المفكرة... ويكبرون في اللد

بقلم: سلمان ناطور

 

**كنا نطعم أهل الرمله من غلتنا ويطعمونا من غلتهم.شو جاي على بالي طريق البحر..

تحمل أنامله المرتعشة مفكرة صغيرة، تتراقص وهو يقلب صفحاتها وتكاد تسقط من بين يديه، فيحكم قبضته عليها: "اذا راحت هالمفكره، راحت حياتي، صار عمري ثمانين سنه وأكثر، كله مسجّل في هالمفكره.. قلت أنا راح موت والتاريخ مش راح يموت.. يمكن في ناس بدهم يموّتوا التاريخ بس لا، كله مسجّل في هالمفكره"..

يفتح صفحه كذا.. يفضل هو أن يقرأ ما حدث.. شيخ مشقق الوجه، حين يبتسم تغور الشقوق التي تقطع وجهه طولا وعرضا، وحين يغضب يختفي منها الكثير، يحكم إطباق فكيه فتبرز الاوردة التي تغطيها طبقة جلدية رقيقة. ترتعد أنامله حين يغضب وحين يبتسم. يرتفع صوته دائما، ففي مفكرته ما يدفعه أحيانا لأن يصرخ.. أحيانا لأن يبكي.. أحيانا لأن يسخر من هذا القدر" حكيت لك عن الجليل.. وطنا مش بس الجليل..كنا نحمّل الدواب في الطنطوره قبل ما تشق الشمس ونمشي مع البحر لنوصل يافا والرمله، ننزل الحمل مع غياب الشمس.. نبقى ليلة.. ثلاث ليالي.. أربعة.. ونرجع لبلدنا.. هالزيارات كنا نعملها بعد المواسم.. نطعم أهل الرمله من غلتنا وهم يطعمونا من غلتهم.. شو جاي على بالي أركب هالحمار- وأمشي طريق البحر.. لحد ما يوصلني يافا.. بس شو راح يقولوا عني؟ مجنون! يمكن تمسكني دورية وياخذوني لمخفر البوليس وهناك يظلوا يضربوا فيي ويرموني في البحر.. وأنا زلمه كبير تبهدلت كثير في حياتي وبعد شيبتي ما بقبل الاهانه ولا أولادي بيقبلوها إلي.."

لم يكن سهلا علينا أن نقنع الشيخ بأن يركب السيارة معنا ونسافر الى الجنوب، قلنا له : مع الشاطئ تقطع الطريق ونفتح شبابيك السيارة فيتسرب هواء البحر، وحين نقترب من الرمله تفوح رائحة نوار الليمون.. ترى مئذنه الجامع يا شيخ، تبقى معنا يوما أو يومين..

يطوي المفكرة الصغيرة ويدسها في جيبه.. تمتد أنامله المرتعشة الى عقاله فيركزه على قمة رأسه، يتكئ على عكاز صنعها من السنديان.. ويقف على رجليه. ساورنا خوف بأن نفقد الشيخ على الطريق.. يموت الشيخ فتموت معالم هذا الوطن.. تسقط المفكرة في البحر فيضيع التاريخ.. أو يبقى لمن يفهمه كما يشاء وليس كما يعرفه شيخ مشقق الوجه ترتعش أنامله.. لكنه لم يفقد الذاكرة.

**لو يصح لي كنت سألته سؤال واحد : نظفت ايديك من دمنا يا ابن الصرماي..

تغير كل شيئ منذ ذلك التاريخ، الشاطئ الذي يمتد" على مد النظر" أصبح يختفي خلف العمارات الشاهقة ويحجبه الدخان الذي تنفثه أعمدة شركة الكهرباء المنتصبة على قبور عرب المفجر، يهز راسه ويصوب نظراته كما لو كان يريد أن يقتلعها من أساسها..

يواصل الحديث عن البيارات.. وعن مقاثي البطيخ.. يحدث عنها وكأنها ما زالت موجودة، حتى بئر الماء التي وضعت على حافتها بلاطة من أيام صلاح الدين ما زالت قائمة في ذاكرته، لكن قناة مجاري القرف شقت الأرض من مراحيض الخضيره وحتى البحر.. عشرات الاسماء تسمعها لأول مرة، ولولا أنك تعشق هذا الوطن لما علقت في الذاكرة.. تقترب من الجنوب.. سلمة، الخيريه، العباسيه، الساقيه، بيت دجن، يازور، صرفند العمار، صرفند الخراب : "أيام الحرب العالمية، كان في البلد جنود استراليين، اغتصبوا صبية من بنات البلد، قتلوا عشرات الناس ودمروها عن بكرة أبيها، علشان هيك سموها صرفند الخراب.. بعدين عمرها أهل البلد، وما مضت ثلاثين سنه، الا إجا ضابط وأمر بحرقها، ودمروها عن بكرة أبيها، وأهلها مش قادرين يعمروها.."

تطل على مشارف الرمله، فتبدو مئذنة الجامع، يصر أن يأخذنا الى جامع دهمش :" في الرمله تجمع كل المشردين من قرى المنطقة. وصل عددهم أكثر من 100 ألف.. جمعوا الشباب في الجوامع والكنايس والباقي ظبوهم في البيوت.. وفي الساحات العامة.. يوم.. يومين.. كانوا ينتظروا فرج ربهم.. لا أكل ولا شرب.. وهالجنود تنهر عليهم وتعاملهم مثل الحيوانات لحد ما وصلت جنودهم مسلحة. وادعوا أنه القيت قنبلة على جنود يهود، فرضوا منع تجول وصاروا يقتلوا في الناس عن جنب وطرف.. الاهالي ما كان معهم سلاح والجيش الاردني انسحب.. وما بقي للناس الا يهربوا، كان قائد الجيش يومها اسمه اسرائيل غاليلي وقيادته كانت في "النعانه" ومعه ضباط معروفين صاروا وزرا كبار.. لو يصح لي أحكي مع حدا منهم لكنت سألته سؤال واحد بس :" نظفت ايديك من دمنا يا ابن الصرماي؟"

**أهاليهم كانوا بسطا.سلّموهم للجيش.. بعد أكام ساعه جابوهم جثث ليدفنوهم.

أصرّ الشيخ المشقق الوجه الذي نتحدث عنه، على أن يأخذنا الى معتقل قطره(غديره اليوم) الذي أمضى فيه اسبوعين بأمر من الحاكم العسكري.. حدثنا عن "نواح" مدير المعتقل الذي لم يعرف أن يتعامل مع العرب الا بلغة الكرباج.." أخذوا يعتقلونا بالجمله.. ندخل المعتقل يستقبلنا نواح بكرباجه ولسانه البذيء.. يقشطونا كل شيئ معنا.. ويرمونا اسبوع اسبوعين ويطلقوا سبيلنا، نخرج نلاقي بلدنا مشرده والجيش بيلغم فيها..

في سدود فرضوا منع تجول.. الناس ما كانت تعرف شو يعني منع تجول، طلعوا أربعة في الشارع ناحية الجامع ليصلوا.. كان معهم شيخ في الثمانين اسمه عبد الحميد أبو محسن، الباقين ما عرفت اسماءهم. قوسوهم في الشارع العام وأمروا الناس يظبوا جثثهم.. بعد 3 أيام جمعوا كل أهل البلد.. الختياريه رموهم في المعتقل والشباب كبوهم في المجدل.. بعدها احتلوا المجدل وحذروا الناس من أنه كل واحد بييجي ابنه أو قريبه لعنده من بلد ثانيه لازم يسلمه للجيش والا بيقتلوهم وبيهدموا دورهم.. ثلاث شباب، مساكين،كان أهلهم بسطا واحد منهم من دار الحجار.. إجوا لعند أهاليهم في الليل، قاموا سلموهم للجيش، بعد أكم من ساعه جابوهم جثث.. وأعطوهم اياهم يدفنوهم.. الاهالي تمردوا على الجيش.. وطلبوا الصليب الاحمر، إجا مندوب عن الصليب الاحمر يحقق في الحادث.. ومعه نائب الحاكم العسكري اسمه" نسيم "، سألني المندوب : كيف صار؟ حكيت له كل شي..

قال نسيم : كيف بتحرض على الجيش.. وتقول قطع روسهم..

قلت له : اللي بيقطع روس الناس هذا مجرم وما بيحلم بالخير لحد.. لازم العالم يعرف..

قوافل النازحين خرجت الى غزة.. من الرمله، من المجدل، من اللد، من سدود، لم يكن البقاء يحفظ السلامة.. في بيوتهم دخلوا عليهم وقتلوهم وعلى الطريق كانوا ينتظروهم، قتلوا العشرات في اثناء تسللهم الى وطنهم.. الشيخ يعرف اسماء الكثيرين.. مسجلة في المفكرة.. يطويها كي يحكي حكاية أخرى.. ليس عن الذين ماتوا.. ليس عن الذين صمدوا.. وانما عن الذين حاولوا أن يتآمروا..

**ذبح خروف على شرف تشيشيك. فاتهمه بأنه ذبح بدون رخصه. وفي الليل حملته السيارات..

تشيشيك، كان نائب الحاكم في المجدل، هو خلص على الناس اللي بقوا ورفضوا يتركوا بلدهم، حاول يمسك وجهاء العائلات ويدفع لهم ليرات فلسطينيه، نجح مع أكم واحد زنكيل من هاللي عملوا حالهم على رأس الوطنية.. أما الفقرا فظلوا متمسكين بتراب أرضهم.. يوم دخل البلد وحذر الناس وقال لهم أنه الجيش احتل البلد وكل واحد بيبقى فيها على مسؤوليته، واحد من هالزعما التيوس فكر يكسب رضا تشيشيك فدعاه على حفلة غدا وذبح له خروف ومد سفرة تطعم بلد.. الأدون.. اتهمه أنه ذبح بدون رخصه وهدده بالحبس.. اذا ما رحل عن بلده.. في نفس الليله، وصلت سيارات جيش وحملته مع عياله وأولاده وكبوه في غزه.. وصاروا يحملوا في الناس ويكبوهم.. يجمعوهم ليصيروا حمل سياره ويكبوهم على الحدود.. ويطلقوا النار عليهم. جمعه سليم كان ختيار، مسكين، فقير ما له حد في هالدنيا.. حملوه وكبوه وقتلوه. على نقطة في المجدل كان مقام للحسين.. لما دخلوا البلد أخذوا جلال القبر، حرام أخضر مغطي الضريح، لبسوه على حمار وداروا بشوارع البلد.. نسفوا البلد في الطيارات.. يمكن بعد ختياريه عايشين وبيعرفوا الحوادث أكثر مني.. شو مفكرتي راح توسع لتوسع.. كل شيخ مفكرة كبيرة، اقعد معهم، واسمع وسجل..وأنا رجعني على بلدي.. عرفتك على المنطقة وانت ابحث عن مشايخها.. بحكوا لك كل شيئ من الكبيره للصغيره.."

تتغير الاسماء.. تتبدل المعالم.. كان شريطا كان يغطي عينيك، وبأنامله المرتعشة، يمسك الشيخ المشقق الوجه بهذا الشريط وينزعه عن عينيك، يبدو لك الوطن كما يتراءى في الذاكرة.. تماما كما في الذاكرة.. تغيب في شطحة كشطحات الصوفيين.. لا تنتقل من الواقع الى الخيال، تنتقل من واقع مؤلم الى واقع أشد ايلاما.. صور الذاكرة تغرز في العظم.. انت انسان آخر، تماما انسان آخر.. عليك أن ترتفع فوق ما يشغل بالك.. أو تغوص في أعماق الذاكرة.. عاد الشيخ الى قريته العامرة.. وبقينا نبحث عن الساقيه وعن الخيريه وعن يازور وصرفند العمار وصرفند الخراب.. قائمة هذه القرى، موجودة في هذا الذاكرة.

**يصغرون في العين.. يكبرون في اللــد

يضايقني أن هؤلاء الأطفال يصغرون في عيني. أحيانا أراهم يختفون كالسراب. تتمزق خيوط الشمس على مئذنة جامع دهمش، يسقط الظل على ساحة الحاووز.. يزحف الظل شيئا فشيئا على الحارة الشرقية. سكنة العمش.. سكنة القوره.. النوادر.. دحبور.. مركز الباصات.. من يذكر؟ من لا يذكر؟ هي اليوم ساحة هبلماح! من؟ يبقى اسمهم على ذلك الجدار، هم انتصروا، والساحة تغطيها الجثث، من يعرف؟ من لا يعرف؟

" تصغر الساحة، وفي قلبي يكبر الجرح ـ يقول الشيخ المشقق الوجه ـ كأنها كانت لحظات، لكنها العمر كله. تعيش معي هذه الساحة، هذا الجامع، تلاحقني، تلتصق بي، كل يوم مع غروب الشمس، أخرج من بيتي، اتكئ على هذه العكاز، تحملني الى زاوية الجامع، أجلس على حجر، واحدّق بكل شيئ، ترتعد يداي، وأحيانا تسقط العكاز فلا أقوى على التقاطها، أنادي طفلا صغيرا يلعب في الساحة، يناولني اياها، فأنظر الى عينيه، يسألني أحيانا : لماذا تنظر اليّ هكذا يا عمي؟ لا أجيبه.. أعرف انه يخشى هذه النظرات، أعرف أنه يخاف، تترقرق دمعة من عيني، أحاول أن أقول له ولو كلمة واحدة، تختنق الكلمة، أشعر بالاختناق، يطفح في صدري حب جارف لهذا الطفل، ترتعد يداي، وأحرك رأسي وأقول : يا رحمان يا كريم.. وأمشي الى البيت فألقي بجسدي على الفراش.. أحيانا أواصل البكاء، أحيانا أنسى وافكر بابني الذي تركنا وغاب..يصعب عليّ أن أرى هذا الطفل يكبر.. ويصبح شابا.. ويعيش، أحمل هذا الكابوس منذ ذلك اليوم.. أحمل هذا الخوف، حتى عندما انجبت أطفالا وكبروا.. ومعهم كبر خوفي، لكنني لا أعرف ماذا يحدث لي؟ عندما آتي الى هذه الساحة يغرقني هذا الخوف.. أحدق في عيني الطفل الذي يناولني العكاز فلا أصدق أنه سيكبر، أسأل نفسي أحيانا : لماذا؟

يضايقني أن هؤلاء الاطفال يصغرون في عيني...أحيانا آراهم يتطايرون ويختفون كالسراب.

هل أنا مجنون يا عمي؟ هل ترى ذلك الجدار؟ كان ذلك في حزيران، أشعة الشمس كانت تلسع، أمرونا بالخروج من بيوتنا والوصول الى الجامع، اقتربت من الجدار، على الارض كانت امرأة في الثلاثينات من عمرها، فلاحة بدوية، ثلاث رصاصات مزقت صدرها، وعند ذراعها اليمنى استلقى طفل في السابعة، كان الدم يغطي وجهه وقد سال على ذراعها، وعلى خاصرتها طفلها الثاني، في الثالثة من عمره، لم تتحرك الام، لم يتحرك احد من الطفلين، تقدمت وأمسكت بكتف الطفل الصغير الذي اغتسل وجهه بدم امه النازف.. أدرت وجهه، همس : ما.. ما.. ما.. ثلاث مرات وأطبق جفنيه حدّق بي جندي صوّب بندقيته وأمرني بأن أدخل الجامع.."

**الخيانه مالها حدود.عرفنا هاي الحقيقه من أولها. بس شو نعمل؟

الصفار الذي يصبغ شوارب الشيخ المشقق الوجه الذي نتحدث عنه، يمنح هذا الوجه تعبيرا آخر عن ذلك الالم.. عن ذلك الغضب.. العينان الغائرتان تقولان كل شيئ.." اجلسي يا حرمه، واحكي ايش صار مع أخوك "، يشعل السيجاره، والنار ترقص على أنامله الراجفة." الخيانة ما لها حدود، لولا الخيانه كان صار فينا اللي صار؟ اسمع القصة من أولها، اللي بيقول لك كل العرب ملاح، قل له كذاب. واللي بيقول لك كل اليهود عاطلين، قل له كذاب. قبل تتويج الملك عبدالله في بريطانيا دعوه أهل اللد على البلد، عملوا حفله واستقبلوه في البلديه، كانت الناس واقفة على الشوارع وسطوح البيوت، تحتفل بالامير، بعد ما طلع الدرج ووقف عند مدخل الصالون، قام واحد اسمه أبو شوقي وقف وصاح : يا شباب، ثلاث مرحات للحج أمين الحسيني. مرحا. مرحا. مرحا. وهالشباب تصيح من وراه. ما رحّب بالامير فدار ظهره ونزل عن الدرج. الناس لحقت الامير تترجا فيه، لكنه قال لهم : بخاطركم يا أهل اللد.

لما صارت الحوادث. أهل اللد نظموا قيادة في المدرسة، وطلع وفد لعند الملك يطلب مساعدة، كان مؤلف من خمس أشخاص بينهم أبو شوقي، لما وصلوا عمان قال لهم أبو شوقي : روحوا وحدكم، باخاف اجي معكم. راحوا الاربعه. ولما دخلوا. قال لهم الملك : جيتوا خمسه. وين فلان؟ تأهل فيهم وقال لهم مع السلامه.

رجعوا للبلد. وحكوا للناس كل اللي صار. عرفنا أنه ما إلنا الاّ ذراعاتنا. وعلشان هيك عززنا القياده في المدرسه وتعيّن حمزه صبح، زلمه قبضاي، قائد للبلد، بعد أكم من يوم وصل الجيش الاردني وتمركز في البوليس الفوقاني. شوي، والاّ صدرت الاوامر بتعيين واحد اسمه محمد علي التركي، ما بيعرف ولا كلمة عربي وبعدين اكتشفنا انه يهودي، عينوه هو المسؤول عن قيادة البلد من قبل جيش أبو حنيك. يومها قلنا : إن كان هالعسكر عسكرنا.. من رأس (.....) انتصرنا.. هيك غنيناها بالحرف الواحد، تخجلش تكتبها. يوم صارت معركة في مستعمرة" جيزر ".. احتلوها بدون ولا طلقة نار.. اليهود اتخبوا في الملاجئ.. دخل جيش الباديه المستعمره وخرج منها.. ورجعوا يقولوا قتلنا اليهود. في بلدنا كان شاب اسمه زكريا الشله، ابيضاني ولاحته على لاحة اليهود، قتلوه ورجعوا يقولوا قتلنا يهودي. ولما قالوا لهم انه عربي من البلد. قالوا فكرناه يهودي.

اسمع هالحكاي.. كان لنا جار اسمه أبو وجيه، أخو بهجت باشا طباره قائد المنطقة الوسطى.. كنا نسأله : يا أبو وجيه.. شو صار؟ وين جيوشنا؟

يقول : الجيش حاضر وبعد شوي بييجي..

بقينا نسأل لحد ما يوم دخلها الجيش الاسرائيلي من بيت شيمن.. وساعتها صار اللي بينقال واللي ما بينقال.

**شفتها في عيني. كلهم عجايز وأطفال. جثثهم غطت أرض الجامع.

وصل الجنود من المستعمرة التي كان أهالي اللد يعتبرون أهلها" أعز أصدقائنا ".. كان بيننا خبز وملح.. وكنا نقول : لو حاصرونا من كل الجهات رايحين نلجأ لبيت شيمن.. لكن، الموت إجانا من هناك.. دخلوا بلدنا، في يوم حار، حط البيضه على الرمل بتطلع مسلوقه بعد خمس دقائق، كان معهم ثلاث أربع مصفحات.. صاروا يقوسوا في الشوارع.. أهالي البلد تجمعوا في دورهم وكثير من الناس دخلوا الجوامع والكنايس.. فقدنا الجيش الاردني ما شفنا ولا واحد.. قفلوا على حالهم في المركز وما طلع لهم صوت.. اليهود أخذوا الريس سيمون ومبروك حسونه وطاهر حماد.. حمّلوهم اعلام بيضا.. وأمروهم يتفاوضوا مع الاردنيين علشان يسلموا البلد.. وما يقاوموا.. شوف هالحكي اللي مثل علاك الزبل.. الحاصلو.. لما وصلوا المركز، الجيش الاردني طخ على الشيخ حماد.. وقع مجروح.. أخوانا راحوا يجيبوه.. ضربوا مرة ثانية انقتل مبروك حسونه.. ساعتها دخل جيش البلماح البيوت وصاروا يطلعوا في الناس ويقولوا لهم :" يالله على عبدالله.. يالله على عبدالله ".

يتوقف الشيخ المشقق الوجه عن الحديث.. يمسح العرق الذي اخذ ينهال عن جبهته..يمج على سيجارته فتنبعث سحابة من الدخان.. تبددها زفراته المتلاحقة.." اللي شفناه ما حد شافه في عينيه".

انتشر جنود البلماح في أزقة القرية.. وتمركزت مصفحاتهم في الساحات العامة.. كان الرصاص يرشق نحو كل شيئ.. هنا وهناك تفتح امرأة الشباك لتطل على الشارع.. فيرشقونها برذاذ من الرصاص.. تسقط هي أو يسقط الشباك.. هنا وهناك تخرج طفلة تبحث عن أخيها الذي ترك البيت.. تسقط هي أو يسقط أخوها الطفل.. أو الاثنان معا.. يسد الباب.. يحكم غلقه بخشبة عريضة.. ثلاثة جنود يقفون ورشاشاتهم تزفر الموت.. أحدهم يلبطه برجله.. لا يفتح في المرة الاولى.. يلبطه ثانية.. في الثالثة يلبطه بكتفه فيسقط الباب.. ويلقي بقنبلة في ساحة الدار.. يدخل أو لا يدخل.. من بقي في الداخل كان عليه اما ان يموت في ارض البيت.. واما ان يموت في الزقاق المؤدي الى جامع دهمش..

" في ساحة الجامع، واحد من دار هيرون، رمى قنبلة على الجنود، اللي تجمعوا ليحشروا الناس في قلب الجامع، انقتل أكم جندي منهم، شوي والاّ جندي، حمل رشاش ووقف على باب الجامع وصار يرش في الناس.. طيخ.. طاخ.. طيخ.. طاخ شفتها في عيني.. قتلوا 65 واحد.. غير الناس اللي انجرحوا.. جثثهم غطت ارض الجامع.. تركوهم سبع أيام في الجامع حتى الناس تشوف وترتعب.. بحجة أنهم عم يبحثوا عن واحد يقرأ عليهم الفاتحه.. جابوا واحد من دار الزين يقرأ الفاتحه وأمرونا نحمل الجثث.. بس شو نحمل حتى نحمل.. تمسك الواحد في ذراعه، اللحم يفتفت في ايدك.. والريحه بتعمي البصار.. قررنا نحرقهم. حرقنا الجثث في ارض الجامع..

**بعد ما صار اللي صار، سحبها جندي لساحة الجامع. والبنت تصرخ وتبكي.

يكاد ينهار الشيخ المشقق الوجه حين يتحدث عمّا جرى، يصعب عليه أن يصف.. يتساءل دائما : من أين نبدأ؟ تشعر أنه يعيش تلك الايام.. ينفعل فيرتفع صوته، يغيب في شطحة تعيده الى الساحة التي تكّومت عليها الجثث.. يصحو.. فيخفض صوته.." كان عدد سكان اللد حوالي عشرين الف.. ما بقي فيها الفين على بعضهم.. كنا نحس انهم مخططين لقتلنا أو تشريدنا.. ما كان ينفع معهم الحكي.. حتى الجنود اللي كنا نعرفهم، وياما أكلوا في بيوتنا، ردوا المعروف برصاص وقنابل.. إحنا الشباب أخذونا للمعتقل في" جليل ".. بقينا حوالي سبع أشهر.. كل الشباب من جيل 15 الى 45 اعتقلوهم... والختياريه والنسوان والاطفال اللي بقوا في البلد.. يا اما قتلوهم، يا اما شرّدوهم : على عبدالله.. على طريق الجبال، دخلوا على بيت من دار حنحن وأمروهم يتركوه.. أمين حنحن كان شاب في عمر الورد، وحداني بين ثلاث خيات، أخته ماريا كانت تحبه كثير.. شافته بينقتل بين ايديها.. بكت.. بكت.. بكت.. وفقعت عليه.. ماتت فوق راسه.. صبيه ما طبقت العشرين.. في المرة الاولى لما مسكونا.. كنت في البيت مع أهلي وأولاد عمي.. دخلوا علينا وأمرونا نترك البيت.. أمي كانت عجوز.. وخالتي كانت عجوز.. ما قدرنا ناخذهم معنا.. قلنا نتركهم للقضاء والقدر.. مصيرنا مش راح يكون أحسن من مصيرهم.. بعد جمعه رجعنا عليهم كانوا مفحمين من العطش.. والجوع.. ويعيطوا مثل الاولاد.

في هاك الايام، ما كنت تسأل حالك شو أريح طريق تعيش، كنت تسأل شو أريح طريق تموت.. حولوا البلد لمصيدة كيف ما تحركت الموت قدّامك.. والناس اللي رموهم في الجبال عشرات منهم ماتوا على الطريق من الجوع والعطش.. ما سمحوا لهم يحملوا معهم شي.. لا خبز ياكلوا ولا مي يشربوا.. وياما أطفال فحمت بين ايدين امهاتهم..

السيره طويله، طويله كثير، بس قبل ما تنتهي سجّل هالحادثه :

كان لنا جيران،

بلاش نذكر اسامي،

الحرمه بعدها طيبه،

والبنت بعدها طيبه،

وأبوها المسكين، يمكن عايش يمكن مات،

دخلوا عليه وسحبوه،

ومن يومها ما عرفنا شو صار فيه،

الحرمه كان عمرها يا دوب خمسه وعشرين، يا دوب ثلاثين دخلوا عليها خمس جنود،

مزقوا ثيابها، والبنت تطّلع عليهم،

اغتصبوها واحد ورا واحد،

وبعد ما صار اللي صار، سحبها جندي لساحة الجامع، والبنت بقيت في البيت تصرخ وتبكي،

نادانا جندي وقال : تعالوا خذوا البنت،

صرنا نبحث عن أمها. وجدناها في المجمع.

أعطيناها البنت. كانت دموعها تغسل وجهها.

(عن "وما نسينا أو سيرة الشيخ المشقق الوجه")