زياد شليوط

عملت الى جانب الأستاذ حسين اغبارية، في جمعية التطوير الاجتماعي في حيفا لمدة عامين بين 2012-2014، وخلال هذه الفترة توثقت معرفتي به أكثر عما كانت من قبل. 
منذ اليوم الأول لمست في حسين ذلك القلق الدائم والتفكير المتواصل في أهل حيفا العرب، وكيفية تطوير أحيائهم ودعم مؤسساتهم وتنظيم حياتهم ومستقبلهم.
لقد عملت معه في عدة مساقات شغلت باله وأعطى لها اهتماما كبيرا، ليس لمجرد الخدمة والعمل وتسجيل الأعمال والانجازات، انما أولا وأخيرا من منطلق تعزيز المجتمع العربي الحيفاوي وتدعيم حضوره وليس وجوده فقط. كانت أولى القضايا الأحياء العربية وتعزيز ومساندة عمل لجان الأحياء، واقامة لجان جديدة حيث نجح من خلال هذا المشروع بزيادة عدد اللجان وتحقيق التنسيق بينها والدفع بها نحو العمل الوحدوي المستقل من أجل انتزاع حقوق الأهالي.
تنبه الأستاذ حسين وفي وقت مبكر لمسألة العنف، قبل أن تستشري على النحو الذي نراه في مجتمعنا، وقرأ أبعاد أعمال العنف المبكرة التي وقعت في حيفا، وأغضبته جريمة قتل الشاب محروس زبيدات الى حد كبير، جعلته يتبنى قضيته ويقف الى جانب ذويه ودعمهم في خطواتهم ومرافقتهم معنويا وماديا. ومن خلال عملنا في دائرة  المجتمع الآمن، نظم بالتعاون مع مؤسسات أخرى وحراك شبابي وشخصيات مستقلة أكبر مظاهرة شهدتها أحياء حيفا العربية غضبا على الجريمة واستنكارا للعنف. وواصل الأستاذ حسين الليل بالنهار يعمل ويتصل وينسق ويتشاور للوصول الى اصدار ميثاق مكافحة العنف، والذي تم توزيعه على المدارس يحمل توقيع مدرائها ومعلميها، كما قام الجمهور بالتوقيع عليه من خلال فعالية فنية احتجاجية على العنف والجريمة أقيمت في حي الألمانية بمبادرة جمعية التطوير الاجتماعي.
رأى الأستاذ حسين ومن خلال نظرته الثاقبة لواقع مجتمعنا، ما حل بمكانة المعلم عامة والعربي عامة في مدارسنا ومجتمعنا، فعمل على تدعيم مكانة المعلم واعادة الاعتبار لمكانته ودوره التربوي والاجتماعي، فكانت مبادرته لاقامة "يوم المعلم العربي" في حيفا، والتي تحولت الى مناسبة سنوية، تقوم من خلالها الجمعية بتوزيع الورود والحلوى على المعلمين والمعلمات في مدارسهم، واقامة أمسية عامة لمعلمي المدارس بهذه المناسبة، هذه الفعالية التي رافقتها نشاطات في عدة مدارس برعاية الجمعية، تؤكد على مكانة المعلم ودوره وأهميته، مما ساهم في تعزيز مكانة المعلم وتذويت ذلك بين الطلاب، والذي انعكس في نمط العلاقة بين الطلاب والأهل والمدرسة.
من خلال قربي منه تعرفت اليه أكثر وكنا نتبادل الأفكار والآراء ونعقد النقاشات العفوية، من خلال لقاء طاقم الجمعية حول مائدة الفطور أو الغداء أو في مناسبات ولقاءات أخرى، وكم كنت أرى صدقه من خلال حرارة كلماته وتعابير وجهه ويديه في شأن يعاني منه مجتمعنا وشرقنا بأسره، وهو الانقسامات الطائفية وانتشار دعوات التكفير حيث عمل على محاربتها بكل ما لديه من قوة. لقد كره حسين التقسيم الطائفي ومقت الطائفيين واشمأزّ من القوى الظلامية والتكفيرية.. كان حريصا على وحدة الشعب العربي برمته، وآمن بالانتماء القومي والرابط القومي لهذا الشعب كضمانة لسلامته ووجوده، لكنه أبدى امتعاضه وضيقه الشديدين بما آلت اليه القومية أو بالأحرى حال القيادات المتنابذة والمتشتتة وابتعادها عن الطريق القومي، مما أتاح للقوى الظلامية والمتخلفة اجتماعيا وحضاريا أن تنتشر وتنشر أفكارها وتجد التربة الخصبة لها من خلال الجهل والفقر، وهذا ما كان يؤلمه ويحز في نفسه كثيرا.
رحم الله فقيدنا، الذي عمل بكل اخلاص وأمانة على تطوير مجتمعه، والذي كان صاحب مواقف لا يساوم عليها ولا يواريها وينافح عنها بكل ما أوتي من قوة وارادة.