تكررت زياراتي إلى مستشفى العائلة المقدسة في الناصرة في الأسبوع الأخير حيث تعالج ابنتي في أحد أقسام مستشفى النمساوي في المدينة.. وأذكر بأني زرت هذا المستشفى قبل أكثر من 5 سنوات كي أعود هذه المرة لأشاهد أقساماً جديدة فتحت أمام الجمهور والمرضى واتساع المستشفى على مساحات جديدة لكن العمل وعلى ما يبدو يجري ببطء لاعتقادي بأن السلطات الإسرائيلية ليست على عجل  لتحويل الميزانيات لمشروع يقام في إحدى المدن العربية. وفي زيارتي الأخيرة هذا الأسبوع التقيت صدفة مع الوزير السابق وليد صادق والذي حضر الى المكان لعودة ابنته.. ولا أنسى كلمات الصديق القديم وليد صادق عندما قال: أنا متفاجىء من هذا العمران وهذا الترتيب والنظام ولم أعرف بأن في وسطنا العربي مثل هذا المستوى من الخدمات الطبية.. لقد كانت كلمات معاليه تثلج الصدر وتذيب الجليد عن القلوب فهذه شهادة جديرة بالاهتمام, لكن ونحن في سياق هذه المشاعر أزعجتني في هذه الزيارات لمستشفى العائلة المقدسة حيال تصرفاتنا نحن العرب اتجاه هذه الأماكن والتي أعتبرها مقدسة بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ.. فعندما نحصل على الخدمة الطبية من أيادٍ وطواقم مهنية تعمل كل ما تستطيع لشفائنا وتسهر الليالي والساعات من أجل تخفيف أوجاعنا والآمنا فإنها أعمال بل خطوات مقدسة يحبها الله..وعندما أبصر في أنحاء المكان وفي كل زاوية راهبة متطوعة تنظر تارة إلى السماء تبحث عن وجه الله وتارة لوجه مريض.. وفي هذه الحالات يتحول المكان إلى خلية من النحل فكل ممرض وطبيب يقوم بواجبه اتجاه مرضاه وأمام كل هذه الحالات شاهدت في باحة المستشفى تمثال سيدتنا العذراء تنظر إلى الناصرة وعينيها تراقب أبناء الله.

ما أزعجني في زيارتي بأننا لم نصل بعد إلى درجة احترام انجازاتنا فبدل أن يقف صاحب السيارة الخصوصية في المكان المناسب في المستشفى فقد فضل إدخال سيارته إلى المكان المعد لسيارة الإسعاف الخاصة بل وذهب سائق هذه السيارة بوقاحته إلى أكثر من ذلك إذ أثار الجدال مع حارس المكان.. وما أزعجني هو حضور العائلات مع أسراب أطفالهم وكأنهم يدخلون إلى حديقة العاب حيث حول هؤلاء أقسام المستشفى إلى روضة بديلة في العطلة الصيفية فدخل هؤلاء الأطفال إلى غرف المرضى وبقيت عائلاتهم ملتهية في حديث وقصص لم تنتهي في بيوتهم فحولوا المستشفى إلى حلقات عائلية للعتاب وغاب عن هؤلاء بأنهم في مكان يحتاج إلى الهدوء ولأن في الغرف المجاورة  مرضى لا ينامون من أوجاعهم والآمهم.

ما يزعجني بأننا لا نعرف بأن هذه المشاريع هي انجاز العقول العربية والتي استوعبت أبناءنا للعمل فيها وفي وقت حرمتنا السلطات من استيعاب هؤلاء الأبناء والذين غادروا بيوتهم ووطنهم من أجل تعليمهم.. وما يزعجني هو عدم تقديرنا لرجال العائلة المقدسة الذين سافروا محطات العالم من أجل الحصول على التبرعات لشراء الأجهزة الدقيقة والتي تكلف الملايين ومن أجل بناء أقسام طبية مختلفة تقضي حاجة جمهورنا المحتاج لمثل هذه الأماكن.

ما أجملنا وما أجمل نفوسنا حين نرتقي إلى مستوى مقدساتنا.. ما أجملنا حين نعود بصفحات تاريخنا لنكتشف بأننا كنا الأوائل في علوم الطب والفيزياء والكيمياء.. وما أجملنا حين نسير مع ركب الحضارة وتربية أولادنا على احترام أنفسهم واحترام غيرهم ونميز بين الأشياء.. وما أجملنا حينما نقدر مؤسساتنا ونرتقي بها لتكون منارتنا نحو مستقبل مشرق.. وما أجملنا حينما نزرع الورد في قلوبنا من أجل شفاء الآخرين.