منذُ الزّيارة التاريخية التي قام بها الرّئيس بشّار الأسد لجارته تركيّا في كانون الثّاني من عام 2004، كانت هذه أوّل زيارة لرئيس سوري، منذ استقلال سوريا في عام 1946، وكانت العلاقات بين البلدين، يسودها حالة من الفتور السّياسي، حتّى أخذت تتحسّن، في أواخر التسعينيّات من القرن الماضي، بعد الأزمة السياسية التي حصلت بين البلدين، إثر لجوء زعيم الأكراد، عبدالله أوجلان، إلى سوريّا، وقد طالبت تُركيّا بتسليمه لها، إلى أن وافقت الأخيرة، بعد أن هدّدتها تركيا باتخاذ إجراءات عسكرية ضدّها. وقد شهِدَت العلاقات تحسّنا كبيراً في التّعاون العسكري، ممّا أثمر أيضاً باعتقادي عن تعاون إعلامي، على صعيد الترفيه التلفزيوني، وهو محاكاة عربيّة سوريّة عاميّة، لمسلسل "نور" الشّهير، الذي يُعرض يومياً على شاشة mbc 4، لأنّه لأوّل مرّة نشاهد مسلسلاً تركيَّ الإنتاج، مدبلجاً للغة العربية العاميّة، وباللهجةٍ السورية تحديداً، فهذا شيء جديد، في مجال الفن.

 

بصراحة أنا لست من متابعي هذا المسلسل، لأنّني أكره هذه النّوعيّة من المسلسلات، وتحديداً المدبلجة منها، رغم أنّه بهرَ عيون العالم العربي إلى حدٍ من الجنون والهوس غير المعقولَين، لأنّني بدايةً اعتقدت أن المسلسل اسمه "مهنّد"، لكثرة ما "لخَم" الفتيات بجماله ورقّته، وسلب عقولهن بجمال عينيه، ولم أعلم أنّه زوج "نور"، إلاّ مؤخّراً.

 

ظاهرة التّعلّق السّخيف بمسلسلٍ غربي لهذا الحد، لم يشهدها مجتمعنا العربي أبداً، إلاّ حديثاً، رغم أنّه كانت هناك مجموعة من المسلسلات الأمريكيّة التي اشتهرت محليّاً وعالمياً، لكنّنا لم نجلس أمام التلفاز مشدودين لتلك الممثّلة، أو معجبين بجمالها، إلى حد تأليهها، وجعلها جزء من حياتنا اليوميّة، كما يحصل الآن مع "مهنّد"، فهذه قمّة السخافة، أذكُر أيضاً، في ذلك الوقت لم تخلُ الشّوارع من المارّة، ساعة عرض المسلسل الأجنبي. إنّ هذا التسونامي "المهنّدي"، جرَف بل اقتلع عقول بعض فتيات مجتمعنا من أرضية واقعهن، لدرجة أنّهنّ لم ينتبهنّ إلى "عظمة" إنتاج المسلسل!!، وخاصةً عندما أطلقت "نور" النّار على خاطفها "عابدين"...

 

... بصراحة ما شاهدته على الشّاشة لم أشاهده حتّى في أعظم وأكثر الأفلام الأمريكية إثارةً وكلفةً إنتاجيّة، إذ كيف "نور" تُطلق النّار على "عابدين" ولم يخترق الرّصاص جسده ولم ينزف دماً؟!!، إلاّ بعد سقوطه أرضاً، رأيت أن جسده قد اخترقه الرّصاص!! بمنطقة قريبة من قلبه، أو أعلى قليلاً، فهل "احتار" المنتج أين يجب أن "يخترق" الرّصاص جسد الممثّل، أم أن جسَده مضاد له؟!، أمر آخر، لا يُعقل أن يبقى على قيد الحياة طيلة هذه المدّة، إلى حين وصوله إلى المستشفى، ثم لماذا لم ينزف جسده دماً كثيراً، وكأن قِطّا خدشه؟!، رغم أن منطقة صدره يجب أن تغرق بالدّم، والذي تأكّدت منه وبرهَنَ لي أكثر ما شاهدته عينيَّ، خلال مشهد إطلاق النّار، هو استرجاع ذاكرة "نور" للمشهد "المريب"، وما يُسمّى باللغة السّينمائية Flashback.

 

برأيي هذا نور إنتاج خافت، ورخيص للغاية، حتى السّينما المصرية تخجل أن تُنتج مشهداً كهذا، وطيلة الحلقة "المشوّقة جداً"، و"عابدين" موجود في غرفة "العمليّات"!!، إلى أن ظهر على الشّاشة مضجعاً على السّرير في حالة غيبوبة، وفقط "قطعة" من الضّمادة، تغطّي مكان الإصابة، الذي انتقل بأعجوبة إلى مكان أعلى من منطقة القلب، أيُعقل هذا الأمر؟!. كما هو واضح للعَين، أن شركة إنتاج هذا المسلسل، ركَّزت على فخامة الأثاث والأزياء، وإبراز المعالم السّياحيّة التركية السّاحرة، وشّيء آخر اعتمد عليه المسلسل، هو الإكثار من الدراما العاطفية، والمشاهد المؤثّرة ليست على درجة عالية من الأداء. أمر آخر وهام جدا، أن المنتج لم يمنحنا عنصر التّشويق، لنرى مشهد "الحريق" المزعوم بنظري!! الذي شبّ في المصنع، لأنّنا لم نُشاهد المشهد بتاتاً!!

 

الممثّلين السّوريين، لم يكتسبوا بعد الخبرة الكافية في المجال الدّوبلاج، مثل اللبنانيين، ولكن، على ما يبدو لي أن تركيّا أنتجته خصّيصاً للعالم العربي، الموصوف بعاطفيّته وتعاطفه مع أشّقائه الفلسطينيين... عفواً مع الممثّلين، لكن بعض المشاهدات المولَعات والولهات "بشكل وبأداء" فارس أحلامهن "مهنّد"!! حتّى الثمالة العشقية، وليس المشاهدين القلائل، لن يوافقنني الرّأي، عندما يقرءون مقالتي هذه... فاعذُرنني لأنّي أحب رؤية نور الإنتاج يتوهّج فناً حقيقياً... 

(شفاعمرو)