يعيش العالم منذ بدايات هذا القرن أوضاعاً سياسية واقتصادية جديدة أفرزها النظام العالمي الجديد ، والذي من أبرز ملامحه وسماته العولمة ،هذه الأيديولوجية التي تظهر لنا كل يوم وجهاً جديدا ورؤية جديدة ، ولم تستقر بعد على مفهوم واضح يمكن دراسته والعمل وفقه .

ولذلك نعيش ضمن منظومة لا تخضع لأي معايير واضحة أو محددة يمكن الارتكاز علي قاعدتها وتحديد السياسات والخطط والمواقف التي نستطيع تحديد اتجاهاتنا بناءاً عليها ، إضافة لعدم وجود خيارات أخرى يمكن الانحياز لها في ظل القطبية الآحادية التي أفرزت الولايات المتحدة الأمريكية كقوة وحدية تخطط وتبرمج للعالم وفق مصالحها الخاصة ، هذه المصالح التي تنحاز للرأسمال العالمي غير مبالية بالشعوب والأمم والمجتمعات ، ولا بسلطة الدولة المركزية القائمة.

وكعادتنا التاريخية نحن العرب ومنذ انتهاء الحرب العالمية الأولي لا زلنا ننظر للأمور بهامشية وسطحية بعيدا عن الرؤية العلمية الواقعية المتعمقة في المحيط الإقليمي والدولي الذي نعيش فيه ، ونعتبر جزء منه وندور في فلكه ، ولا يمكن عزل أنفسنا عنه نأثر ونتأثر فيه ومنه . وعزلنا أنفسنا كالعادة محاولين السباحة عكس التيار حتى تقوقعنا في حدود الدولة القطرية التي رسمت حدودها في مؤتمر سان ريمو وأصبحت أمراً واقعاً نعترف به وندافع عنه ، وكان للنخبة السياسية والفكرية دوراً في تجسيد التجزئة السياسية والثقافية والجغرافية حفاظا علي مصالح الاستعمار التي تقاطعت مع مصالحها ، ونتاج هذا التقاطع إننا كأمة لا زلنا نعيش تحت وطأة الشعار ونزداد تشرذماً في الفكر والثقافة والرؤية والواقعية ، افترسنا التخلف علي كافة الصعد . ولم نحقق من أحلامنا التحررية شيئا بل نسير بخطي واثقة للعودة للمربع الأول الذي بدأنا منه سنة 1917م .

هذه المقدمة الطويلة لم تأتِ اعتباطا أو استعراضا بل هي وليدة مشكلة الحجاج الفلسطينيين العالقين في نويبع والتي مثلت دافعاً لهذا المقال .

فعندما انقسم العرب وأصبحوا (22) دولة بدأت كل دولة تبحث عن قطريتها ومصالحها بغض النظر عن نتائج هذه القطرية الضيقة علي الآخرين من دول الجوار ذات رباط اللغة والدين والعادات والتقاليد ، وعليه لا زالت الدول العربية تعيش في محور قطريتها وأزماتها وتزداد أوضاعها سوءاً يوماً تلو يوم ، بالرغم من وجود الدولة القطرية واقعيا إلا إنها عمليا فشلت في أداء وظيفتها السيادية وزادت الأمور تعقيدا وتخلفا.

الحال ينطبق على الواقع الفلسطيني الحالي الذي انقسم على نفسه في حدود أضيق من القطرية السابقة ، وأصبح كل طرف يسعي جاهدا لإثبات شرعيته ضمن حدوده التي تقوقع فيها ، وبدأت العملية التاريخية تعيد نفسها بشكل مصغر سياسيا، وجغرافيا ، وتحولت قضيتنا الوطنية تختزل في التجاذب بين غزة ورام الله ومن الشرعي ومن غير الشرعي ، ومدي قدرة كل طرف في الرد علي الطرف الآخر دون أي حسابات وطنية أو إنسانية لشعب يدفع الثمن لوحده حتى وصل الأمر للتضحية بالشعب لصالح الانقسامية السياسية ، وما مشكلة الحجاج إلا جزء من هذه السياسة التي يدفع ثمنها أهلنا نتيجة لعبة (القط والفأر) بين حماس (غزة) وفتح (رام الله) .

تدرك حماس بقيادتها الداخلية والخارجية أن الخارطة السياسية لا ثبات في قاعدتها وحدودها ، وإنها متقلبة تتجاذبها المصالح ، فالثبات صفة غير معلومة في علم السياسة وممارستها ، ولا كلمة شرف فيها ، وان الجميع يلهث لتحقيق مصالحه القطرية الخاصة ، من هنا وقعت حماس تحت تأثير ردات الفعل ، ومحاولاتها لتسجيل موقف ضد رام الله واتفقت مع مصر على مغادرة الحجاج من معبر رفح رافضة أي عملية تنسيق ومشاورة مع رام الله ، وفعلاً نجحت واستطاعت  فتح المعبر وسافر الحجاج إلي الديار المقدسة فماذا حدث؟ عادت المشكلة أكثر تعقيدا وأصعب وأعمق عندما تحركت السياسة لتقول كلمتها ولتضغط على مصر وتعرقل عودة الحجاج ، فهل خططت حماس للبديل ؟ وهل توقعت ولو بنسبة 1% أن يحدث ما حدث؟ وهل وضعت الحلول البديلة ؟ هذه الأسئلة لا تخضع سوي لمعرفة مدي قدرة رجال السياسة الفلسطينيين ، والقاعدة التي تنطلق منها حركة حماس في قيادة شعب بأكمله ، وما هي الواقعية السياسية التي تعمل وتنطلق من خلالها ، أم تعتقد أن الصوت العالي وحشد عشرات المسلحين على الحدود واستنهاض العالم إعلاميا سيغير من موازين القوي الظالمة التي لا تأبه سوي بمصالحها وإرادتها .

تعلمنا بالعرف السياسي أن القوي يفرض إرادته وأن الضعيف لا بد وأن يجد الصيغ التي يستطيع من خلالها امتصاص ضعفه وامتلاك أدوات الذكاء لكي يتمكن من تحقيق جزءاً من غاياته وأمانيه وطموحاته ، وليس وفق (عنزة ولو طارت ) فلن نحقق سوي مزيداً من الانهزام ، وهذا يعود بنا لتجربة اليمين النمساوي عندما أستطاع أن يفهم ويعي الظروف السياسية وموازين القوي المحيطة ، فضحي بالسلطة لأجل وطنه وشعبة ، هنا لا أطالب حماس بالتضحية بالسلطة لأنها ووفق كل المؤشرات لن تفعل بل هي لا زالت تخوض المعركة بالهروب إلي الأمام.

نعود لقضية حجاجنا العالقين في نويبع واشتراط عودتهم بالتوقيع علي تعهد بالعودة عن معبر ابو سالم وهو الشيء المرفوض قطعاً ومطلقاً بما إنهم غادروا من معبر رفح فلا بد من عودتهم من معبر رفح وهذا أخلاقيا ووطنياً ويجب أن يحدث ، ولكن من يتحمل وزر هؤلاء الحجاج ؟ ومسئولية عودتهم؟

من يتحمل هذه المسؤولية هي الأطراف التي فتحت المعبر لمغادرتهم ضمن اتفاقية ما وعلي جميع الأطراف أن تلتزم بما اتفقت عليه ، وتوافقت حماس ومصر علي خروج الحجاج من معبر رفح.

هناك الكثير من زج باسم م ت ف والسلطة الوطنية بالمشكلة وهو حق يراد به باطل ، نعم على م ت ف تحمل مسؤولياتها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني تجاه أبناء شعبها وهذا لا نقاش حوله ، كون مسؤوليتها لا تتحدد ضمن حدود جغرافية معينة ، بل هي مسئولة عن كل مواطن فلسطيني علي الكرة الأرضية ، رغم عدم التنسيق معها أو استشارتها في مغادرة الحجاج للديار الحجازية ، بل هناك من كتب عن مغادرة الحجاج وكأنه انجاز وضربة معلم لطم م ت ف بمقتل وزف البشري وأعلن التهاني وأقام الأفراح وهؤلاء يثبتوا إنهم أقزام في تفكيرهم السياسي ، وقصر نظر يخضع للشخصنة الذاتية الطفولية التي تقودهم في تناول القضايا والأمور .

أما السلطة الوطنية فأي سلطة التي عليها أن تتحرك هل هي سلطة رام الله التي تكال لها أبشع وأفظع التهم على مدار الساعة ، فكيف إذن ستطالب الآن بالتدخل  وفق العرف الأخلاقي؟ ورغم ذلك يتوجب عليها التحرك فعلياً وفعل كل ما تستطيع أن تفعله لحل مشكلة حجاجنا الأعزاء الذين يدفعون الثمن كضحية لأباطرة السياسة .

وحتى لا يفهم ذلك بأنه تحيز لأحد الأطراف ضد طرف أخر ، فبيت القصيد هنا هو ضرورة قياس الأمور بذكاء وقراءة الواقع السياسي المحيط عالميا – إقليميا – محليا والأخذ بعين الاعتبار التغيير في السياسة لصالح المصالح الخاصة لكل طرف ، وعدم البحث عن الاندفاع لتحقيق انجازات ونصر للنخبة السلطوية التي تتثبت بالجاه والسلطان علي حساب أهلها وشعبها .

فالسلطة عامة وبكل أنواعها يتمثل هدفها في تحقيق الرفاهية والتنمية والحرية لشعبها ، وليس التضحية بالشعب لصالح إعادة إنتاج أنظمة سياسية استبدادية بأشكال أكثر تقليدية عن الأنظمة القائمة .

فلنتكاثف جميعا وننهض من فئوياتنا الضيقة ونبحث عن حلول موضوعية تعيدنا لمصاف الأمم المحترمة القادرة علي البقاء والنهوض .

سامي الأخرس

30/12/2007