بقلم: مارون سامي عزّام

الجميع يحب أن يرى مدينة شفاعمرو، مزدهرة حضاريًّا وأثريًّا، ففيها يختبئ أمجاد أجدادنا التي نتوق إليها، أليس من المفروض بعد أن وثّق بعض المهتمّين الشّفاعمريين، وعلى رأسهم الأستاذ ورجل المجتمع الياس جبّور، الأحداث التاريخيّة التي دارت حول هذه الأماكن الأثريّة في كُتُبٍ قَيّمة، أن تُتَمّم إدارة البلدية الخائبة واجبها تجاه الأجيال الشّابة الصّاعدة، من خلال حفاظها وصيانتها لهذه الأماكن، أم أنها تحافظ عليها خطابيًّا، بترميم كلمات ردّدتها مرارًا الإدارات السّابقة؟! فهذه الأماكن تعاني من إهمال مُزمن، وبالأخص السّوق القديم والمهجور وغيره.

نحن نتمنّى أن تَظهر شفاعمرو على الخريطة السّياحيّة ليس فقط الدّاخليّة أو الإسرائيليّة، بل العالميّة أيضًا، لنَفرَح بقدوم السّائحين يومًا ما!... وكلنا نفتخر بالجذور التاريخية لشفاعمرو الممتدّة في كل زاوية من زواياها... ولكن للأسف ما الفائدة من كل هذا الحب والانتماء، طالما أن انتماءنا لحضارتنا مُغيّب عنّا وعن أم الجميع وهي إدارة البلديّة التي أحدثت بلبلة خدماتيّة، إلى الآن لم تنجح بإعادة ترميم السّوق وغيره؟! رغم أنّنا نعتبرها حاضنة لأمننا وأماننا، الرّاعية لمصالحنا، وجدناها تحتضن مصالحها الشخصية... ترعى المقربون منها!!

ذاكرتنا الجماعيّة إلى الآن تتذكّر ذلك السّوق الذي جمَع أهل البلد وأهالي القرى المجاورة، وهو يُشبه إلى حدٍّ ما المجمّعات التجارية العصرية التي نؤمُّ إليها اليوم، لكن بفارق أساسي جدًّا وهو، عندما كنّا نذهب إلى السوق القديم، كُنّا نشعر أننا بين أهلنا، إذ كانت الأُلفة حاضرة في الأحاديث المحبّبة التي دارت بين التجّار وأهل البلد، بينما المجمّعات نزورها كالأغراب، لا نعرف التجّار، فقط لتمضية بعض الوقت لا أكثر!!   

كان السّوق القديم يُعتبَر النَّبَض الاقتصادي للمدينة، لم يتوقّف نشاطه التجاري عن الخفقان، إلاّ في السّنوات الأخيرة، واليوم للأسف الشّديد، تحوّل إلى زقاق خاوٍ مُعتم، يسرح فيه العابثون والجانحون، الذين اتخذوه مأوى لتسيّبهم ولمآربهم كما أخبرني بعض الغيورين. لم نعُد نشعُر بوجود هذا السّوق العريق، أصبح غريبًا عنّا، بعد أن ارتفعت قيمته معنويًّا، خلال إقامة السّوق الميلادي الذي دبّ فيه الحياة التجاريّة لفترة معيّنة مُحدّدة مُسبقًا، ليكون نموذجًا حيًّا، يعيشه الجيل الجديد، على أمل أن يُفتَح مُجدّدًا...

... حتّى هذا الأمل ضاع بين أكوام التطمينات الكلامية، إلى أن اندثَرت في أرض اللامبالاة، وانطفأت الأضواء الإعلاميّة التي سُلّطت على السّوق أثناء موسم عيد الميلاد المجيد، وابتعد عنه الجمهور، كما بقيَت أبوابه مقفلة، تحتاج إلى مفاتيح العمَل والهِمَّة والإصرار، وهذه الأمور موجودة بأيدي الشّبّان المستعدين دائمًا للتضحية بوقتهم، من أجل إعادة فتح محلاّت السّوق، لنُحيي ذكرياتنا، لكن أين خطّة العمَل؟!!

تآكلت قيمة السوق الأثريّة، بسبب نشوب خلافات كبيرة بين المسئولين في البلدية والمقاولين، قبل عام وأكثر على إعادة ترميمه، ممّا أدى إلى وقف المشروع، ببساطة أرادت البلدية أن تجعل من مشروع إعادة إعمار بيروت... عفوًا السّوق، رداءً تجاريًا، لتتقاسمه فيما بينها. من المواقع الأثريّة الجميلة، هي معصرة عائلة الدُّر القديمة التي عادت لتأخذ دورًا موسميًّا، وفتحت أبوابها للزّوار، ليس بشكلٍ دائم بل مؤقّت، فقط خلال إقامة مهرجان "الزّيت والزّيتون" السنوي، مع بداية موسم قطف الزّيتون.

حظيت هذه المعصرة بتغطية إعلاميّة خليويّة، بادر إليها مشكورًا الصحفي أسعد تلحمي، من خلال صفحته الخاصّة على موقع الفيسبوك، وأجرى لقاءً قصيرًا مصوَّرًا مع السَّيِّدة الفاضلة نهاد دُر (أم رامز)، التي شرحت له نبذة قصيرة عن تاريخ المعصرة، ذكّرتني بتلك الأيام التي تشتاق ذاكرتي لها، أدار المعصرة، المرحومان الفاضلان زوجها يوسف دُر والخال باسم دُر. كانت مسرورة لاهتمام الناس، شرحت بتأثر عن المحتويات الدّاخليّة للمعصرة، التي ما زالت مكانها كما تُرِكَت منذ 16 عامًا، آمل أن تتحوّل المعصرة إلى مزارٍ سياحي، تتبنّاه وزارة السّياحة، حفاظًا على ذاكرتنا الأثريّة.

بما أنّني أتحدّث عن ترميم المواقع الأثرية، لا بُدّ لي أن أذكُر في هذا المقال قُدس الأب اندراوس بحّوث، لأقدّم له جزيل شكري العميق، لحفاظه على المعالم الدّاخلية والخارجية لكنيسة الرّوم الملْكِيين الكاثوليك، عندما قام بحملة ترميم شاملة لها، بمساعدة أهل الخير من مهنيين وعمّال. إن ملامح هذه الكنيسة الأثرية الضخمة لم تتغيّر من الدّاخل بتاتًا، بل تمّ صيانتها بشكل أبهى، بألوان تليق ببيت الله، الحجارة الخارجيّة أُعيد تنظيفها، مع الحفاظ على رونقها المميّز، يا حبّذا لو تتمثّل بلدية الفراغ الإداري، بعمل الكاهن اندراوس، الذي كان سبّاقًا بالقيام بمثل هذا المشروع الضروري، كتقدير لرعيّته التي يخدمها دينيًّا واجتماعيًّا، بما يُرضي رسالته الكهنوتيّة.

الإعلام الإسرائيلي لا يؤمِن بتاتًا بوجود سياحة أثريّة في وسطنا العربي وخاصّة في شفاعمرو، لأن قِسم السياحة في البلديّة لا يعمل، لا يُنسّق مع وزرة السياحة، غير قادر على تمويل حملة ترميم وتنظيف هذه المواقع التاريخيّة، بينما صحيفة هآرتس، عدد يوم الجمعة، الصّادر بتاريخ 25/11/2016 نشَرَت في ملحقها الأسبوعي تقريرًا جميلاً، حول الطّابع القروي لشفاعمرو، ركّز على نساء تُصنّعن بأيديهن الأكلات التقليدية الشّعبية التي كادت تختفي، وهي دليل على أنها امتداد لتاريخ هذه البلدة، وجزء من إرث أجدادنا الزّراعي الذي بالكاد نحافظ عليه.

نحن من خلال إحياء مناسبات أو مهرجانات، نُنعش ذاكرتنا الأثريّة المنسيّة مؤقتًا، أصبحنا نُسلّط عليها الضّوء بصورة سنويّة، بهدف نشر الوعي بين الأجيال الحديثة، فهذه الآثار الثّمينة هي فخرٌ لكل مواطن عربي وشفاعمري، فإذا لم نُحسِن صيانتها كما يجب، ستكون ضربة قاضية لتاريخ هذه المدينة العريقة، سنفقد الذّاكرة الوطنيّة التي ناضل رجالاتنا من أجلها، لذلك لا تسمحوا لزلزال النسيان يبتلع هذه الذّاكرة الأثريّة، في جوف اليأس، ولكن... ربّما إدارة البلدية قد تتعقّل ذات يوم، وتنتبه للتغيير السلبي الذي تُحدِثُه!!