سيرتكبون الخطأ الفادح ذاته، إذا واصل أفراد من الأجيال الجديدة ممن تولعوا بالأدب توظيف تجاربهم لخدمة الدين والمذاهب والطائفة واقتراف الخطأ ذاته.

إنه الخطأ ذاته الذي تجلى في مستويات مختلفة الدرجة، لكنه، دائماً، يبقى نوعا واحدا، مثلما كان توظيف الأدب والفن لخدمة السياسة أو أوهام المشروع السياسي.

عندما كان أفراد من جيلنا يقعون تحت سطوة النضال ''بوهم الأيديولوجيا''، مأخوذين بفكرة ''الالتزام''، ليجري بسط الطاقات الأدبية الشابة في هامش المشروع والمنظورات والمنظومة السياسية، وقتها كنا نفعل ذلك ببراءة تضاهي سذاجة الحالم، وبقدر ما كان حلما بريئا، كانت سلطة السياسي حينها تصدر عن أكثر القيادات السياسية جهلا بكل ما يتعلق بالفن والأدب وبكل ما يتعلق بشأن الثقافة الأدبية.

لكن لحسن حظ بعض منا، سرعان ما اكتشفنا تفاهة فكرة الالتزام التي تسعى إلى توظيف الإبداع لخدمة الحزب، وتجيير الفعالية الثقافية للمشروع السياسي، في محاولة بالغة البؤس لمصادرة حرية نشاط المخيلة في شغل المبدع، وهي الحرية الجوهرية في حياته، الحرية التي هي ايضا نقيض الفرض.
لحظتها شعرنا بأن فكرة ''الالتزام'' القائمة على توصيف سطحي مفاده أن يكون الأدب والفن معبرين عن تجربة الإنسان وأحلامه وحقه في الحرية والعدل. وهو سلوك لا يقل فانتازية عمن يسعى إلى تلقين الطائر فن الطيران، فيما هو يمعن في قص أجنحته بضراوة الجزار جاهل المهنة. هذا ما يمكننا وصفه الآن بأحد أكثر الأخطاء فداحة التي تعرض إليها جيلنا فيما هو يصوغ تجاربه المبكرة في الأدب والفن، عندما كان يصدر عن حلم تغيير العالم نضاليا.

عندما يكون النضال السياسي والحزبي مشروعاً لأي إنسان كان، ليس من الحكمة القول بحتمية خضوع هذا المناضل (عندما يكون مبدعا) للحد الضاري نفسه، الذي يفسد الكتابة الصادقة ويفتك بالجوهر النقي في فطرة المبدع.  
(
٢) الخسارة هنا، بعد ذلك الدرس الفادح، هي أن يذهب بعض الأجيال الجديدة (هنا وهناك وهنالك) الى تجاربه من دون أن يأخذ هذا الدرس بقوة الموهبة ويقظة الوعي. وهذا بالضبط ما صرت أرقبه في السنوات الأخيرة متمثلاً في عدد لا باس به من نشاطات الكتاب الشبان (كتابة وتنظيراً وادعاء متفاقما).

غير أن هذه الاستعادة البائسة لوهم توظيف الأدب والفن قد طلع بها علينا عدد من الفتية الجدد بدوافع دينية وطائفية أكثر بؤساً مما كنا نظن أننا تعثرنا به في ستينات وسبعينات القرن الماضي. فقد بدأ بعضهم يصوغ تجاربه كما لو أنه يواصل طقوسه التي يراوح في أروقتها بين المسجد والحسينية، بين حلقات الذكر ورداديات اللطم.

وسوف نصادف هذا في فعاليات تمتد من الكتابة ولا تنتهي في الرسم. فيتحول الأمر إلى خطاب مرتجل من مزاعم الأدب والفن، من دون أن يتوافر لدينا ما يمت بالإبداع بصلة، بل إن هؤلاء لم يعودوا يعتنون بأبسط الشروط البديهية التي يتطلبها العمل الفني. ولعل في كثير من تجارب هؤلاء الفتية المستجدين توهّماً ساذجاً بأن النضال هو ما يفعلون.  

وسوف يغيب عن هؤلاء أن الإبداع، بعد كل ذلك التاريخ الانساني، هو أمر لا يخضع لمثل هذه الأوهام، ويستطيع من يفعل ذلك أن يسمي صنيعه أي شيء إلا أن يكون أدباً أو فناً. وعليهم خصوصا، فيما يستغرقون في