زياد شليوط

مع انطلاق احتفاليات الاحتفاء بالمئوية الأولى لميلاد قائد العروبة الخالد جمال عبد الناصر، والتي سجلت ورسخت حضورا متجددا للزعيم في قلوب الملايين من العرب، استفاق عدد من الحاقدين والمضللين والمصابين بحالة النسيان ( الألزهايمر) السياسي، ليشنوا حملة بائسة وفاشلة تذكرنا بحملات مشابهة وخاصة بعد رحيل الزعيم وبتأييد وانفتاح من سيء الذكر أنور السادات. عادت الأصوات النشاز وهذه المرة عبر صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الألكترونية من خلال تعليقات سطحية وركيكة لتهاجم القائد وتاريخه الناصع ومسيرته المشرقة وانجازاته الراسخة، وتستغرب من اقامة الاحتفالات بمناسبة المائة الأولى لميلاده. ولم يتورع هذه المرة من الانضمام لهذه الحملة المشبوهة، بعض من أطلقوا على أنفسهم أنهم من محبي عبد الناصر في الماضي والمعجبين به ( ومن الحب ما قتل!) ، ليخرجوا علينا بمقولات أكل عليها الدهر وشرب، لكنهم يصرون على العودة اليها وكأنهم كورس يكرر مقطعا غنائيا ليرسخ في الذاكرة الجماعية للناس، ولا شك أن تلك المقولات تغلغلت في عقول البعض ولوثتها، مما جعلهم يعودون على هذه الأسطوانة المشروخة مغلفينها بعبارات التزلف والرياء أولا، وبعدها موجهين سهام الحقد والطعن ( حتى أنت يا بروتوس!) وقبلها يسجلون كلمة الاستدراك ولكن .. ( احذر لكن هذه!)، ليبثوا أفكارهم الملوثة وخاصة الادعاء بأن عبد الناصر دمر مصر وأعاد العرب للوراء نتيجة الحروب الخاسرة التي خاضها وخاصة حرب حزيران 1967، وأنه كان ديكتاتورا متسلطا على شعب مصر، وأكتفي بهذين الادعاءين الأكثر انتشارا في أوساط الحاقدين والخصوم بعدما فشلت ادعاءاتهم الأخرى، لأرد عليهما وأكشف سطحيتهما.
إن عبد الناصر خاض في حياته ثلاث حروب وهي: حرب السويس التي عرفت باسم العدوان الثلاثي الذي جاء بعد قرار تأميم قناة السويس، عدوان حزيران والذي اشتهر بصفة النكسة وحرب الاستنزاف التي أعقبت حرب حزيران، وخاض في مماته حرب أكتوبر الذي تحققت فيه عملية عبور قناة السويس.
في حروبه تلك سجل عبد الناصر الانتصارات، باستثناء نكسة حزيران، ونذكر أن العدوان الثلاثي وعدوان حزيران لم تكن مصر البادئة فيها. فالعدوان الثلاثي جاء في أعقاب قرار عبد الناصر تأميم قناة السويس من أجل بناء السد العالي، وأكد العدوان أن الغرب والدول الاستعمارية لا تريد لمصر الاستقلال والحرية، لكن عبد الناصر مع شعبه وقواته المسلحة والمتطوعين دحروا العدوان وبمساعدة الاتحاد السوفييتي الدبلوماسية آنذاك. هذا النصر وعلو شأن عبد الناصر على صعيد الأمة العربية وتحوله الى بطل قومي، جعل الاستعمار لا ينام الذي عمل جاهدا على محاربته بشتى الأشكال حتى التخطيط لاغتياله الجسدي. وجاء عدوان 1967 الذي لم يبادر اليه عبد الناصر على عكس ما يروج المضللون، وهو الذي أصدر أوامره بهذا المعنى لوزير الحربية، لأنه كان على علم بأن الولايات المتحدة ستقف كلية الى جانب اسرائيل، وعاد لينبه ويحذر القيادة العسكرية وعلى رأسها عبد الحكيم عامر، وزير الحربية على أن اسرائيل ستشن عدوانها يوم 5 حزيران، لكن المشير فضل السهر ليلة الخامس من حزيران بدل الالتفات الى تحذير رئيسه، ووقعت الضربة ورغم أن عبد الناصر لا يتحمل المسؤولية لوحده، إلا أنه أخذ على عاتقه كامل المسؤولية وأقدم على الخطوة الطبيعية والجريئة باعلان التنحي ( الاستقالة) عن الرئاسة، لكن الشعب خرج بملايينه يرفض التنحي ويطالب الريّس بالبقاء. أما الذين يدعون حتى اليوم أنها كانت مسرحية، عليهم أن يقنعونا كيف يمكن ملايين أبناء الشعب المقهور والحزين من آباء وأشقاء وأقارب آلاف الشهداء، ليطالبوا من أرسل بأبنائهم للموت بأن يبقى على رأس السلطة، بل كيف يمكن انزال الملايين من العرب في العواصم العربية الى الشوارع؟! انها لم تكن سوى محبة الملايين لقائدهم، ويقتهم بهم وأنه الوحيد القادر على التصحيح وتحقيق النصر.
وفعلا هذا ما أنجزه عبد الناصر من خلال حرب الاستنزاف، وتنفيذ عمليات عسكرية ناجحة بعد أسبوعين من الهزيمة، واعادة بناء القوات المسلحة المصرية والتي أشرف عليها يوميا، ويمكن مراجعة مذكرات الفريق محمد فوزي، وزير الحربية آنذاك الذي كتب تفاصيل تلك الحرب والانجازات العسكرية التي تحققت خلالها. وهذا الأمر أوصل الجيش المصري لتحقيق النصر في حرب أكتوبر 1973، بعد وفاة عبد الناصر الذي أتم الاستعدادات لهذه الحرب، لكن السادات الذي وضعه القدر في موقع الرئاسة ولأنه ليس صاحب النصر الفعلي، أوقف العمليات بشكل فجائي ومشبوه ومهد الطريق لاتفاقية كامب ديفيد والصلح مع اسرائيل.
أما مسألة الديكتاتورية فسأتناولها في المقال القادم، والى حينه أنقل هنا ما قاله المفكر المغربي، د. عبد الاله بلقزيز في مقالة له بمناسبة مئوية عبد الناصر، حيث يقول فيه: " كأنّه قَبَس من ضوءٍ شعَّ، على حين غرّة، فأنار ظلمة ظلماء غَشِيَت تاريخَ عَربٍ كانوا، تقريباً، خارج التاريخ. غيَّر عبدالناصر وجْهَ مصر، في بحر عقدٍ ونصفِ العقد، ومعها وجْه الوطن العربيّ برمَّته، أطلق ما كان مكبوتاً من طاقاتهما، وزوّدهما بالمشروع التاريخيّ النهضويّ، الذي افتقدناه منذ زمن، وفرض هيبتهما في العالم كلِّه".
( شفاعمرو/ الجليل)