باحثون يطالبون بإعادة كتابة تاريخ فلسطين فى ضوء الكشوف

 

حث باحثون مصريون على إعادة كتابة تاريخ المنطقة العربية وخاصة التاريخ الفلسطينى فى ضوء الاكتشافات الاثرية الحديثة بعيدا عما اعتبروه مسلمات لمستشرقين تنطلق من قصص العهد القديم.

كما دعوا أيضا الى الاستفادة من جهود المؤرخين الجدد فى اسرائيل الذين قدموا فى السنوات الاخيرة وجهة نظر للتاريخ اليهودى لا تتناقض تماما مع التوجهات العربية.

وقال مصطفى عبد المعبود أستاذ الادب العبرى بجامعة القاهرة ان الاثار القديمة والنقوش لعبت دورا مهما فى اعادة قراءة تاريخ المنطقة بعد أن كان العهد القديم فى القرون السابقة المصدر الوحيد تقريبا أمام المتخصصين فى علوم اللغات والاديان والتاريخ والفولكلور.

ودعا فى بحث شارك به مساء الثلاثاء فى ندوة "ترجمة المصادر التاريخية من اللغات الشرقية واليها" الى "التخلص من الموضوعية الكاذبة... "بعض" أماكن وأحداث العهد القديم لا وجود لها فى البحث الاثرى ويجب ألا يكون كلام المستشرقين مسلما به.

"نحن المصريين ندرس تاريخ فلسطين من خلال التاريخ اليهودى وكأنهم
"الفلسطينيين" قلة عددية" داعيا الى كتابة التاريخ الفلسطينى بشكل علمى واظهاره مستقلا عما اعتبره تبعية للتاريخ اليهودي.

وتسعى الندوة التى تنتهى مساء الاربعاء الى التواصل مع اللغات الشرقية ومن محاورها " ترجمة المصادر التاريخية الى اللغة الاردية فى القرن التاسع عشر" و"تاريخ الطبرى وترجمته الى اللغة الفارسية" و"ترجمة أسفار العهد القديم الى اللغة العربية" و"المصادر التاريخية للعرب قبل الاسلام فى ضوء النقوش السامية" و"المصادر الفارسية وأهميتها فى دراسة التاريخ الاسلامي".

وقال عبد المعبود فى بحث عنوانه "ترجمة النقوش السامية وأهميتها فى كشف اختلاق المصادر العبرية" ان كثيرا من المستشرقين الذين وصفهم بالتعصب للتاريخ اليهودى تبنوا "وجهة النظر التوراتية فى قراءتهم لتاريخ المنطقة وادابها ومعتقداتها وحضارتها بل والاكثر من ذلك حاولوا توظيف علم الاثار والتنقيبات فى فلسطين لتأكيد ما ورد فى النصوص العبرية المقدسة."

لكنه أشار أيضا الى وجود فريق اخر من الباحثين الذين يحاولون تقديم قراءة وصفها بالموضوعية عن طريق الاكتشافات الاثرية والنقوش السامية والعربية القديمة فى منطقة الشرق الادنى القديم
.

ويحدد باحثون أن منطقة الشرق الادنى القديم بالممالك التى ضمت أربع قوى أو حضارات رئيسية هى الفرعونية فى مصر والبابلية والاشورية فى العراق والميتانية فى شمال سوريا والحيثية فى الاناضول.

لكن تريفور برايس زميل الاكاديمية الاسترالية للعلوم الانسانية فى كتابه " رسائل عظماء الملوك فى الشرق الادنى القديم.. المراسلات الملكية فى العصر البرونزى المتأخر" لم يشر فى أى من تلك المراسلات التى تغطى نحو 500 عام تبدأ من القرن السابع عشر قبل الميلاد الى وجود حضارة عربية فى شبه الجزيرة العربية أو ممالك يهودية فى فلسطين.

وتوقف المؤلف طويلا أمام رسائل تل العمارنة التى اكتشفت عام 1887 حين عثرت عليها فلاحة مصادفة وهى تحفر بين أنقاض ما كانت ذات يوم مدينة "أخيتاتون" التى بناها أمنحتب الرابع الذى حكم البلاد بين عامى 1379 و1362 قبل الميلاد تقريبا وعرف باسم اخناتون أول مناد بالتوحيد فى مصر القديمة.

ووصف برايس تلك المدينة بأنها أخطر دار للمحفوظات تجمع المراسلات الدولية كما اعتبر المراسلات الخاصة باخناتون "أهم مجموعة مراسلات دولية على الاطلاق من العصر البرونزي... الرسائل المتبادلة بين اخناتون وحكام الولايات التابعين للتاج المصرى فى سوريا وفلسطين تظهر بما لا يدع مجالا للشك أن فرعون مصر اخناتون ظل على اتصال منتظم لمتابعة الانشطة المختلفة فى الاقاليم التابعة للتاج المصري."

وشيد اخناتون مدينة أخيتاتون "تل العمارنة بمحافظة المنيا الحالية" على بعد نحو 300 كيلومتر جنوبى القاهرة كعاصمة جديدة لمصر لكنها تعرضت للتدمير.

وقال عبد المعبود ان النقوش المكتشفة فى سوريا وما حولها من مناطق كانت تتحكم فى طرق المواصلات القديمة فى منطقة الشرق الادنى القديم "تؤكد أن جماعة بنى اسرائيل لم تستأثر بهذه المنطقة وانما يمثل وجودها فيها لفترات محدودة حلقة من حلقات تلك الشعوب التى مرت على هذه المنطقة."

وأشار الى أن جهود باحثين وصفهم بالابتعاد عن الهوى والتعصب أثبتت "مدى اختلاق المصادر العبرية للمعلومات التاريخية حيث نشطت مدارس النقد التاريخى للمصادر اليهودية وعلى رأسها العهد القديم وأثبتت تناقض المادة التاريخية الواردة به فى كثير من المواضع.

"لا يعرض العهد القديم تاريخ الشعوب التى عاش بنو اسرائيل بينها الا من خلال ما يتعلق بهذه الشعوب تاريخيا ببنى اسرائيل ومن وجهة نظر دينية توظف فيها الاحداث التاريخية التى يسيطر فيها الرب على الطبيعة والتاريخ معا."

وقال ان باحثين يهودا فى مجال البحث الاثرى يسعون بالحاح "لاختلاق النقوش العبرية القديمة بدعوى الاصالة والتجذر فى المنطقة...مقومات هذا الاختلاق متوفرة من مراكز بحثية وعلماء متعصبين وأرض مغتصبة وقوة عسكرية وسياسية مالية."

غياب عربي

وأضاف أن لغياب الباحثين العرب فى صياغة تاريخهم دورا فى "سيادة وجهة النظر اليهودية الصهيونية لتاريخ منطقة الشرق الادنى القديم بكاملها وللتاريخ الفلسطينى على وجه الخصوص. والهدف تهويد الشرق الادنى القديم وتهويد فلسطين بشكل يجعل من الاسرائيليين القدامى معلما بارزا وأصلا واضحا من أصول المنطقة وتشويه المادة التاريخية وتفسيرها بما يتناسب مع المشروع الصهيونى الحديث."

وأشار عبد المعبود الى وجود "جيش" من الباحثين والعلماء والمستشرقين الذين قال انهم يكرسون لوجهة النظر الصهيونية داعيا الباحثين العرب الى التصدى لمهمة تحرير التاريخ الفلسطيني.

لكن باحثين منهم محمد محمود أبو غدير أستاذ الادب العبرى والدراسات الاسرائيلية بجامعة الازهر يرون أن تكون البداية بترجمة المصادر التاريخية العبرية الناقدة للسياسة الاسرائيلية والتى لا تتعارض مع التوجهات القومية والدينية العربية
.

وقال أبو غدير فى بحث شارك به فى الندوة بعنوان " ترجمة المصادر التاريخية فى ضوء تضارب فى توجهات المراجعة التاريخية المعاصرة فى اسرائيل" ان اسرائيل شهدت فى العقدين الاخيرين صدور كتب تتباين بين توظيف الرواية التاريخية اليهودية لخدمة أهداف الصهيونية والانقلاب الكامل عليها من خلال دراسات جريئة وصفها بأنها بمثابة الصدمة الكهربائية للاسرائيليين.

وأشار الى أن عدد الكتب والمصادر العبرية المترجمة الى العربية فى مصر على سبيل المثال أقل من عدد أصابع اليد الواحدة.