زياد شليوط

..يتلعثم القلم وتتعثر الأفكار.. حين يأتينا خبر رحيل ابن شفاعمرو البار المغترب في تورنتو (كندا)، المربي والكاتب والمناضل ناجي سليم فرح، عن 87 عاما ونحن في شوق اليه. يأتي خبر رحيل أبي خالد متزامنا مع خبر آخر مفجع وصادم ويصعب على العقل استيعابه لساعات، انه انفجار "بيروتشيما" في مرفأ بيروت، العاصمة اللبنانية، عروس الشرق التي غرقت في دمائها لمرات ومرات. ويأتينا خبر رحيل أبي خالد ونحن أبناء بلده شفاعمرو، نحيي ذكرى شهدائنا الأربعة ميشيل، نادر، هزار ودينا، الذين سقطوا لنحيا، على يد قاتل عنصري يميني بغيض، قبل خمسة عشر عاما. فينشطر القلب الى ثلاث اتجاهات، شطر الى الشمال، الى "ست الدنيا" بيروت الحبيبة، العروس الجميلة، التي سحرتنا بجمالها وثقافتها وفنها ونضالاتها. وشطر الى الغرب، يرحل عبر البحار رغم قيود الكورونا، ليشارك في وداع من أحببناه، وعشنا معه ولنا معه وفيه ذكريات باقية.

رافقناه في وقفاته عشية "يوم الأرض" الخالد، حيث كان يصول ويجول، يواصل الليل بالنهار، يقود التحضيرات ليوم الأرض، ويقف شامخا، خطيبا وعريفا لمهرجان إنجاح اضراب "يوم الأرض" الأسطوري في شفاعمرو. وعايشناه في تنظيم "اتحاد الأكاديميين" حيث نال ثقة زملائه ورفاقه فأولوه مهمة رئاسته، فتحول الاتحاد الى تنظيم مركزي في شفاعمرو برئاسته وقيادته. واختارته "جبهة وحدة شفاعمرو" التي جمعت كافة الهيئات الشعبية في ذلك الحين، ليرأس قائمة الجبهة وكل الوطنيين لانتخابات مجلس العمال، وفازت القائمة بأربعة مقاعد، لأول مرة برئاسته وقيادته. كنا نستمع اليه في الاجتماعات ونعجب بفكره وحنكته ورؤيته الوطنية الحكيمة. وكم فرحنا بقصصه وأدبه وكتاباته بلغته العربية الجميلة. وكم ذرفنا الدموع وأسفنا يوم رحيله عن شفاعمرو الى ديار الغربة القاتلة. كم تمنينا ان يتراجع عن قراره، أو يقهر ما فرض عليه ويبقى في أرض الوطن، ليواصل المهمات الملقاة عليه، وأداء دوره الوطني والبلدي. 
على الصعيد الشخصي، سمعت باسم ناجي فرح منذ أيام الطفولة في بيت العائلة، حيث علمت أنه كان صديقا لعمي المرحوم الأستاذ شفيق، وكانا على اتفاق في الآراء السياسية ومعهما أيضا المهندس سامي تلحمي، أطال الله في عمره، وعدد من الشباب الذين لعبوا دورهم التقدمي كشباب في تلك المرحلة. وتحدثني والدتي بأن ناجي كان يتردد على بيت العائلة، وهذا منحه الحق في المبادرة لاحضار شجرة الميلاد وتزيينها، بعد سنوات قليلة على رحيل عمي يوسف (أكبر اخوته)، والذي توفي في ريعان شبابه، وقضت العائلة سنوات في حزن وحداد عليه، كما كان متبعا في ذلك العهد.
وحدثني المربي الدكتور عمر خطيب، بأن علاقة مميزة ربطت الأستاذ ناجي بوالد المرحوم سعيد خطيب (أبو عمر)، منذ أواخر خمسينات القرن الماضي، حيث تشكلت لجنة للدفاع عن العمال في أعقاب الحادث الذي سمي "طوشة الباصات"، وتولى المربي ناجي فرح أمانة الصندوق وكان في عضويتها السادة المرحومين: سعيد خطيب، يوسف حايك (أبو عازر)، والسيدين سليم خنيفس (أبو مزيد) والمهندس سامي تلحمي (أبو ماهر) أطال الله في عمريهما. وذكر الدكتور عمر أن المرحوم ناجي حضر ذات يوم الى بيتهم في ساعات الصباح الباكر لينبه والده من حملة تفتيش البيوت، التي تقوم بها السلطة وطلب منه ابادة الأوراق المتعلقة بعمل اللجنة، ومن المعروف أن البلدات العربية كانت في تلك الفترة تخضع للحكم العسكري.
وبعدما سافر الأستاذ ناجي مع عائلته الى كندا، أخذ يرسل بقصص قصيرة الى المنابر الصحفية الثقافية، فنشر عددا من القصص القصيرة في جريدة "الاتحاد" ومجلتي "الجديد" و"الغد" وفيما بعد في صحيفة "فصل المقال". وكان قد ساهم في كتابة مشاهد من مسرحية "مهما صار" قبل مغادرته البلاد، والتي لاقت نجاحا كبيرا.
وعلى أثر ذلك بادرنا في "رابطة الجامعيين" الشفاعمرية، الى نشر قصة قصيرة له بعنوان "قراءات خاطفة في حزيران آخر"، في مجلتنا السنوية في عدد "الكساير"عام 1983، أرسلها لنا الأستاذ ناجي وكان من المخطط أن تصدر له الرابطة (والتي رأينا فيها امتدادا لاتحاد الأكاديميين) كتاب قصص، لكن المشروع لم ير النور للأسف. 
أبو خالد.. تودعك اليوم تورنتو، ليس كما ودعتك شفاعمرو قبل أربعة عقود. "صف طويل من الرجال والنساء، جيران وأقارب وأصدقاء ورفاق درب، وقفوا كما يقف الناس لتلقي العزاء بعد جنازة، وأنا وميمي (زوجة الكاتب) نمرّ بهم واحداً واحداً. فما هذا الفيض من الحبّ؟ أين أجد له مثيلا؟ لقد تراءى لي يومها كأني أحضر جنازتي، وأنا حيّ يرزق!" (من كتابه "ذكريات مهاجرة" ص 16)