مارون سامي عزّام

سـقـط مـجـد من أمجاد لـبنان
وفاءً لروح الـمُوسيقار ملحم بركات


شهر تشرين الأول المنصرم، يُعتبر أوج فصل الخريف، ففيه تساقطت أوراق الشّجر على الأرض، ووقفت أغصانها عاريةً، تهزّها رياح الحسرة بقوّة، وهذا الشّهر أيضًا هو خريف عُظماء الفن، إذ تساقطوا الواحد تلو الآخر عن شجرة العطاء الفنّي، بدءًا بالعملاق وديع الصّافي، فالشحرورة صباح، وأخيرًا الموسيقار ملحم بركات، حامل عبء مسئولية الأغنية اللبنانية، خوفًا عليها من التآكل لبنانيًّا. ناضل فنيًّا ضد إهمالها طوال مسيرته، حفاظًا على جنسيّتها التّاريخيّة، بعد أن كاد بعض كبار مطربي لبنان الحاليين، يتخلّون عنها، ليدخلوا العالم العربي، بجنسيّة فنيّة مصريّة، كي تحظى أغانيهم بانتشارٍ عربي واسع النّطاق، من أجل أن ينالوا صبغةً رسميّةً، ولإثبات قدراتهم اللفظية على الغناء بعدّة لهجات!
ملحم لم يكُن ضد غناء الأغنية العربيّة عامّةً والمصرية خاصّةً، لقد تربّى على أغاني عمالقة مصر، أمثال عبد الوهاب وأم كلثوم، أمّا في مجال التلحين فتأثّر بالموسيقار فريد الأطرش، لكنه كان يصب جام غضبه على إصدار المطربين اللبنانيين، معظم أغاني ألبوماتهم باللهجة المصريّة، لنجد أغنيتين أو أقل باللهجة اللبنانيّة، جاعلين من الأغنية اللبنانية هامشيّة جدًّا، هؤلاء المطربين انطلقوا عربيًّا على أجنحة الأغنية اللبنانية، حلّقت بهم إلى التعاقد مع قناة روتانا، إلاّ أن الموسيقار ملحم بركات رفض الانضمام إليها، رغم الإغراءات الماديّة، ولم يقبَل أن يكون مجرّد سلعةٍ فنيّة تجاريّة، تُتاجر بتاريخه شركة روتانا، بهدف الرّبح، وليس بهدف رعاية قيمته الموسيقيّة وقامته الغنائيّة!!
برحيله فَقَدَ لبنان هذا الثّائر الذي لم يَهَب أحدًا، فتصريحاته العفوية أثارت غضب الفنانين والإعلاميين، وحتّى السياسيين... فَقَدَ لبنان عاشقًا جنونيًا للإبداع الموسيقي اللحني، الذي انصهر به، فالتحم بأغانيه، وذوّب بها ذوق الجمهور العربي. وسائل الإعلام اللبنانيّة المسيّسة لم تنصف بتاتًا ملحم بركات، يوم مماته، لم تُكرّمه كما يجب، إنّها كرّرت نفس السيناريو مع بقيّة الذين رحلوا... تلفزيون لبنان الشّاهد التّاريخي الأول على الفن اللبناني، لم يُكرّس له برنامجًا كاملاً، فهو الذي يحتفظ بأكبر أرشيف عنه، اكتفى كغيره من وسائل الإعلام ببث مراسِم الجناز والمسيرة الجنائزيّة الشعبيّة.
الإعلام اللبناني يحتاج إلى إعادة هيكلة... يحتاج إلى تشريع قوانين ونُظُم تعيده إلى مساره الصّحيح، كما قال مؤخّرًا الإعلامي القدير جورج قرداحي، ولكن هيهات، ففي لبنان المجلس الوطني للإعلام فاشل كما الدّولة، فهناك كل وسيلة إعلاميّة تابعة لحزب سياسي، لذا ضاع تاريخ ملحم بركات الفنّي في الفوضى الإعلامية القائمة، كما ضاع تاريخ جميع الكبار ممّن سبقوه. 
الآن جميع وسائل الإعلام اللبنانية ما زالت تحتفل بانتخاب العماد مشيل عون رئيسًا بعد شغور رئاسي طويل الأمد، ونسُوا ملحم بركات، ولكنّهم سوف يتذكّرونه في الذكرى السّنويّة الأولى لرحيله بشكل عابر، كما فعلوا مع أمثاله... من هنا أستشف أن جميع من غنّى لأرزة لبنان الشّامخة والصّامدة، ولعلَم لبنان، وغُطّي نعشه به، لم ولن يُكرّم رسميًّا، فقط سيُخلّد في ذاكرة محبيه عامّة وأسرته خاصّةً.
وفاة "المعلّم"، كما كان يُلقّب ملحم، كانت فجائيّة، غير متوقّعة أبدًا، لأنه لم يغِب عن جمهوره إلاّ في الأسبوعين الأخيرين، إذ كان مصابًا بسرطان "البروستات"، الذي سُرعان ما انتشر في جسده، حسب المصادر المقرّبة من الأسرة، ولم يُمهله كثيرًا... اللوم كله يقع على إدارة المستشفى وطبيب ملحم بركات، الذين لم يكشفوا حقيقة مرضه لجمهوره، أي من منطلق حريّة المعلومات، "ويحق للجمهور أن يعرف"... 
... بقي كتمان مرضه يحوم حول أسرته وسرير مرضه. من المعروف عن أسلوب الإعلام اللبناني، أنّه مشهور بالبهدلة العلنية، وفضح الأسرار، أستغرب من تعامله مع الحالة الصحية للزعماء والفنانين الكبار، على أنها سرًّا أمنيًّا، ممنوع نشره أو التداول به، ينسى أهل الصحافة أنّه كما أن حياة كل شخصيّة عامّة مُعرّضة للشّائعات، أيضًا هي مُعرّضة لأي طارئ صحّي، يهُم الشعب. لم يُطرَح بتاتًا موضوع صحّة الشخصيات العامّة والشّهيرة للنّقاش العام على الطاولة الصحفيّة المرئية أو المكتوبة، ليتباحث به المختصّون، فلو حصل هذا لأمر في دولة متحضّرة، تحترم عقل شعبها، لأثارت ضجّة إعلاميّة، ولكن لبنان دولة مفكّكة مؤسّساتيًّا، يعمُّها الفوضى في كل مرافئها الحيويّة، التي ستؤدّي إلى انهيارها!! هذا التصوُّر دائمًا تحدّث عنه ملحم بركات.
على المستوى السياسي، لم يكن هناك حضور رسمي مهيب في الجنازة، كما لم يُشارك رئيس الوزراء أو رئيس مجلس النوّاب، بل اكتفيا بإرسال ممثّلين عنهما، يعني استكثرَا عليه مشاركتهما الفعليّة، هذا دليل على إخلاء الدّولة لمسئوليّتها الأدبية تجاه ملحم، الذي غنّى أجمل الأغاني الوطنية، وغنّى في عام 1998، لرئيس الدّولة الأسبق إميل لحّود، وبالأخير تنكّرت لملحم على المستوى الإنساني، فهو من صَدّر الوجه الفنّي الحضاري إلى العالم العربي، على عكس زعماء لبنان الذين صدّروا إلى العالم مشاكلهم السّياسية المزمنة. لبنان الذي كنت أراه دولة أوروبيّة المظهر، تبيّن لي لاحقًا أنه غارق بالمظاهر الاجتماعية وبخداع المواطنين، لم يرتقِ بعد إلى مصافِ الدّول الحضارية التي تحترم صانعي مجدها الفنّي والثقافي. 
علاقتي الفنيّة مع الموسيقار ملحم بركات، كانت فقط من خلال استماعي إلى أغانيه، منذ ثلاثين عامًا وأكثر، رغم أنّي لم ألتقِ به كما فعل العديد من الأشخاص في مجتمعنا، الذين افتخروا أنّهم التقوا به وتصوّروا معه! هذه الأمور لم تعنِني كثيرًا، لكن في تلك الفترة، إبّان دخول سوريّا للبنان، بضوءٍ أخضر من أمريكا، غنّى الموسيقار موّالاً لسوريّا في عهد الرّئيس حافظ الأسد، ما زال موجودًا في أرشيف ذاكرتي، رغم مرور كل هذه السّنين، تقول كلماته: يا ابني نسيتك خلّيك حافِظ / على حُب الوطن والجار حافِظ / ومتل ما سيّد الأبطال حافِظ / حفَظ لبنان من شرّ الخراب. هذا الموّال لم أجده في موقع يوتيوب، فهو نادر، كما كان حُب ملحم لسوريّا نادرًا، فهي التي احتضنته في بداياته، وهناك تعلّم الفن على أصوله، واكتسب خبرة موسيقيّة كبيرة، لأنه كان يغنّي يوميًّا في دمشق، هكذا تبلورت موهبته شيئًا فشيئًا، وحظي برعاية من الرّئيس الرّاحل حافظ الأسد.
معروف عن ملحم بركات أنّه كان يكره تسجيلات الأستوديو، لأنها تحصر مساحة صوته، تحِد من إبداعاته الغنائيّة، لذا آثر تسجيل الحفلات الحيّة، لأنه أحب الغناء التفاعلي مع الجمهور، الذي كان يعنيه كثيرًا، واهتم أيضًا بإرضائه، فشَعَر بنجاح حفلته من خلالهم... بعد كل حفلة، كان يجلس لوحده، يُراجع أين أخطأ وأين يجب أن يحسّن صوته، هذه هي عظمة ملحم، المتواضع فنًّا وشخصًا، البسيط لحنًا، فيا حبّذا لو يتعلم مُغنّو الأعراس منه، الذين يشوّهون أغانيه بزعيق أصواتهم. الحياة الخاصّة للموسيقار الرحيل ملحم بركات، معروفة للجميع بأنّه تزوّج مرّتين، لكنه في بداية حياته، أي قبل هاتين الزّيجتين، تزوّج من السيدة سعاد فغالي شقيقة الفنانة صباح، إنما لم يثمر هذا الزواج أولادًا. 
مشى ملحم بركات مشواره الفنّي الطويل بخُطى واثقة، فكان صادقًا برأيه، كره التملّق، أحب الصّراحة، مهما كانت قاسية، بنى مجده بالاتّكال على نفسه... عندما عمِلَ ككورال مع الرّحابنة، في بداياته، لم يهمه الأمر، فكان يعلك العلكة أمام عاصي الرّحباني، ورفض الإذعان لنصيحة من حوله، لإيمانه أن لديه موهبة موسيقية مميّزة، فسمح له عاصي الرّحباني بالخروج من الكورال، هكذا شق دربه الموسيقي لوحده، وصنع العجائب، هكذا أدهش الجميع بألحانه وأغانيه التي اشتهرت بسرعة، بمجرّد نزولها الأسواق. سيبقى ذلك الموسيقار السّاحر بأدائه، الذي أعطى الكلمة البسيطة بُعدًا طربيًّا، لم ولن يفنى، واليوم لن يستطيع أي فنان لبناني أو عربي، أن يطال قمّة مجده، مهما عَلا شأنه.