يكمن
في داخل كل منا طفل صغير يعايشه أحيانًا وأحيانا يظهره على الملأ وتارة يخفيه وطورًا يبرزه. ويتجلى ذلك في مخاطبة الواحد منا للطفل، أو يكتب لعالم الأطفال. وقد يحاول الكاتب البالغ أن يسبر أغوار النفس الطفولية ويصدق مع نفسه ومع الطفل في ما يكتبه له. فينجح مرة ويخفق مرات ظنًا منه أن ما يكتبه سيكون ملائمًا للأطفال بغض النظر على الصيغة التي يضعها والفكرة التي يطرحها للطفل.

ونعلم من الكتاب الذين وضعوا مؤلفاتهم للأطفال بأنهم استعادوا طفولتهم، وتصرفوا كالأطفال وتحدثوا بلغتهم، ولم يكتبوا للكبار الذين سيقرأون لصغارهم.

وأورد في هذا السياق لقاءاتي بالشاعرة العبرية مريم يلان شتكليس، وهي شاعرة الأطفال العبرية الأولى، وقد زرتها في منزلها مرات عديدة وحادثتها عن شعرها وعن كتابتها، فكانت تقرأ لي من القصائد والقصص ما يثير الإعجاب والدهشة. لأنها كانت تخاطب الطفل بلغته، وتتحدث مع بخياله، وتأتي به إلى عالمها الذي يشبه عالمه تمامًا فلا تتكلف ولا تتصنع ولا تملي رأيها بل تجعل الطفل يصاحبها في رحلة ممتعة وشيقة من السرد الجذاب والشعر البديع. وسنحت لي الفرصة لأترجم لها قصيدتها الشهيرة "ميخائيل" التي يعرفها كل طفل يهودي.

وعدا عن كتاباتها فقد كانت هذه الشاعرة تعيش حياة طفولة وهي في سن السبعين والثمانين، وتقتني كل ما يلائم الأطفال والصغار من أدوات منزلية، كالكؤوس والأطباق والملاعق والمقاعد وسائر الأثاث، وجعلت حياتها برمتها كما يريدها الطفل بالضبط.

ومن جهة أخرى كانت لي مقابلة مع أحد كتابنا المرموقين، وسألته لماذا لا يكتب للأطفال. فأجاب بأنه لا يجسر على ذلك ولا يجرؤ لأنه أضاع الطفل الذي بداخله. وعندما كان يقدم أحد المؤلفين قصة له ويسميها "قصة للأطفال" أقرأها وإذ بها للكبار، قلبًا وقالبًا. فيكتب كما لو أن الكبار هم الذين سيقرأونها، أو هم الذين يجب أن يفهموا مضمونها. وحتى أحداثها تأتي بفير تلقائية أو عفوية أو طفولية بل تعج بالمعلومات والتعليمات والتنبيهات، وبلغة "يجب أن يكون كذا وكذا"، بدلاً من أن يدع شخصيات الأطفال في القصة حرة طليقة، تتصرف على هواها وعلى سجيتها، وتعيش الأحداث التي يجب أن ترد في الحكاية.

هذا عدا عن أن مثل هذه القصص تأتي تعليمية، وكأن المعلمة في الصف هي التي تكتب وتخاطب أولاد صفها. وهذا بعيد كل البعد عن جوهر الكتابة للأطفال، لأن مثل هذا الكاتب أو الكاتبة، يبغي النواحي التربوية المرسومة مسبقًا، والتي وضع أهدافها وحدد معالمها علماء التربية والمختصون. ولا داعي لأن يقول الكاتب بأنه يكتب قصة للأطفال بل إنه يكتب قصة تربوية، تعليمية وتثقيفية لكي يشرح للطلاب، ويعلمهم عن الزرافة أو الفيل أو القطار أو الجبل أو الفأر أو الكذب والصدق أو غيرها من الأهداف التربوية العديدة التي يتعلمها الطفل في سياق دراسته المدرسية، وصفوفه التعليمية.

وأشد ما يدهشني أن يكتب المؤلف قصة للأطفال وهو لم يطلع على أدب الأطفال وربما لم يقرأ أو يطالع أي قصة للأطفال من الأدب العالمي. وها هو الكاتب المعروف هانس كريستيان أندرسون قد أغنى المكتبة العالمية بمؤلفات رائعة، وتحول قسم كبير منها إلى مسرحيات عالمية وحتى إلى أفلام سينمائية رائعة. فمن لم يقرأ لأندرسون هذا فكيف سيكتب مثله على الأقل؟ إن الأداب العالمية والعربية مليئة بالقصص الجميلة والتي يجدر بنا أن نتعرف عليها ونقتدي بها.

إن هذا التقديم المسهب أضعه بين يدي القارئ ليكون الحكم الصحيح والعادل على ما يكتب مبدعونا. وأضعه بين يدي صديقي الكاتب نادر أبو تامر، الذي فاض قلمه بمجموعة لا بأس بها من القصص للأطفال والمزينة برسومات ولوحات جميلة. ولكن يبدو أن صديقي الكاتب، وهو لا يزال حديث العهد في عالم القصة للأطفال قد أصدر حتى الآن ما يربو على عشر قصص، وأخذ ينحو نهج الكتابة للأطفال مخاطبًا الجميع، أطفالاً وكبارًا على حد سواء، وهذا ما يضعه في مصاف المؤلفين الذين يبلورون خطواتهم ويوضحون دربهم بشكل صحيح في عالم أدب الأطفال.

وتتنوع القصص التي وضعها نادر أبو تامر في مواضيعها وأساليبها، نماذجها ومحاورها، فجاءت متفاوتة الأهمية ومتنوعة المستوى، فمنها ما هو بمستوى إدراك الطفل، ومنها ما هو أبعد بقليل ويحتاج إلى تفسير أو شرح من البالغين. ومنها ما يمكن للطفل الذي يميز الحروف أن يتفهم مضمونها، ومنها ما يجب على الكبار أن يقرأوها له مفسرين ومحللين. واستطاع أن يحقق الطفل الذي في حناياه ويناجي الطفل الذي في ثناياه، وأفلح بنقل هذه المخاطبة من الورق إلى نفس كل قارئ منا. وتحدث عن مواضيع تأتي في سياق المثالي والمطلق والفكرة، كقصة السائق الصغير أو أجنحة الملائكة أو شجرة الأصدقاء.

وإذا كنت أورد مثالاً على إحدى القصص الجميلة والجيدة لكاتبنا فإني سأتخذ من قصة الزرافة التي وضعها مؤخرًا، نموذجًا للقصة المتكاملة المبنى والمنسقة السرد، وذات الشخصيات الرائعة. فقد لاحظت أن الزرافة ظريفة تأخذ البعد الإنساني أكثر من البعد الحيواني في سلوكها، فبالرغم من سخرية الأصدقاء من جسمها القصير والصغير، وبالرغم من الإهانات التي تعرضت لها، وبالرغم من انتهار الكبار وعدم رغبتهم بتلقي مساعدتها، إلا أنها تعالت فوق هذا كله. وبقيت مع القطيع ومضت مع المجموعة التي هي مجتمعها، راضية بما قسم لها ربها. ولكنها استطاعت إنقاذهم وقت الشدة ونسيت الماضي ولم تحقد ولم تترصد الفرصة لكي ترد لهم الإساءة بالإساءة. وقد أدرك أبوها ذلك من قبل، وهو الرجل الحكيم، وطمأنها بأنها ستفرح وسيلعبون معها وألا تقلق من هذا الوضع الحالي.

وأخذ كاتبنا هذه القضية التربوية وعالجها بحنكة وروية، واستطاع أن يتوغل في عمق النفس الإنسانية، ويتصرف بهذه الشخصية كما يريدها، وكما تريد هي أن تتصرف. ولا أعتقد بأنه حاول تحديد حريتها أو تقييد تصرفها، بل جعلها تتصرف وتنطق وتقول كلمات تأتي على ألسنة الحكماء، وعلى ألسنة الناس الذين يدركون كنه أمورهم. وأظن أن هذه الزرافة ستصبح مثالاً لكل طفل، ونموذجًا لكل أب وأم يواجهون طفلاً ذا وضع خاص، أو إعاقة ما، أو تخلف معين، أو عجز طفيف كان أم كبير.

إن المحاور التي تدور هذه القصة فيها هي محاور إنسانية حتى لو جاءت على لسان الحيوان، وتظهر المقارنة بوضوح بين السلوك الإنساني والسلوك الحيواني، وكاتبنا، نادر أبو تامر، استطاع أن "يؤنسن" الحيوان، وأن "يحيوِنَ" الإنسان اللئيم والظالم والحقود.

إن المكافأة التي يحصل عليها كل من يساعد مجتمعه، هي مكافأة عظيمة القيمة، فكم بالحري إذا أتت المساعدة من قاصر أو معاق أو عاجز؟ فهي بلا شك لا توصف ولا تثمن. وتجعل الحاصل عليها يبتسم ابتسامة الاطمئنان، وينظر بعين الرضا، ويطرح ما مر به جانبًا ويفكر بالمستقبل الزاهر الجميل والذي سيمضيه مع سائر رفاقه وذويه وخلانه. وتصبح مسألة الثواب قضية يتكرم فيها المجتمع على أفراده، ويقدر جهودهم ويقيم أعمالهم. ولا شك بأن هذه القصة التربوية تتشابه في هدفها مع القصص التي ترقى إلى المستوى العالمي، وتضع كاتبها في مصاف الكتاب الذين يستحقون أن نسميهم كتابًا للأطفال.

أتمنى لأديبنا التوفيق، وأنا أراه يتحلى بروح الطفولة، ويخاطب كل طفل فينا، ويناغي الغض ويبين للراشد ويسرد للمتشوق أروع القصص والحكايا.