زياد شليوط

( في الذكرى السنوية الأولى لرحيله)

أثناء التحضير للاحتفال باليوبيل الفضي لتأسيس مركز "اللقاء" عام 2007، طلب مني الدكتور جريس سعد خوري – مدير المركز- يومها أن أكتب كلمة للكتاب الخاص بهذه المناسبة، عدت من خلالها الى بداية تعرفي الى المركز والذي جاء من خلال معرفتي بالدكتور جريس نفسه. واليوم وبعدما أنهى صديقنا وحبيبنا الدكتور جريس شوط حياته على الأرض قبل عام بالضبط، لا أخاله يطلب مني ما طلبه في مزحته "الثقيلة" قبل شهور قليلة على وفاته، خاصة وأنها قد تحققت بمزيد الأسى والحزن، يوم توجه اليّ في جلسة جمعتنا في شفاعمرو لتبادل الرأي في نشاطات المركز، كما كان يفعل كثيرا، وكنت يومها أحرر صحيفة محلية فلما ناولته اياها، بادرني قائلا "عندما أموت غدا ..اكتب عني". ويومها اعترضت زوجته ورفيقة عمره أم بشارة بعفوية على هذه الملاحظة، لكن تلك العبارة تعود وتلح على ذاكرتي في هذه الأيام ونحن نستذكر السنة الأولى لرحيل فقيدنا الغالي. 
اليوم تعود بي الذكرى الى بداية معرفتي بأبي بشارة، الى عام 1992 حين خاض الدكتور جريس تجربة الانتخابات البرلمانية، وجرى ترشيحه في المكان الثاني في "القائمة التقدمية للسلام"، برئاسة النائب السابق المحامي محمد ميعاري الذي أعجب بالدكتور جريس، بعدما تعرف الى أفكاره وقرأ كتابه "انتفاضة الأرض وانتفاضة السماء" كما أخبرني يوم جنازة راحلنا الكبير، فقرر أن يعرض عليه المكان الثاني وهكذا تم، ويومها توجه اليّ الدكتور جريس بناء على توصية أحد الأصدقاء، لأركز له الحملة الانتخابية في شفاعمرو.
وفي تلك الفترة كنا نتحدث يوميا تقريبا وعرفت وتعرفت الى الدكتور جريس، الى آرائه وأفكاره ومبادئه، وعرفته خطيبا متكلما صاحب صوت جهوري مقنع، يحمل مضمونا ورؤية جديدتين في تلك الحقبة، ووجدتني قريبا منه جدا لأن خطابه القومي كان يتماثل مع قناعاتي ومع محبتي للناصرية التي كان المحامي محمد ميعاري أحد أركانها في البلاد، وشكل امتدادا لحركة الأرض القومية الناصرية التي حظرت ومنعت من النشاط في ستينات القرن الماضي من قبل السلطة الحاكمة، استنادا الى قوانينها العنصرية الجائرة. 
وبين الدكتور جريس خوري أسباب موافقته على الترشيح، مصرحا لصحيفة "العاصفة" الشفاعمرية: " كما هو معروف انني انسان مستقل لم أنتمِ لأي حزب أو تنظيم سياسي رسميا، لكني تفاعلت وشاركت في جميع قرارات الهيئات السياسية الوطنية، وموقفي كان معروفا للقيادات الوطنية داخل الجماهير العربية في اسرائيل، وكان موقفي واضحا أكثر في القدس والضفة الغربية بحكم موقعي وعملي". وردا على ادعاء أن ترشيحه جاء من أجل قنص الأصوات المسيحية، أجاب د. جريس في لقائه مع الصحيفة: " الانسان الوطني والملتزم بالفكر والعمل الوطني لا يمكن أن يكون فئويا، والفئوية حاربتها من خلال كتاباتي في الصحف ونشر أكثر من عشرة كتب هدفت الى الحوار والتلاقي بين أبناء الشعب الواحد". (العاصفة 19/6/1992 العدد14). 
ومن نافل القول أن القائمة التقدمية فشلت يومها في عبور نسبة الحسم، نظرا للتآمر عليها فلسطينيا واسرائيليا ولأنها لم تخضع للاملاءات الخارجية وتم معاقبتها وحجب الأصوات الكافية عنها. وغني عن القول كذلك أن عدم نجاح القائمة أكسبنا الدكتور جريس الذي عاد الى مركز "اللقاء" والى تجديد مؤتمراته وأخذ يدعوني اليها، وفعلا شاركت لأول مرة في مؤتمر اللقاء في العام التالي ومنذ ذلك المؤتمر وأنا مواظب على مؤتمرات مركز "اللقاء" السنوية سواء مؤتمر التراث أو مؤتمر اللاهوت، ومن خلالها تعززت علاقتي به وتوثقت أكثر فأكثر. 
وعندما عاد الدكتور جريس للسياسة ثانية وهذه المرة من خلال خوضه انتخابات رئاسة المجلس المحلي في قريته فسوطة عام 1998 ونجاحه فيها، حاولنا اسداء النصح له وثنيه عن هذه التجربة، لأننا كنا على يقين أننا سنخسره في "مركز اللقاء" لكنه أصر ونفذ ما فكر فيه، فهو كان يسعى لأن يخدم قريته وأهلها ويساهم في تطويرها ورفع شأنها، ونحن كنا نريد استمرار المؤتمرات والمشاركة فيها والتواصل مع أهلنا في مناطق بيت لحم والقدس وغزة، وفعلا تعرضت نشاطات اللقاء الى التأخر واعتراها التباطؤ الى أن انتهت دورة الرئاسة، وعاد أبو بشارة بكل ثقله ليعود للقاء ألقه واشعاعه.
وهكذا اعتدنا على الدكتور جريس يقرر وينفذ قراراته باصرار وحزم ويقين.. وبعد عام من غيابه الجسدي عنا، هل يا ترى كان قد اتخذ قراره سرا ولم يفش به لأحد حتى لأقرب المقربين اليه، بأن يرحل عنا ويتركنا وهو في أوج عطائه وذروة نشاطه وفي بلد أحبه كثيرا روما، حيث درس هناك وحصل على الدكتوراة، وفي ساحة القديس بطرس في الفاتيكان حصرا؟
(شفاعمرو/ الجليل)
•    توفي د. جريس سعد خوري، يوم الأربعاء 3 شباط 2016، في ساحة الفاتيكان في طريقه للقاء قداسة البابا مع وفد مسيحي – اسلامي يمثل مركز اللقاء.