مكان 1:

 

في هذا الصباح، لم أرَ بيروت من

منحدر يطلّ على شاطئ في الشمال.

رأيت وجهك أنتِ

خلال ضباب البحر

وطالعني عطر قهوة الصباح.

أفسحت له الطريق إلى لغتي.

اهتدت سيارتي إلى موقف عن "دوزان"

كأنني على موعد لأراك.

في هذا المكان، الذي عاد إلينا،

متسع لما يُشبه الصداقة

وفضاء للعناق

وكأس ممزوجة بالوصل

من حيفا إلى بيروت.. إلى حيفا، إلى بيروت.

هذا الضباب الصباحيّ ودود

لا يحجب نعمة التذكّر.

كلّ الذين هنا، كيف صارواا هناك؟

وكل الذين هناك رأيتهم هنا!

يمشون على رصيف اللغات

يلتقطون الصور

يلملمون عن الدرب

فيء ياسمينة وظلّ الذكريات

يتأملّون المكان على مهلٍ

نظراتهم شِباك

لئلاّ تهرب التفاصيل

لئلا تنفد المفردات.

وأنا على عطر قهوتي في

ركن "دوزان"

أسرق النظر

ويعاكسني الضباب.

 

مكان 2:

 

لم يبقَ في الميناء زوارق حبّ

وأشرعة.

ذهبت كلّها بغير عودة في جهات ليست لي،

وليست لها.

لم أعثر في صرّة الحاجيات

على صورة الحبيبة،

أو على منديل لوّحت المودّعات به، ردحا.

عثرتُ على حانة

أودع فيها سرّي

وأبكي على مقام اختاروه لي بعناية فائقة

طاولة صغيرة

من دخان السجائر

لفّتها الأصابع بشغف،

وكثير من الكلام الأليف

وخلوة العاشقين والعاشقات..

باب "فتوش" مفتوح

لكل الأماسي

وكلّ حكايات المدائن والقرى.

شربت حكايتي هناك

كأسين والثالث.

ضحكت لي أكثر من سيجارة

آمنتني الوجوه الرضيّة

والرواية فيها.

نمت على حلم وأفقت على جنّة.

 

المكان 3:

 

من حيفا إلى الناصرة

حملتُ لوعتي المؤجّلة

واشتياقي لزاوية عينيك.

على وجع

عبرت الأزقّة المسكونة

بالوهم مرّة

ومرّة باليقين.

قطعت بريق الحراب

الخارجة إليّ من الجدران

المطبقة عليّ بسخرية.

خطوتي فرسخ

يسبقني خوفي

دمي على كفّي.

مدينة تفرق بين اللطيف وبين الكثيف

يلتقيان على موعدٍ في "الرضى"

وصورة في الصبا

حريّة فقدت مدينتها

وإشراق فكرة

وطلّة التاريخ مغرومة بقنطرة.

باب مفتوح على كوّة

وكوّة مغلقة على سرّ

أسرّ لك بما لديّ من شهوة

وقهوة.

أمسك الليل من آخره،

أسرق منه حاجتي من طريق الخلاص

وتفضحني نجمة.

 

مكان 4:

 

كان الكلام كثيفا.

لم آخذ منه حرفا ولم يأخذ مني.

لم أمدّ يدي للمصافحة.

لم يمدّ أحد يدا.

برد ثقيل بيننا.

السير في اللغة الأخرى، كما اكتشفتُ، مجازفة

والمكوث فيها شكل جديد للمتاهة.

لغة أخرى في باب حارتنا

أنزلت حذوة الحصان من موضعها،

حذفت عن العتبة "هذا من فضل ربي"

وقيّدتنا في دفتر الغربة.

 

(آب 2003)