مَارون سَامي عَزّام

مجتمعنا العربي لا أعتقد أن تفكيره المنطقي (في حال وُجِد!!) ناضج أو على قدرٍ كافٍ من الإدراك الحسّي، ولن يرتقي يومًا ما إلى مصاف المجتمعات الحضاريّة التي تحترم احتياجات مواطنيها، أو تُقدّر فئات مجتمعها، وخاصّةً فئة المعاقين التي تشمل كل أنواع الإعاقات، هذا الكلام لا ينطبق فقط على مدينة شفاعمرو، بل على كل المدن والقرى العربية. 
منذ متى اهتمّت جميع بلديات شفاعمرو باحتياجات المعاقين؟! ولا مرّة، إدارة البلديّة الحالية أبدت استعدادها الكلامي المنمّق، بدعم مشاريعهم المستقبليّة، وكلمة الترضية التي ألقاها رئيس البلدية الأستاذ أمين عنبتاوي، في اللقاء الجماهيري الأول، الذي عُقِدَ في شهر أيّار المنصرم، قد منح المعاقون شعورًا أنّهم غير منسيين، ومعظم الأماكن متاحة أمامهم، آمنة بيئيًّا، بدون عثرات أو حواجز، وكما قال نتنياهو: "يطيب العيش في إسرائيل!!"، أي يستطيع المعاقون التّحرّك بأمان... يستطيعون المشاركة في الفعّاليّات الاجتماعيّة... يقدِرون أن يؤدّوا واجبهم الانتخابي بمنتهى "السهولة"، دون أن يمنعهم رجُل الأمن من دخول مكان التّصويت، أي ضِمن المساحة المتاحة التي "هيّئتها" لهم إدارة البلدية، ولكن هيهات ثمّ هيهات!!! 
للأسف الشّديد... الواقع يبدو لي عكس ذلك، فالبلدية وهيئاتها لا يهتمون لأبسط شئون المعاقين الخاصّة، بأن يُصدروا للناس نشرات توعية، بوجوب مراعاة أولويّاتهم، بتخصيص مكان لوقوف سياراتهم لتسهّل عليهم الدخول لأي مكان عام أو مؤسّسة... فمعظم المحلاّت في شفاعمرو والمنطقة غير مهيأة أبدًا لاستقبال المعاقين، فبعض مالكي هذه المباني تجاهلوا المتطلّبات القانونيّة لتراخيص البناء، كان همّهم الوحيد، إنهاء بناء حواصلهم بأقصى سرعة، سعيًا للرّبح المادي السريع، و"لإظهار" الازدهار العمراني الذي تشهده شفاعمرو، في السّنوات الأخيرة!!!
بعض المباني الحديثة، خصّصت أماكنًا خاصّة للمعاقين، ورسمت على الأرض إشارة موقف خاص، بشكلٍ واضحٍ جدًّا، لكن المشكلة بسائقي السيّارات، الذين يوقفون سيّاراتهم في الأمكنة المخصّصة لنا، دون اكتراث لوجود الإشارة... دون أي أدب أخلاقي، دون أدنى احترام لأنظمة السّير، يبحثون عن موقفٍ مريح، ويوقفون سيّاراتهم بشكل عشوائي، غير منظّم، دون أن يُفسحوا لنا مجال المرور!! 
أنا لا ألوم السّائقين، بل إنّي ألوم قسم السير في البلديّة الذي لا يُطبّق قانون حق الإتاحة، وأيضًا لا يُعيّن مراقبين دائمين، يقومون بدويّات يوميّة، على الأماكن المعَدّة للمعاقين، ليسجّلوا للسائقين المخالفين غرامة مالية حسب قانون البلديّات، فعندما يرى السائقون المخالفة موضوعة على زجاج سيّاراتهم، تُلوّح لهم من مغبّة الاستهتار بهذه الفئة من المجتمع، سيستغربون منها للوهلة الأولى، ولكنهم في المرّة القادمة سيتعلّمون كيفيّة التعاطي مع القانون، بشكلٍ جدّي، وكيفيّة التعامل مع الإشارات الخاصّة بصورة إنسانيّة أكثر.
مؤخّرًا كنتُ في إحدى المؤسّسات لأمر ما، وخلال جلستي مع الموظّف، هاتفني شرطي، وطلب منّي أن أزيح سيارتي التي كانت تمنع السيّارة الأخرى من الخروج من الموقف، استأذنت من الموظّف، وخرجتُ لأزيحها، واعتذرت من الشّرطي الذي سألني: لماذا لم توقف سيّارتك في المكان المخصّص لكَ؟!... أجبته لقد كان المكان محجوزًا، عندها قال لي: في المرّة القادمة اتّصل في الشرطة، وستأتي دوريّة خاصّة لتزيح السيّارة التي أخذت مكانك... لقد تكلّم هذا الشّرطي من عقليّة إسرائيليّة منفتحة على الآخر، تُقدّر وضعنا الخاص، بينما عقلية مجتمعنا العربي عامّةً والشفاعمري خاصّةً، ما زالت متخلّفة ثقافيًّا، بلا مفاهيم اجتماعيّة شاملة، تنصب اهتماماتها بنفسها... غير مستعدّة لتقبّل الأخر كما هو.     
أنا أتعجّب من مراقبي السّير الذين نصبوا على أطراف شوارع المدينة شِبه المنظّمة، أعمدة عليها إشارة موقف خاص للمعاقين، لأنّ جميع المواقف  الخاصّة محجوزة، إمّا بسيّارات شحِن أو خاصّة، وكأنّهم اعتقدوا أنها أعمدة إنارة ليليّة، نسَوا أنها إشارات قانونيّة، يُعاقبهم عليها القانون، تدعو المعاقين إلى توقيف سيّاراتهم الخاصّة، لكن للأسف تبقى القوانين المساعدة في البلدية، عبارة عن لوائح إشعارات، بدون تفعيل، لا أهميّة لها... ليس لها أي صبغة شرعية أو حتّى معنويّة، فنحن بالنسبة لمراقبي البلديّة، فئة هامشيّة، غير محسوبين على أحد، ليس لنا وزن انتخابي مؤثّر في المعركة الانتخابيّة القادمة... فلو وجدنا دعمًا أو تجاوبًا من قِبَل سياسيينا المحليّين، لطرحوا قضيانا على جدول أعمال المجلس.      
لم نشهد نحن المعاقون أي تحسّن في البنى التحتيّة للمدينة، يضمن لنا حقّنا بالاندماج الفعلي والحقيقي في المجتمع الشفاعمري، دون الاتكاء على طلب المساعدة من الآخرين، بل زاد الوضع سوءًا، وأصبحت الإتاحة غير مُتاحة بالمرّة، كأنّنا نعيش في نظام تفرقة من نوع جديد، لا أحد يشعُر به... لا أحد يناضِل من أجله... بدون أي إشارة ممنوع الدّخول تدُل على ذلك... بدون حارس يمنعكَ من الدّخول، بمجرّد أن يرى المعاق هيكل المبنى من الخارج، ومدرّج المدخل المرتفع بدون درابزين، يتجنّب دخوله، لأن عزّة نفسه لا تسمح له بطلب المساعدة من أحد.
معروف عن جمهور المعاقين أنهم يمتلكون ردود فِعلٍ قويّة، بمعنى آخر لديهم قُدرة على تحدّي العقبات المجتمعيّة بإرادتهم الصّلبة، فهُم بعزيمتهم التي لا تُقهَر، قادرون على دفع مسيرة بناء الثّقة بأنفسهم من خلال إيمانهم بقدراتهم العقليّة والجسديّة، رغم أن الإتاحة ما زالت غير مُباحة، ولن تكون يومًا ما مُتاحة ف شفاعمرو تحديدًا... إنّما، ممكن تجاوز الصّعاب التي تواجهنا بشكل رسمي، بتحريك آلية عمل أعضاء البلديّة المعطّلة، بالتعاون سويَّةً، على منحنا ساعةً من وقتهم "الثّمين"، ليرفعوا عنّا حظر حريّة التنقّل!!