صوت أنثوي رقيق صحي للغاية، أعتقد أنه بلسم لجراح الماضي... شرعي إلى حد أنني كدت أتبنى صدق نواياه، اخترق قشرة الصمت، التي غلفت برد وحدتي، حلق في رحاب حيرتي بحرية، لأن هذا التقليد العصري جديـــد علــي أنا بالذات، ولكن قد تكون معجبة أطلقت سهام إعجابها من قوس جرأتها ونشاب إرادتها، لتقدم تحيتها إلي، ولكن هذه السهام لم تُصِب دهشتي... ولكن صوت هذه الفتاة بدا أكـثر جدية... بدا وكأنها تريد القول لي أمراً هاماً، أو لمجرد تود مناقشتي في مقال ما كنت قد كتبته مؤخراً ولم يعجبها، وهذا أمر وارد. لقد شغلني صوتها هذا، الذي استطاع استرداد مرايا الربيع قبل الأوان لمصلحتي، فيتحول إلى رؤى واقعية، إلا أنني لم أطلب من صاحبة هذا الصوت المثول أمامي.

 

          بعد لحظات اختفى صوت هذه الفتاة، فتردد صدى سؤال ما: "معقول أن تتصرف هذه الفتاة، بهذا الشكل الغريب؟!!" أعتقد أنني استطعت تشخيص صوت تلك الفتاة بسهولة، إلا أنها لم ترغب بالإفصاح عن شخصيتها، لأنها تخاف أن أباغتها إذا ناديتها باسمها... فيا ترى ماذا أرادت مني هذه الفتاة، التي تحمل أيقونة صوت ذهبية؟!. توترها الشديد شد أوتار صوتها، فلم تكمل كلامها، لعلها تريد الاعتراف أنها تحبني؟! فهذه سابقة أخرى في تاريخ الحب الحديث، القائم على تزوير وثائق المعرفة... القائم على انتهاك شرعية أي شاب يحاول الإقرار بأنه يريد إحراز إنجازاً ما مجال الحب.

 

          أنا أقدر لها جرأتها هذه، ولكن لماذا تركت قشرة صمتي هذه تتفتت رويداً رويداً، وتتآكل، دون أن تكمل حديثها، فلعلها تريد مني أن أسدي لها معروفاً ما، فأنا دائما كنت مثل الرسول في خدمة صوت رعاياي من المعجبين والمعجبات. ولكن صوتها مألوفاً لي، ولدي منه عدة تسجيلات في أرشيف الأصوات الأنثوية المألوفة لآذاني، فهو رش الدفء حولي في كل مكان في بيتي في تلك الليلة الشتوية التي نصب فيها البرد خيمته تحت السماء، لأن شحنة صوتها أنارت شعلة الإبداع في كانون أفكاري، منحتني خيط أمل رفيع، مسكتُه بلطف، ولكني لم أشده، لئلا تشعر تلك الفتاة أنني اصطدت طعمها، فتتراجع عن صيدي. لقـد حاولت استدراج دفء هذا الصوت، فقط لأسمع منها كلمة "أحبك"، أو حتى حرفاً من اسمها، ولكنها تمنعت عـن فعل هذا الأمر، فخجلها هو مفتاح الجمال الوحيد الذي استطاع فتح قناة زمنية سرية في عمق جبال شكوكي الصخرية، وكأنها تقول لي:"أن قناة الزمن باتت قصيرة وعليك أن تقطعها بسرعة ولا تتهور..."

 

          بدأت المخاوف تتطاير في رأسي كالخفافيش المسعورة، تضربه بقوة، لأقرر إذا كانت تريد الترويج عبر اعترافها لي، بنجاح تجربتها، بأنها استطاعت من خلال صوتها الأنثوي الجريء أن تصنع حدثاً إنسانياً، وتنقذ مشاعري من الزوال، ولكنها لم تقل شيئاً مما تريد، فقد سرقت مني مستندات زمني المخربشة بحبر الأيام الجاف، وولت هاربة. هناك جزء صغير جداً من الفتيات، لا يتعدى حجمه المايكرو ممن يمتلكن سيوف الجرأة الحادة، فيجتثثن جذور الحياء من أرض وجوههن، ويرفعن سماعة الهاتف ويصارحن من يرغبن بمصارحته بحبهن، وينتهي الأمر... أحياناً ينجح بعض "الصيادات"، فيوقعن بشباكهن شاباً ما، مقاسه الشكلي يلائم أحلامهن، بعضهن تكون شباكهن مليئة بحجارة اللوم ورمال الفشل! أما صوت هذه الفتاة، الذي التف حول سلك هاتفي بسلاسة وغفا في أذني، فإنه يفوقهن فهماً ونباهة، وليست منهـن أبداً.

 

          صاحبة هذا الصوت الإلهي، فتاة متزنة تحمل إلي معادلة حب جديدة... تحمل عدة فرضيات متفق عليها، لحلول عملية، وعقلانية جداً، رغم أنني لست ماهراً في الرياضيات، حتى أنني أمقت هذا الموضوع. ممكن أن يكون حل هذه المعادلة بسيطاً للغاية، ولكنه يصعب علي حلها وحدي، فبمساعدتها سأعرف طريقة حلها. عادت دورة الحب الدموية تجري من جديد في جسدي بدون توقف، فتساءلت: كيف استطاعت هذه الفتاة في هذا الفصل، إيقاف سيول أمطار الماضي السوداء؟! فما الذي غيرته فجأة؟! تساؤل مضنٍ جداً، يجر خلفه ظلال شك وارفة... من الممكن أنني أحب تلك الآنسة؟! وربما هبط صوتها علي صدفةً... لا لغاية ما؟! ولكن لا أعرف لماذا ما زلت أستثنيها إلى هذا اليوم؟!. .. فهي جميلة بنظري، فمن المؤكد جداً أنني أهذي، ولكن كيف يكون لي هذا؟! لعله صوت ضائع، يريد اللجوء إلي؟! ولعل صاحبة هذا الصوت الدافئ أرادت أن تصنع لي مقلباً هزلياً، لتمازحني به، وليس حقيقة ثابتة؟ حتى الآن لم أجد الإجابات المحددة...

(شفاعمرو)