إبحارٌ في ديوان سيمفونية الحزن المسافر

 

للشاعر نزيه حسّون

 

سيمفونية الحزن المسافر هو الديوان الثالث للشاعر نزيه حسّون  بعدديوانه الاول  "ميلاد في رحم المؤساة" وديوانه الثاني  

 

"ابحث عن جسدٍ يلد النصر" الذي لاق استحساناً ورواجاً كبيرين لما تضمّنه من قصائد وطنية ثورية تحمل

 

هموم الناس أحزانهم آلامهم أمانيهم وطموحهم لتغيير الواقع بل والثورة عليه ...

 

 

ومع سيمفونية حزنه المسافر ... وبين إيقاعاتها الجميله  واحزانها الشجيه كان لنا هذا الإبحار.

 

انّ شاعرنا في ديوانه الاخير والذي يتضمّن عشرون قصيدة ابتداءًا بقصيدة  " سيمفونيّة الحزن المسافر"

 

التي تحمل عنوان الديوان وانتهاءًابقصيدته   "لمّا ثملتُ بحسنها" . يحرص على مراعاة القواعد الجمالية

 

في القصيدة العربية من الوزن والقافية والتشابيه المبتكرة  والاستعارات التي تخطفك بسحرها وتنقلك

 

الى عالمه الذي يرسمه من خلال حبيبته ووطنه وحزنه وفرحه , بل الى كوكبه الذي يسكنه ويريد لنا

 

أن نحلّق معه لنحط على هذا الكوكب الرائع...

 

انّ الحب ليس بحاجة الى فلاسفة أو محلّلين بل هو بحاجة الى شعراء وفنّانين....انّ الشعراء بما يغدقون علينا

 

من التأملات العذبة والأخيلة الحزينة احيانا والفرحة  احيانا اخرى  يترجمون ما بانفسنا من حب ويوقظون

 

ما بداخلنا من مشاعر قد لا نستطيع التعبير عنها وترجمتها كما يفعل الشعراء..

 

كلّنا يعشق وكلّنا يحب لكن شاعرنا يضفي على حبه وحزنه وتاملاته وثورته معانِِ تسمو به وتحلّق معه

 

الى معان تزيد  من قيمة الحب والحبيبة...اليس هو القائل:

 

يا صبايا العشقِ عذرًا

 

ليس اسمى... من دموع الحزن

 

في اجفان شاعر .

 

إنّ شاعرنا يولي اهمية كبرى للحب ودوره في حياته بشكل خاص ، وكم هو غاضبُ

 

وثائرٌ على اولئك الذين يسخرون من الحب ويهاجمون المحبين فيقول لهم بلهجة مليئة بالحزن

 

والغضب :

 

من يرون العشق جُرماً

 

قد أباحوا القتل عندي

 

حلّلوا بيع الضمائر .

 

 

لن يقول : العشق عارًا

 

غيرُ سفّاحٍ وكافر .

 

حقاً إنّ الحب نفسه قد لا يخلو من مرارة , ولكن اللغة الشاعريّة عند شاعرنا قد جعلت  من عذابات الحب

 

حافزا للابداع في وصف حبّه وحبيبته  :

 

 

 

 

طرّزت من شعر الهوى ....منديلا

 

وكتبتُ فيك قصائدًا وفصولا

 

وسكبتُ فيك جداولا من أدمعي

 

حتى غدوتُ بأدمعي مبلولا .

 

وجب علينا أن نتوقف عند بيتين من الشعر وردا في هذه القصيدة وُفّق الشاعر فيهما وأحسن  إذ يقول :

 

هذي الشفاهُ الحانياتُ ....كأنها

 

خُلقت لهمسٍ خلته ....التقبيلا

 

هذي الجدائلُ لو شُنقتُ ....بخصلةٍ

 

سأكونُ في خُلد الجنانِ نزيلا .

 

إنّ الحب عند شاعرنا يعلو ويتسامى عن الجسد والرغبات الجنسيّة  فمفهوم الحب عند شاعرنا يخاطب الروح

 

بل إنّه  اتّحاد روحي مع الحبيب..فغاية  الحبّ عنده هو الخلود والبقاء :

 

كلُّ الرجال يريدُ أُنثى للسرير وللهوى

 

وأنا الوحيد أُريد أُنثى للنجوم وللسماء

 

كلّ الرجال يريدُ أنثى لليلةٍ

 

وأنا الوحيدُ أريدُ روحاً للخلود وللبقاء

 

اريدُ روحا للخلود وللبقاء .

 

ليس الشاعر وحده من تبدو عليه علامات الحب والافتنان بالحبيبة ، إنّما الطبيعةُ أيضاً تشاركه هذا العرس

 

العشقيّ الهيامي ..فالننظر كيف مازج الشاعربين ذاته والطبيعة بهذه  الابيات الرائعات  :

 

 

لكِ أنتِ أسرابُ الحنين ....تزقزقُ

 

ولك القصائدُ والزنابقُ...تنطقُ

 

ولك النجومُ تخرُّ من.... عليائها

 

ولكِ القلوب الخافقات ...تصفّقُ .

 

ونراه ايضا يعيش هذا التمازج الجميل اذ يقول :

 

يتلو محاسن لحظها القدرُ

 

ويكادُ يشبه وجهها القمرُ

 

ويكادُ عند بزوغها القاً

 

سحرٌ من الاضواءِ ينتشرُ .

 

إنّ تأثّر الشعراء  بالطبيعة وما تتركه في النفس من أحاسيس لا يمكن ترجمتها وإن كان بالامكان

 

محاولة  التعبير عمّا  تتركه من احاسيس ومشاعر وصمت وتوحّد وانصهار ....وشاعرنا له

 

علاقة حب وادمان وتاثّر وانصهار بالمطر وما يتركه في نفسه من احاسيس.. مما  يحدو به

 

لأن يخاطب حبيبته فيقول لها :

 

فيا أُنثايِ التي نزلت من السماء

 

أستحلفك بالسماء أن تتركيني مُدمناً

 

لخمرت الشتاء

 

ولا توقظيني

 

من سكرة المطر  .

 

الريح يا أميرتي تداعب الشجر

 

والزجاج في نوافذي

 

صار أجمل لوحةٍ

 

مرسومةٍ بريشةِ المطر .

 

فسافرت من فضاءات القلبِ

 

نوارس القصائد

 

لتغسل أجنحتها   بالريح والمطر

 

وتنتشي كطفلةٍ تبلبلت بالفرح

 

وتعود حاملةً لي .....

 

قوسَ قُزح .

 

كيف لا وحبيبته هي مصدر وحيه وإبداعه وهي ملهمته لقول الشعر . اذ ان حضورها في حياته ووجدانه

 

يوحي له بكلمات وقصائد وتاملات وتعابير  كان من الممكن ان لا يستلهمها لولا وجودها في حياته ..أوليس هو

 

القائل :  

 

 

وعلى شفاهك تنمو الفُ قصيدةٍ

 

ابياتها في ....قلبِ قلبي تخفقُ .

 

الم يقل لها ايضا في قصيدته الجميلة بعنوان " لا تسالي " :

 

لا تساليني

 

كيف اكتب ؟؟

 

ماذا أكتب ؟؟

 

كيف أعشق ؟؟

 

ماذا أعشق ؟؟

 

من أكون ؟؟

 

 

حينما أبصرتُ عينيكِ تعلّمتُ

 

الكتابة والعبادة والسباحة

 

في محيطات الجنون !!

 

كما ويجب الاشارة الى أنّ  الشاعر في قصيدته نفسها " لا تسأليني " ,  يتطرّق الى التسائل

 

الفلسفي عن وجود الانسان وعمر الانسان فيصوغه  باسلوب شعريّ رائع اذ يقول مخاطبة حبيبته :

 

لاتسأليني

 

أين يا حبّي التقينا ؟؟

 

ومتى تفجّرَ عشقنا ؟؟

 

لا تسألي

 

بل اخبري عنّي جميعَ السائلين

 

إنّي عشقتك

 

قبل ميلاد الهوى

 

قبل انبثاق الكون

 

آلاف السنين .

 

ونقول ...إنّ الشاعر نزيه حسّون شاعرٌ مرهفُ الحسّ شفيف الشعور تمتاز قصائده بلغةٍ  تتجانس وتتزاوج مع

 

المعنى الذي يريد الوصول اليه .. وشاعرنا ما يزال متمسكا بجامالية الشعر العربي الكلاسيكي من اعتماد

 

 

 

الوزن والقافية ووحدت المقطع في القصيدة والكلف بالوان البديع والبيان ..باسلوب عصري

 

يتلائم ملائمة تامّة مع تطورات الشعر العربي الحديث ..فله بعض القصائد تصل الاربعين بيتاً

 

مقيّدة  بوحدة الوزن والقافية هذا  الى جانب ابتكارالمعاني وصقلها واختيار الالفاظ التي تتناسب

 

بشكلٍ رائع مع إنسياب معاني القصيدة واهدافها... ممّا يدلّ على أنّه قوي الجناح يستطيع أن يحلق

 

بعيدا دون أقلّ  شعور بالتعب وبدون أن يُشعر القارىء بأي إحساس  بالملل..إنّه يميل الى مدرسة

 

الشاعر الكبير نزار قباني مع احتفاظه بأسلوبه المميّز والخاص ..يتخذ من جمال المراة والحبيبة

 

معاني  تسمو على حبّ الجسد ..بل إنّه يصف جمال المرأة وجسدها  بمعانٍ واشعارٍ تضفي عليها

 

معانٍ روحيّة تزيد من سحِر  المرأة وبهائها ....

 

وجهُ أُنثى مثلَ زهرِ العشق

 

بل أحلى قلبلاًا

 

شَعرها حقلُ سنابل .

 

وجهها نورٌ يغنّي

 

وأناشيدُ بلابل .

 

جيدها مثلُ هلالٍ

 

من رحابِ الشثهب نازل .

 

إنّ القصيدة  الغزلية عند الشاعر نزيه حسون هي  عبارة عن خلق حالة وعالم يجعل القارىء  يندمج

 

مع القصيدة إندماجاً تامّاً  ويعيشها متعاطفاً مع حزن الشاعر الذي يخيّم عليها من خلال ابياتها ..

 

فلا تكاد قصيدة غزليّة في ديوان " سيمفونيّة الحزن المسافر " تخلو من لفحة حزن أو دمعة الم  وكانها تعبير  عن

 

هاجس الشاعر من لضياع حبيبته منه أو من ضياعه هو عنها في هذا العالم المثقل بالآم  والمتاعب والهواجس...

 

تعليقات

اترك تعليق
الاسم :
الرجاء إدخال إسم.
البريد الالكتروني :
التعليقات :
الرجاء إدخال التعليقات.
شكراً على مشاركتك، لقد تم استلام تعليقك وسيتم نشره بمجرد الموافقة عليه.
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي " موقع مدينة شفاعمرو الاول " الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية نشرها، كما و تحتفظ ادارة الموقع لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال.