شاكر فريد حسن
 

يرتبط مفهوم التنوير في الفكر العربي الحديث والثقافة
العربية المعاصرة بعدد من القيم والمبادئ والافكار والمفاهيم التي تحترم وتمجد العقل وتشجيع النظرة العقلانية الناقدة والمستنيرة والتفكير العلمي المتحرر من سطوة الغيبيات والسلفيات والوعي القادر على فهم الكون واستيعاب تناقضاته واخضاعه لحاجات الانسان والداعي الى اعادة تشكيل المجتمع وتحقيق السعادة المادية والروحية والتقدم والحرية والمساواة والتسامح والاخاء الانساني واجراء الاصلاح الجذري الشامل في النظم السياسية والاجتماعية والدينية والاخلاقية.
وقد بدأت حركة التنوير العربية بالنشوء والتبلور مع اشراقة عصر النهضة مع جمال الدين الافغاني ورفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وقاسم امين واديب اسحق وفرح انطون وشبلي شميل واليازجي ويعقوب صروف وعبد الله النديم وغيرهم من دعاة الاصلاح والنهوض والتحرر والتقدم، ومثلت هذه الحركة التنويرية الارهاصات الاولى للصحوة الاجتماعية والسياسية والفكرية العربية التي تفجرت في مصر والعالم العربي وتجسدت اهدافها في ايقاظ الشعوب العربية واثارة التفكير والوعي وتحرير الفكر الاسلامي من القيود وربقة الخرافات والاساطير، والتوفيق بين العلم والدين وترسيخ دعاوى التنوير والتجديد والعقلانية والتمدن والارتقاء بالمجتمع في مختلف المجالات، وتبني موقف علمي وعقلاني في معالجة قضايا وشؤون الحياة والفرد والمجتمع، ورغم ان اهداف التنويرين العرب واحدة الا ان هناك تباينا واختلافا بينهم في اسلوب الطرح والنهج لتحقيق هذه الاهداف وهذه الصفوة النخبوية المثقفة من رواد التنوير شاركت في مواجهة الواقع، وفي المساهمات النقدية وجهود الاصلاح الديني والسياسي والليبرالي والعلمي العلماني، واتخذت من الصحافة والكتابة وسيلة واداة لنشر وتأصيل افكارها وطروحاتها بين الاوساط والقطاعات الشعبية.
وفي الحقيقة ان التنوير العربي منذ بداياته، وفي مساره وتطوره، واجه الكثير من المصاعب والمتاعب ولم يرسخ في وعي الفرد ووجدانه ولم يلامس البنية الاساسية للمجتمع ولم يتكيف مع الواقع وظل فكرا مسطحا وحلما طوباويا مما ادى الى نكوصه وتراجعه واخفاقه، وهذا الاخفاق يعتبر احد العوامل الرئيسية لنشوء وتعمق وسيطرة الخطاب الاصولي السلفي المتمثل بتيارات الاسلام السياسي.
اعتقد بأنه على ضوء التطورات والظروف الراهنة فان مهمة النخب الثقافية والطلائع الفكرية المبدعة يجب ان تنصب على صياغة وبلورة تنوير عربي جديد وفك الحقل الثقافي عن السياسية العربية السائدة بكل الوانها وانماطها وتأسيس حقل ثقافي مستقل ومغاير ومناهض لها باعتبارها حقلا صالحا لنشوء مشروع سياسي وفكري وثقافي نقدي وحضاري لامتنا المهزومة والمهانة، نعيد فيه انتاج معالمنا واكتشاف ادواتنا المنهجية الفكرية ونقد سياساتنا العربية المرتبطة بالمصالح والمشاريع الامريكية والاستعمارية الغربية، فمشروع كهذا من شأنه احياء فكر النهضة وعودة قيم ومثل التنوير من جديد بعد انحسارها من الفجر الى الغسق.

عن الاتحاد