أوشكت الطائرة على القفزة الأخيرة إلى الفضاء الرحب. كنت مشدودا إلى المقعد المخملي الوثير مربوطا بالحزام الجلدي العريض الذي شد وثاقي وجعلني أغوص عميقا في جلستي وفي أعماقي الملم بقايا نفسي التي تحطمت وتناثرت شظايا إلى جهات العالم الأربعة في لقائنا الأخير ... أتذكرين يا رفيقة روحي ؟

نظرت من نافذتي التي عكست بخفاياها بنايات المطار التي بدأت تصغر وتذوب في الأفق الرمادي وفي الأضواء الزرقاء الباهتة التي تفرقت في كل مكان وأخذت بالزوال والتلاشي . الشمس صالت في جولتها الأخيرة بالأفق وقد تلحفت برداء ارجواني خمري ذاب شفافية وانعكس بشبه رذاذ شعاعي سحري على جناح الطائرة  خلف نافذتي موصلا ضوء النهار الذي تبدد بعتمة الليل الزاحفة في كل مكان .

مازال عبق عطرك يا رفيقة روحي يشدني إليك ويأبى ان يفارق كياني حتى لحظة الضياع تلك والطائرة تحاول جاهدة اختراق الفضاء والاستواء على عرشها فوق الغيوم البيضاء الرقيقة التي تحولت إلى وسائد عنابية ليلكية أرجوانية فيها الكثير من روح العقيق سبحت في الغسق وكأنها عروش الملائكة . مازلت أغوص بوجودي كله بين خصلات شعرك الأشقر القصير أحضنك بيساري بكل جاذبية العالم الأرضي ذاك الذي أصبح لتوه من تحتي سابحا في عتمة الليل الزاحف . امسح بسبابتي اليمنى دموعك المنزلقة على وجنتيك تارة وأخرى امتصها بشفاهي حتى قمة اللهفة وذروة الشوق البادي ابدأ في لمعان عينيك ورقصات حاجبيك التي قالت وتقول كل شيء عن فراق وشيك ولو لحين .

ها أنت تقرئين يا رفيقة روحي .. أنني أحاول .. اخلق كلمات الحب وأصور لوعة فراق المحبين .  الحب الكبير يخلق فراقا كبيرا والفراق الكبير يعصف بالقلب العاشق حتى الثمالة وحتى تنور ذبالة عشقه الكون الكبير .

 هكذا إذن .. تمنيت لأول مرة أن يعود الزمان إلى الوراء ولو لبرهة أضل فيهل حاضنك أداعب أهدابك وامسح دموعك وارشف رضاب شفتيك إلى الأبد . تمنيت ذاك ورغبت وقد أوشكت ان غوص مع المسافرين الآخرين في ذاك السرداب الملعون الذي أودى بي إلى بعادك .

 عبرت دقائق هناك على ارض المطار الذي أصبح ذكرى ووميض فكرة تأبى ان تسلم الى فلول الظلام الزاحفة . بعد ان هجعت الطائرة وتحول ضجيجها الى صدى رتيب ووديع بدأت أعود الى نفسي وأفتش عن خطاي في داخل ذاك القالب المعدني الطائر وخلف بلور النوافذ التي رشحت برودة الأعالي وساحت منه وعيله مخلفة خطوط متوازية ومتداخلة في كل ابجهات .

نظرت ونظرت خلف ذاك البلور ومسحته بمنديلي الأبيض العابق بعطرك المألوف  محاولا كشف عالمي هذا الجديد الذي أبعدني عنك وجعلك ذكرى وجعلني حائرا ابحث عن تلك الذكرى مجاهدا للامساك بها قريبا من القلب .

صوت قائد الطائرة المطمئن ابلغ عن الوجهة والبعد والارتفاع والهدف محاولا سرق الألباب والعيون الحائرة في ذاك الضياع لكنه لم يبلغ عن حرقة القلب ولا عن لوعة الفراق ولا عن ذاك الحب الذي سرق القلب مني وابقاه بين يديك على ارض المطار . ناو لتني المضيفة ذات الشعر الاشقر الجميل الذي شابه شعرك جريدة اليوم ذاتها التي تركتها على المقعد بقاعة المسافرين وان أحضنك بين الحين والآخر ودقات قلبي تسارعت طرديا مع عقارب الساعة الالكترونية الكبيرة في ردهة المطار التي أبت ببرودة قطبية الا ان تشير الى ازوف موعد الرحيل . تناولت الجريدة منها وابتسمت لها بدوري بعد ان قرات العنوان الرئيسي ربما للمرة العاشرة في ذاك اليوم الكئيب. اتكات على حافة المقعد استعيد ذكريات عمري معك التي بدأت تظهر كشريط سينمائي فوق خط الأفق الدائري الذي قسم العالم المحسوس في لحظاتي تلك الى عالمين ارضي  سفلي تاه في العتمة واخر من مزيج الوان بديعة لم أعهده من قبل تفاوتت روائعه مابين الأرجوان والليلك والأزرق الغامق . لمعت في فراغه من بعيد حدقات نجوم بعيدة منذ الف سنة ضوئية وأخرى كأنها خلقت لتوها وملات

الغسق . كانت تلك السفرة الأولى بالطائرة على حدود عالمين وفراغين .

 سالت طيفك السابح هناك في ذاك البرزخ البديع بين الحقيقة والخيال بين الوجود

وعدمه لماذا لايكون عالمنا أجمل ..كعينيك ؟

هل من المعقول ان يكون هذا الغلاف الرقيق الشفاف الذي نطق سحرا وروعة غلافا لعالم قاسي تتطاحن فيه الفكر وتغتصب الأرواح وتحرق الأجساد و تضيع الحقوق وتهان البشرية بكل الصور ؟

صدقيني يا من تسكن بين أوتار فؤادي بأنني لست رومانسيا حالما ولا شاعرا يبحث عن الرقة وسحر الكلام بل  أنسانا من ذاك العالم السفلي الذي غاص في عتمة الكون المنهوك الضائع ابحث له عن خلاص ولو في كلماتي الرقيقة الغير معهودة هذه.

 اما خلاصي انا .. بدايتي ونهايتي موجود بيت حدقتيى عينيك وتحت شغاف قلبك الكبير الذي حوى حب العالم كله . انا مثلك تصارعني السنون ويغزو الشيب مفرقي واحمل قلبا مفعما بالحب لك ولكل البشر . كنت وسأكون أسير روحك وجسدك الي جمع في حناياه خمرة أوروبا وصندل إفريقيا وشذي برتقال فلسطين وعبق ترابها المتجدد دوما . اعترف ان رسالتي هذ ه المرة كانت قريبة من قلبك لعلها حملت لك نوعا من ذاك الخذر الذي لا تحس به الا نفس عاشقة وروح حائرة حملت عاصفة الدنيا كلها . الى رسالة قادمة في عيدك من حافة العالم سابعثها لك مخ خيوط الفجر القادمة ولا محالة.