مارون سامي عزّام

بقلم: مارون سامي عزّام


اعتدنا نحن أن نصوّر الأم على أنها رمز من رموز التضحية في سبيل أسرتها، وأيقونة من الحنان، التي تعلّقها على صدرها، وجعلناها عجوزًا مسكينة، عندما فرَشَ الزّمن على وجهها تجاعيد العُمُر، هذه اللفتات الإبداعيّة، تحترمها ومخزونة في ذاكرة الأم، منذ سنين طويلة، وقد عتّقتها الذّكريات، رغم أنها تعتبرها معابر لغويّة قديمة جدًّا، تسعَد أن تمر منها مشاعرها، لتسمعها سنويًّا مع حلول عيد الأم لتُطيِّب خاطرها. 
المستجدّات الاجتماعية المتسارعة التي طرأت على المجتمع خلال العِقد الأخير، فرضت على تلكَ الأم البالغة بالسِّن، أن تتقمّص دور المرأة المتنوّرة فكريًّا وعصريًّا، لتواكب كل ِما يدور حولها من تطوّرات، أصبح لديها حافزًا قويًّا بمتابعة العجائب التكنولوجيّة التي يستخدمها مُعظَم النّاس، لأنّها ترفض هذه الأم البالغة البقاء خارج تغطيّة الشّبكة الخليويّة، متعدّدة الأشكال والأحجام. 
الحماة تغار من كنّتها، ليس لأنها تلبس على الموضة، أو تذهب إلى الصالونات النّسائيّة المتطوّرة اليوم، أو مثلاً تقود سيّارتها، كي تجوب فيها شوارع الأنا المعبّدة بكبريائها، بل هذه الحماة التي هي أيضًا أم بالغة بالسِّن، تثور الغيرة الإيجابيّة في أعماقها، لأنها ترغب بأن تتواصل مع زوجة ابنها، ليس فقط من خلال الاتّصال الهاتفي العادي، أو من خلال زيارتها، بل تريد التّواصل معها أيضًا بطرقٍ لم تألفها من قَبل هذه الحماة، أي حسب طريقة كنّتها المتّبعَة محلِّيًّا وعالميًّا اليوم، كي تُغيّر هذه الأم من واقعها النّمطي الذي وضعَت نفسها فيه. 
رفضت الأم أن تعمل موجات تفكيرها عبر أثير العمر، الذي يرسل لها ذبذبات الشّيخوخة. دخلت محيط العصرنة الكبير والهائج بالتقلّبات اليوميّة، واجهت الموجات التكنولوجيّة العالية، التي حاولت أن تقذفها على شاطئ الرّاحة، لكنّها أبت أن تستسلم لها، بل ركبَتها بكل عنفوانها... تجدّدت نفسيّتها المتعبة، اخترقت بمجهودها غلاف الهايتِك الغامض والمعقّد، واستطاعت التأقلم مع الصّرعات الرّائجة.
الأمهات البالغات بالسّن تحديدًا، المتفرّغات أسَرِيًّا، انتسبن لدورات الكومبيوتر، التي تُقام في المراكز الجماهيريّة، بدأن بالتعرّف على كيفيّة تشغيل جهاز الكومبيوتر بشكل أوّلي... تعلّمن كيفيّة استخدام برامجه بصورة صحيحة... تعلّمن كيفيّة تصفُّح صفحات الشّبكة العنكبوتيّة المزدحمة بكلّ ما لذّ وطاب، برأيي هذا أفضل بكثير من عَقدِهِنّ جلسات استماع صباحيّة للنّساء!!
ما زلن الأمهات المنتميات للجيل الذّهبي مستمرّات بخطّة تحديث إمكانيّاتهن الذّهنيّة، لملء ِكل زاويةٍ وشِبرٍ من فراغهنَّ، إذ قمن بترقية ميولهن التقنيّة، وأصبحن يستخدمن الهواتف الذّكيّة، كي يُجارين أفراد عائلتهن، نجد منهنّ من دخلن عالَم الإعلام الاجتماعي الجديد، تأقلمن مع تطبيق الواتس أب والإنستجرام، والسناب تشات، فيُدردشن مع أقربائهنّ، أو ينضممن لمجموعات الواتس أب العائليّة، فتملّك الأمّهات إحساسًا بنشوة النّصر على الستيريو تيب المجتمعي. كل هذه الوسائل الاجتماعيّة الافتراضيّة، بالنسبة للأمّهات وللشّبّان الصّغار أيضًا، تُعتبر أكثر شبابيّةً ودهشةً، من موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، الذي يشهد تراجعًا، ولا يلبّي ميولهم، هذا حسب الإحصاءات العالميّة الأخيرة.
هذه التقنيات المحبّبة على بعض الأمهات البالغات، منحتهن حيويّة أكثر، جعلتهن يشعُرن أنهن قادرات على الانخراط مع هذا العصر دائم التجديد في كل لحظة... بعد أن نجحن بالتغلّب على معوّقات قدراتهن التي منعتهنّ من التوغّل في تحديث برمجة عقولهن، فتحن نافذةً واسعةً على العالم، وأيضًا على من حولهن، باستعمالهن أيضًا للحاسوب اللوحي، الذي يسمّى "تابلت"، بطلب المساعدة من أحفادهن المتمرّسين به تقنيًّا، ليتسلّين به بعض الوقت، يبحثن عن أخبار المجتمع، أو يقرأن معلومات صحيّة أو عامّة يستفدن منها.       
عيد الأم لا شك أنه تكريم أزلي للأمومة، وتذكير لنا بألاّ ننسى أفضالها على العائلة، ليشمل مجمل إنجازاتها، لكن سوء الفهم، يكمن في العديد من الأبناء، الذين أخذوا انطباعًا خاطئًا عن أمهاتهم البالغات، بأنهن تقليديّات في مبادئهنّ وتصوّرهنّ، يتجنّبن أي تغيير للأفضل في نهجهنّ الحياتي، رغم أن هؤلاء الأمهات، برأيي يحبّذن أن يكتسبن خبرة جديدة، حفاظًا على نضارة عيشهن، ليس من باب حب الاستطلاع فقط، بل من منطلق الاستمتاع برؤية معالم حياتيّة فيها صور حيّة، لذلك نشهدُ مؤخّرًا تطوّرًا في تقديم الأبناء الهدايا لأمّهاتهم، التي لم تُقتَصَر على الملابس أو باقات الورود، بل أصبحت أجهزة تكنولوجيّة لمسيّة، يتحكّمن بها بصورة طريفة، ليثبتن أنّهن فعلاً أمّهات بالغات وعصريات بامتياز.