع الأرض. فيه سيلتقي الأوركسترات وموسيقيّوا العالم وفيه تتفاعل المسارح وتتخاصر الرقصات المتعددة الجنسيات. فيه سينفتح ابن الناصرة على تجارب وعوالم حيّة جديدة تملأ وجدانه بالجمال والفكر والأسئلة.
لماذا لا يوجد في الناصرة مخرج أوبرالي؟ لماذا ليس فيها أوركسترا واحدة ذات شأن دولي؟ لماذا تخلو اليوم من فرقة مسرح أو صالة عرض مهنيّة للفنون التشكيليّة؟ لماذا كلّ هذا الغياب؟ لماذا يبقى الأكاديمي النصراوي والعربي عموماً في طور المتعلّم أو المتخصّص الجاهل؟ كيف يقضي أمسياته؟ كيف يقضي أوقاته مع أولاده؟ طبعاً ليس في الكونسرتات ولا في المسارح ولا في المتاحف ولا يحزنون..!
قصر ثقافةٍ في الناصرة، يعني إعادة بناء مجتمع. وقصر ثقافةٍ في الناصرة يعني جيل جديد سيكون صعباً عليه أن يتطلّع الى الوراء بحنين؛ جيلٌ، هو الذي سيجني ثمار ما قد يُنجز الآن، أما نحن فعلينا ألاّ نؤخر هذه الولادة. ولنبدأ العمل!