منذ سنوات أراهم هناك. يقفزون بين السيارات. في الهواء الطلق والشتاء، في الرياح والربيع، تحت المطر وأشعة الصباح الحامية في الصيف (قبل العطلة). ينتقلون من جانب إلى آخر. يمسكون بأيدي الصغار. يلتقفونها بمسؤولية. بحب. يأخذون بها إلى الطرف الآخر من الشارع.

أحدثكم عن آباء. يتطوعون بمحض خاطر. يداومون بالتزام. لا الكرت ينتظرهم ولا المعاش. لا صراخ صاحب العمل ولا الزبون. زبائنهم أطفالنا. ونحن.

أحدثكم عن ظاهرة جميلة. عن نبتة تشق الصخر وتنبعث إلى الحياة. تغرس جذورها عميقا في تربة الانتماء إلى هذا المجتمع وهذا الوطن.

بين عدة مؤسسات تربوية يقفون. على مفترق طريق شبيه بعنق الزجاجة. كل السيارات المارة من أمام المدارس تتراص وتنحشر وتزدحم هناك. تصطف. تقف بالطابور. تزمّر. تصفّر. ويطلق سائقوها وسائقاتها صرخات الغضب على التأخر في الصباح عن العمل، أو الروضة أو البستان أو المدرسة الأخرى.

بين مدارس الشافعي، الحكمة، الرحمة وبستاني الأشبال والمعالي يقفون كل يوم. كل يوم. الناظرون إلى هذا المشهد يظنونه مؤقتا، لمرة واحدة فقط، أو مرتين. والذي يعود في اليوم التالي ويجدهم يمسكون بأنامل أولادنا ويسيرون بهم بين السيارات حتى يصلوا رصيف الأمان يظن ان الأمر قد يستمر أياما، أسابيع وينقطع، لكنني أمرّ من هناك منذ سنوات، يركب أولادي في سيارتي وينزلون في عنق الزجاجة المضغوط الذي تمتد فيه ارتال السيارات الصباحية مسافات طويلة.  

لمشاهدة فيديو، يمكن الضغط على الرابط المرفق:

http://www.youtube.com/watch?v=O9d2kgcWIik

إنني أحدثكم سيداتي وسادتي عن عدد قليل من الآباء. ثلاثة أو أربعة. يقفون  يوميا في مفترق مزدحم بحركة السير. ولأن المدارس في هذه المنطقة هي للأولاد الصغار فإن ما يقومون به هو على قدر كبير من الحساسية والأهمية. وخصوصا أنهم يصطحبون أبناءنا، فلذات أكبادنا إلى بر الأمان وسط "ميمعة" خطيرة و"عجقة" ثقيلة لا تجعلنا نطمئن على بناتنا وأبنائنا إلا إذا وصلوا إلى ساحة المدرسة فنتنفس الصعداء ونكون من السعداء.

تقف من جهة فترى الأخ ناجح دروبي  يوقف مركبة مسرعة، و فوزي أبو طعمة يشد على يد طفل يقوده بين الزحام لئلا يفلت من قبضته الحنونة فجأة وسط ضغط المركبات، وعادل جعفر لا يسمح لسائق بأن يلتف في وسط المفترق. فهذا السائق، يفكر في توفير الوقت على نفسه لكنه قد يتسبب بانحشار المركبات وانطلاق "الزمامير" وتقطب التجاعيد الغاضبة فوق جبين بعض السائقين. وإلى هذه الجوقة ينضم بين الفينة والفينة الدكتور سامي قعدان الذي يؤشر بيده لتقدم السيارات إلى الأمام وآباء آخرون يسخّرون أنفسهم بالتزام شديد، لا احد يدفعهم إليه دفعا، لا مكرها أخوك بل بطل، ولا ينتظرون "قهوة على المفرق" كما تشدو فيروزنا، ولا حتى كلمة شكر منا نحن الأهالي. إنهم يفعلون ذلك من أجل أولادنا وأولادهم. يقومون بهذه الرسالة من منطلق التحامهم بهموم مجتمعهم. لا يبحثون عن المسميات والشعارات. وإن اسمينا ذلك "عطاء" وهو القيمة التي نقشتها الشافعي على رايتها للشهر الحالي ضمن إطار برنامج مفتاح القلب، فإن عطاءهم بئر لا تنضب، بل تنبض طوال أعوام.

وأنا مدرك بأن هناك تجارب أخرى قد تكون مشابهة أو مماثلة مع دوريات الأطفال للأمان على الطرق أمام مدارسهم، وهم أيضا نخلع قبعتنا شكرا لهم ولأهاليهم الذين ينضمون إليهم أحيانا، فلا يعقل ان نترك أولادنا لوحدهم "يسيّرون" حركة المرور، ولا بد من انخراط بعض المعلمين، كما ألاحظ غالبا، ليحموا هؤلاء الأطفال المسؤولين ببصرهم وبصيرتهم وليحموهم بخفقات قلوبهم.

شكرا، أقول لكم على الرفق بأبنائنا وبناتنا، وعلى بحثكم الدائم عن سلامتهم وطمأنينتنا.

ما أجدر ان تتحول هذه التجربة إلى نموذج يقتدى به في مجتمعنا وبين أهالينا.

عمموا هذه التجربة ليكون أولادنا المستفيدين الرئيسيين الذين ينهلون من بئر العطاء.

وما أجملهم، بعد انتهاء "ورديتهم" يأخذون نفسا عميقا، يشعرون براحة، يوم آخر انطوى في تأمين سلامة صغارنا.